سؤال 734: كيف يجهل الله قبر لعازر فيسأل: " أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ" (يو 11: 34)؟ وهل عجز السيد المسيح عن رفع الحجر فأمرهم: " ارْفَعُوا الْحَجَرَ" (يو 11: 39)؟ وهل صلاة يسوع أمام قبر لعازر (يو 11: 42) دليل على أن من أقام لعازر هو الله الآب وليس يسوع؟ وبعد أن فارقت روح لعازر جسده وهبطت إلى سجن الهاوية تحت سلطان إبليس فكيف خرجت من الهاوية (يو 11: 43-44) رغمًا عن إرادة السجَّان؟ وكيف استطاع لعازر الملفوف بالأكفان أن ينهض ويهب واقفًا ويمشي ويخرج من القبر " فَخَرَجَ الْمَيْتُ" (يو 11: 44)؟

ج: أولًا: كيف يجهل الله قبر لعازر فيسأل: " أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ" (يو 11: 34)...؟ سؤال السيد المسيح هنا، وهو العالِم بكل شيء يذكرنا بسؤال اللَّه لآدم قديمًا: " أَيْنَ أَنْتَ؟" (تك 3: 9) فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم جـ 5 س374. يقول "القديس كيرلس الكبير": " وهو لا يسأل قائلًا: "أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ"؟ بسبب أنه يجهل المكان لأن ذاك الذي كان قد عَرِفَ في موضع آخر، بموت لعازر، كيف يمكن أن يجهل مكان قبره؟ ولكنه يسأل هكذا... فإنه بقوله بذلك فهو قصد قصدًا أن يقول هذا أيضًا، ليجذب كثيرين إلى الموضع بواسطة كلماته، وهو يبدو وكأنه لا يعرف الموضع... المسيح أيضًا، كما لو كان لا يعرف، يسأل: "أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ"، لكي بواسطة سؤاله يتجمع جمهور كبير لمشاهدة ما سيحدث، وبذلك يشهد أعداؤه لمعجزة إعادة الحياة لذلك الذي كان قد أنتَّن"(315). وأيضًا عندما سأل السيد المسيح: "أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟"، أو ما شابه ذلك، وهو العالِم بكل شيء كان يقصد أن يخفي لاهوته عن الشيطان وأعوانه: " لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" (1 كو 2: 8) ولذلك سأل: " أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ" وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول الصليب س19".
ثانيًا: هل عجز السيد المسيح عن رفع الحجر فأمرهم: " ارْفَعُوا الْحَجَرَ" (يو 11: 39)؟ كان هناك نوعان من القبور في فلسطين، وهما:
أ- مغائر في الصخور وكانت تُغلق بحجر دائري كبير يوضع في منيم أسفل باب المغارة، فيصعب جدًا تحريكه، لأن تحريكه من مكانه يحتاج إلى قوة موازية لرفعه من مكانه.
ب- حفر في الأرض تُغطى بحجارة كبيرة.
والقبر الذي دُفن فيه لعازر نُحت في الصخر، له مدخل مُنخفض يبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أقدام ونصف أي أكثر من المتر قليلًا جدًا، وعرضه نحو قدمان، وبه (27) درجة تنتهي إلى غرفة مربعة صغيرة يبلغ ضلعها نحو ثلاثة أقدام، تشمل أربعة نواويس (عيون) تسع أربعة من الراقدين (راجع الدكتور القس إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا ص463). قال يسوع: " ارْفَعُوا الْحَجَرَ" (يو 11: 39)، وبالطبع الذي لديه القدرة على إقامة إنسان قد مات وأسلم الروح منذ أربعة أيام فإنه لا يعجز عن رفع الحجر، إنما قصد السيد المسيح أن يُشرِك الحاضرين في العمل حتى يكونون شهودًا على صدقها، ومعجزات السيد المسيح حقيقة لا مجال للشك فيها، شهد له أعدائه قبل أتباعه، فقال رؤساء الكهنة والفريسيون: " فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً" (يو 11: 47). وهنا نقف أمام اعتراض مرثا: " يَا سَيِّدُ قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ" (يو 11: 39). فبعد أن سمعت قول السيد المسيح: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو 11: 25)، وقدمت إقرار الإيمان: " أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" (يو 11: 27) ولكن في هذه اللحظة عندما وصل الأمر إلى كشف القبر وأن تفوح نتانة الموت، اجتاح الضعف إيمان مرثا، وظنت أن السيد المسيح فقط يُريد أن يرى وجه لعازر، ولم تستوعب أنه من الممكن أن يسوع يقهر الموت ويُقيمه، فلم ترد أن يظهر أخيها وقد شوَّه الموت منظره وسرت فيه عوامل الانحلال والفساد، ورائحة الموت انتشرت وسادت. أمَّا السيد المسيح الرؤوف فمد يده وانتشل مرثا من هوة اليأس: " أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللَّهِ". وعلى هامش تفصيلات المعجزة نرى أن الجانب الإيجابي لاعتراض مرثا أنه يقطع الطريق على القائلين بأنه كان هناك اتفاق مُسبَّق بين يسوع وعائلة لعازر الذي وضعوه في القبر أثر تعرضه لإغماءة طويلة ولم يمت، فاشتركوا معًا في تمثيلية مُتفق عليها سلفًا لخداع الجموع بأن يسوع أقام ميتًا بعد أربعة أيام، بينما هذا الميت لم يمت أصلًا.
