St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-blessed-merciful
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب طوبى للرحماء لأنهم يرحمون (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي) - مليكة حبيب يوسف، يوسف حبيب

4- إبراهيم قدوة للأغنياء

 

بنفس هذا الأسلوب كان أبونا إبراهيم أيضًا غنيًا؛ فكانت لديه الأملاك الكثيرة من كل نوع، وفضلًا عن ذلك كان مسكينًا بالروح يحتقر المادة كل يوم، بعيدًا عن شهوة الملكية الزائدة عن الحاجة، لدرجة أنه بعد أن حارب خمسة ملوك وكانوا قد أتوا لمحاربة سدوم وعامورة، وإنتصر عليهم في المعركة وأسرهم، كان يحتقر الغنيمة ويقول لملك سدوم الذي كان قد هب لمساعدته ويأمل أن يكرمه بجزء منها: "رفعت يدي إلى الرب الإله العلِّي مالك السماء والأرض لا آخذن لا خيطًا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك. فلا تقول أنا أغنيت أبرام. ليس لي غير أكلة الغلمان. وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي عانر وأشكول وممرا فهم يأخذون نصيبهم" (تك 14: 22- 24).

إن هذه التعبيرات وهذه الألفاظ كانت نابعة حقيقة من فكر مسكين بالروح. يقول: "إني أحتقر النصيب الذي يليق بي بسماحة؛ يكفي خدمي وعشيرتي أن يأكلوا فقط. أما الذين ذهبوا معي في نفس الوقت وساندوني، فليعطوا نصيبهم من الغنيمة. باطل ما يأتي من المجد الباطل؛ هل أبدو كريمًا بتقديم هدايا مما للغير؟".

St-Takla.org Image: Abraham receives the three Angels (one of them is Christ) - painting, Coptic icon, used with permission - by Michael Magdy Badee. صورة في موقع الأنبا تكلا: إضافة إبراهيم للملائكة (أحدهم السيد المسيح) -أيقونة قبطية، موضوعة بإذن - رسم الفنان مايكل مجدي بديع.

St-Takla.org Image: Abraham receives the three Angels (one of them is Christ) - painting, Coptic icon, used with permission - by Michael Magdy Badee.

صورة في موقع الأنبا تكلا: إضافة إبراهيم للملائكة (أحدهم السيد المسيح) -أيقونة قبطية، موضوعة بإذن - رسم الفنان مايكل مجدي بديع.

بل يستطيع المرء أن يمارس الحياة الفلسفية الحكيمة جيدًا بما له. هذا كان يفعله بولس الرسول أيضًا، إذ يوصي الذين يبشرون بالإنجيل والذين يلازمون المذبح، بأن يعيشوا من الإنجيل ومن المذبح: "أ لستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون. الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح. هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون" (1 كو 9: 13- 14). فكان يترك نصيبه بأسلوبه الرفيع ويقول: "أما أنا فلم أستعمل شيئًا من هذا. ولا كتبت هذا لكي يصير فيَّ هكذا. لأنه خير لي أن أموت عن أن يعطل أحد فخري". "فما هو أجري إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم أستعمل سلطاني في الإنجيل" (1 كو 9: 15، 18).

من يتنازل عما هو خاضع لسلطانه، فإنه يستحق المدح لسماحته؛ ومن يكن بلا رحمة حتى فيما يختص بالآخرين يشجب.

إن أبانا إبراهيم كان كريمًا في الصرف بسبب غناه، وهذا ما تشهد به ممارسته للضيافة، لدرجة أنه كان يجلس عند الظهر بالقرب من باب خيمته (تك 1) وينتظر لكي يستضيف أحد الغرباء العابرين؛ وهكذا استضاف بالحقيقة الملائكة كما يقول بولس الرسول، أو بالحري إستضاف الله ذاته في شكل رجال وفي شكل ملائكة. "لا تنسوا إضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عب 13: 2).

هذه حال المساكين بالروح المطوبّة. فلا يخضع الغني في غناه لأصحابه ويكون عبدًا مسخرًا في الأعمال. إن الغني فيما يملك الإنسان من أمره، فيملك الجواد ما يأتيه ويستأثر به حائلًا بينه وبين مقومات البخل؛ وقد يبلغ بالبخيل الأمر ألا يستطيع أن يبسط يده ويعطي صدقة واحدة لأحد، مثل هذا الغنَى يجعل صاحبه يبدو مملوكًا بعد أن كان مالكًا.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

كان مخلصنا يدين هذه العبودية التي تستدعي الشفقة فيقول:

أسرى خدمة المال:

"لا يقدر أحد أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" (مت 6: 24).

"لا يقدر خادم أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" (لو 16: 13).

وليس بمحرم أن يصير المرء غنيًا، إما أن يخدم الإنسان شهوة الغنَى فيكون بها مقيدًا كعبد حقير، فهذا ما ينهانا عنه.

فلا نكن إذن مسترخين في حياتنا، فاترين في أفكارنا، ولا نحزن، بل نسر بالحري لدى سماع الحكم بالنجاة من الدينونة: طولكن ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم" (لو 6: 24).

"فقال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات" (مت 19: 23).

فإن الكلمة لا تخص كل الذين في وفرة من الثراء، بل فقط من يضعون كل فكرهم في الخيرات والممتلكات، ويتركون أنفسهم تأسرها الأفكار وهم ليسوا مساكين بالروح.

وهذا ما بينه مرقس الرسول حينما ينقل بوضوح فكرة مخلصنا فيكتب هذه العبارات: "فتحير التلاميذ من كلامه. فأجاب يسوع أيضًا وقال يا بنيَّ ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله" (مر 10: 24).

إن ما يغلق ملكوت السموات أمام الإنسان ليس هو امتلاكه للخيرات، بل أن يضع ثقته فيها. ومن ذا الذي يضع ثقته في الأموال إلا الذي لا يسمع كلمة ربنا القائلة: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل إكنزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ويسرقون لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا" (مت 6: 19- 21).

ولكن عند ذلك ربما تقول: "ماذا أترك إذن لورثتي؟"

بقدر ما تركه هذا الفيلسوف العظيم أيوب، وإبراهيم البار وإسحق ويعقوب أيضًا.

في الواقع أنه لن ينقص شيء مع سخاء نعمة الله حتى يكون في ذلك تعارض مع الجود في عطيتك، إنه يعطيك آلاف المصادر للخيرات حينما تكون غنيًا، وبما تنفقه في التقوى تكون "مسكينًا بالروح".

أيهما أفضل وأكثر نفعًا أن تترك ميراثًا لأولادك كنزًا سماويًا، أو كنزًا مخفيًا في الأرض يخفي معه قلبك أيضًا؟ الكنز السماوي به نصبح أغنياء في حرص، أو فقراء يحق عليهم الثناء، أولئك الذين يصيرون أغنياء حسب الناموس.

لأن الذين كانوا من عشيرة إبراهيم كانوا متنبهين لهذه النقطة، كانوا يتركون ميراثًا مملوءًا بركة لخلفهم.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-blessed-merciful/abraham.html

تقصير الرابط:
tak.la/478qc7t