St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-st-drusis
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب القديسة الشهيدة دروسيس (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي) - مليكة حبيب يوسف، يوسف حبيب

1- من القصر إلى السماء: رحلة دروسيس من العرش الأرضي إلى الملكوت الإلهي

 

إلى الذين يسألون: ما هي فعالية الكلمة الإلهية: توبوا فأن قد اقترب ملكوت السموات، يجدو بنا ان نعرّفهم بالعذراء دروسيس الشجاعة جدًا، ونمسك عن الكلام، لأن ما يمكن ان تراه امام عينيك لا داعي لإظهاره باللسان.

فأنه حينما ترى شابة صغيرة جدًا تجاوزت مرحلة الطفولة، هي ابنة تراجان الذي تملّك على الرومان، تربت في القصر الملكي، ولها السيادة على صولجان الملك بصفتها وارثة، وكانت تزدان بكل زهور هذا العالم، لها كل الخيرات، تفيض عليها كل انواع المباهج التي تفنّن الحواس وتجعلها تهيم اشتياقًا، حينما ترى فتاة كهذه تركض متعدية كل هذا كأنه تراب أو حلم: وتسمو فوق الأشياء الأرضيات متجهة إلى نداء المسيح مباشرةً، فترتبط كليًا بالرجاء السمائي والمسكن الطوباوي، افلا تقول ان ملكوت السموات قد اقترب؟ بل انه قريب وحاضر.

St-Takla.org Image: The Christians in the Arena at Lyons: martyrdom - from the book: The Story of the Greatest Nations 5, by Edward S. Ellis and Francis Horne, 1901-1914. صورة في موقع الأنبا تكلا: المسيحيون في ساحة ليون: الاستشهاد - من كتاب الأمم الكبرى 5، إدوارد إس. إيليس وتشارلز فرانسيس هورن، 1901-1914 م.

St-Takla.org Image: The Christians in the Arena at Lyons: martyrdom - from the book: The Story of the Greatest Nations 5, by Edward S. Ellis and Francis Horne, 1901-1914.

صورة في موقع الأنبا تكلا: المسيحيون في ساحة ليون: الاستشهاد - من كتاب الأمم الكبرى 5، إدوارد إس. إيليس وتشارلز فرانسيس هورن، 1901-1914 م.

وبخصوص الذين هم عبيد الذات المخربة، فهم تحت سلطان الخطية، حسبما كتبه بولس الرسول إلى اهل رومية: (إذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته) (رو 6: 12). وبنفس الطريقة فإن الذين تتملك الافكار الالهية والسماوية على عقولهم، الذين بحسب كلمة بولس الرسول نفسه قد قدموا لله اعضاءهم كأسلحة بر، وهكذا أيضًا تكون أعمال الروح لاتمام اوامره تعالي للجيوش السمائية وفيها يرتل داود النبي: (باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته) (مز 103: 21)، وبينما يحيون هذه الحياة الأرضية يجعلون ملكوت السموات منهم قريبًا ويسلكون تحت سلطانه سلوك الارواح السمائية العقلية، يتجهون إليه وهم يحملونه في داخلهم ويحيطون به، وهذا ما قاله مخلصنا لتلاميذه: (ها ملكوت الله داخلكم) (لو17: 21).

إن الصلاة النموذجية العظيمة اللائقة بالله التي تركها لنا مخلصنا تشهد أيضًا ان ملكوت الله وملكوت السموات يتضمن هذا: ان نريد ونعمل الاشياء السماوية وكل ما يريده الله، وان نمزج افكارنا بمشيئة الله. لأن بعد ان نقول: (ليأتي ملكوتك)، وبعدها نقول: (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) (مت6: 10). مظهرين ان ملكوت الله هو هذا: مثل مدينة تحكمها القوانين حكمًا حسنًا، تنقاد الروح بالاشياء التي ترضي الله وتكون هذه الاشياء متسلطة عليها، وتكون بحملتها تحت حكمه وحده خاضعة لربوبيته، لا تفكر في شيء غريب، حتى تكون المشيئة الالهية وكلمة على الأرض بواسطتنا، كما هي في السماء بواسطة الجيوش السمائية بها، وحتى أيضًا هذا ليس هناك سوى ملكوت واحد يأتي من العلا إلى الأرضيات، ومن الأرضيات إلى العلا، راسخ تسوده الوحدة في الطاعة وتوافق المشتركين حسب المراد من قولنا: (ليأتي ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

حينما تشترك دروسيس في هذا الملكوت وتضيء بنور مشيئة الله دون ان تشبع منه، وتدوس بقدمها المملكة الأرضية، فهي تقول: (توبوا لأنكم ترون ان ملكوت السموات قد تملك فيَّ وهو كائن حالًا بينكم). تلك التي كانت سيدة الأرض، التي ملكت كل الأرض، أي شيء اخر كان يستطيع ان يقنعها بأن تحتقر فجأةً كل شيء، سوى هذا المسكن وهذه الراحة السمائية، وكان كل من يرى ذلك يتعجب ويدهش في قراءة نفسه فيقّر قائلًا: (حقًا إذا يعترف المسيحيون بملكوت السموات)، حتى من كانوا في هذه الدنيا لا عربون لرجاء الاخر لديهم، يتضئوا بنور سماوي الهي، غير سالكين بالروح، لم يتركوا الأرضيات لينقادوا إلى ما هو فوق قائمين بطريقة ما في المساكن العلوية.

ليست الملكات من يقنعن بالترجي بدون أساس بدل السلطان الملكي، بل يجب الاعتقاد ان المسيح يظهر بالمرئيات حقيقة كلماته التي هي أيضًا فوق الإيمان. ان تترك فتاة شابة بيت ابويها مأخوذة بجمال شاب أو بالأموال العظيمة والمتعة، أو بغرور العالم والفتنة والاغراء ولا سيما السعي وراء الجنس اللطيف، فهذا يمكن ان نجده بسهولة في الروايات القديمة وكذلك في الزمن الغابر، وأيضًا في زمننا توجد امثلة عديدة شريرة من هذا النوع. اما ان تصل دروسيس الشجاعة بأعمال الادارة، إلى ديانة غير مألوفة في خاصتها، وإلى إيمان المسيحيين الذي يتطلب منها ان تحتقر الهة عديدة مشهورة غير موجودة، ذلك الذي يعلم العفة والقوة في سائر طرق الكمال، ولو ادى الامر ان يكون ملاحقا معذبًا، فهذا هو العسير. في هذه المعانة الشّاقة لا يقتصر الامر ان يقاسي من إيمان المسيحيين فقط من ناحية القوانين والملوك وذوي الحكم والسلطان، أو من ناحية الذين ينظمون اجتماعات الجنود أو جريًا على عادات الاجداد المنتشرة في كل مكان وعبادة الشياطين وقد تسلطوا حتى كأنهم يحكمون العالم، بل ان ما همت بفعله دروسيس كان من عمل هذه النار التي فال عنها المسيح الهنا في الاناجيل: (جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا اريد لو اضطرمت) (لو12: 49).

هذه النار حينما سرت في روح الشهيدة، اشعلت واحرقت إذا كل الافكار الأرضية الدنيوية مثل القش، وبعد ان استحوذت على كل عقلها تحوطه مثل العليّقة التي رآها موسى النبي مشتعلة ولا تحرق، (ظهر له ملاك الرب يلهب نار من وسط عليقة فنظر واذا العلقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق) (خر3: 2). بعد اصعدت إلى فوق لهبا يبرق، رفعت الفتاة الشابة كطائر في الهواء، ورفعتها إلى السماء، منذ ذلك الحين كانت منشغلة كلية ومرتبطة بالجمال الأسمَى، فكانت لا تبالي بما يجذبها نحو الأرض.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-st-drusis/throne.html

تقصير الرابط:
tak.la/8nchrq9