رفع الحاضرون الحجر وفاحت رائحة الموت من القبر المفتوح فتأكد الجميع من موت لعازر وفساد جسده، وإذ بيسوع يُصلِّي ويصرخ بصوت عظيم: " لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا" وسمع لعازر صرخة رئيس الحياة فأسرع من عمق الهاوية، وإذ بالحاضرين يشتمون رائحة الحياة، ونهض الميت نافضًا عنه تراب الموت والفساد، وكما طلب السيد المسيح من الحاضرين: " ارْفَعُوا الْحَجَرَ" هكذا طلب منهم أيضًا: " حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يو 11: 44)، وكل من شارك في رفع الحجر وفك رباطات الميت القائم من يزحزحه عن إيمانه؟!! أيضًا تقع على الإنسان مسئولية فعل ما يستطيعه مثل رفع الحجر، وفك الأربطة، وتقديم الخمس خبزات والسمكتين، فيفعل اللَّه ما لا يستطيع فعله الإنسان، إذ يُقيم الميت، ويشبع الآلاف.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل صلاة يسوع أمام قبر لعازر (يو 11: 42) دليل على من أقام لعازر هو الله الآب وليس يسوع...؟ كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس، وقال السيد المسيح: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" (يو 5: 19). الثالوث القدوس كما أن له طبيعة إلهية واحدة، كيان إلهي واحد، جوهر إلهي واحد، هكذا له إرادة واحدة، ليست إرادة الآب شيء وإرادة الابن شيء آخر، فالابن يُريد ما يُريده الآب تمامًا، والآب يُريد ما يُريده الابن تمامًا، الآب أراد أن يقوم لعازر بعد موته بأربعة أيام ليُمجّد الابن، والابن له نفس الإرادة ليثبت أنه من عند الآب خرج وأنه لا يعمل عملًا مُخالفًا لإرادة الآب: " لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يو 11: 42). ثم أن الصلاة التي قدمها السيد المسيح لم تكن صلاة طلب وتوسل للآب، إنما هيَ صلاة شكر للآب علامة المحبة المُتبادلة بينهما، وأنه بحسب الناسوت فإن الآب هو إلهه، ولذلك قال لتلاميذه: " إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ" (يو 20: 17). وأمام قبر لعازر: " وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ وَقَالَ أَيُّهَا الآبُ أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي" (يو 11: 41) فهيَ صلاة شكر، بينما عند إقامة إيليا النبي لابن أرملة صرفة صيدا كانت صلاته طلب وتوسل للَّه لكيما يُقيمه (1 مل 17: 20-21). صلى يسوع صلاة شكر ثم صرخ بصوت عظيم يستدعي لعازر من مدينة الأموات ومن عمق الهاوية: " لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا"، ولم يقل: "هكذا قال الرب..." أو "يقول الرب...". ونفس الموقف عندما أقام الشاب ابن أرملة نايين، قال له: " أَيُّهَا الشَّابُّ لَكَ أَقُولُ قُمْ" (لو 7: 14) دون أن يُقدِّم صلاة شكر ولا صلاة توسل، ومثلها عندما أبكم البحر الهائج قال له: " اسْكُتْ اِبْكَمْ. فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ" (مر 4: 39)، وكم صنع التلاميذ آيات وعجائب بِاسم يسوع في كرازاتهم، وما زال القديسون يسيرون على نفس النهج، فإن اسم يسوع يحمل قوة يسوع أقنوم الكلمة المتجسد.
إذًا صلاة يسوع أمام قبر لعازر، جاءت:
1- لتؤكد للمُحتجين من رؤساء الكهنة والفريسيين بأن ما يفعله يتفق تمامًا مع مشيئة وإرادة اللَّه الآب.
2- ردًا على القائلين أنه: " بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لو 11: 15).
3- ليُخفي السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وأعوانه.
4- كإنسان كان السيد المسيح لا يكف عن الصلاة، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل والرد على القائلين كيف كان يُصلي وهو اللَّه؟ وهل كان يُصلِّي لنفسه، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س427.
ويقول "القس أبو الفرج": أن يسوع صلى: " لينسب فعله إلى الآب حتى لا يبقى لليهود حجة عليه لئلا يقولوا أنك لست من عند الآب وليُطفئ نيران حسدهم، ولبيان كون عمله ليس بقوة سحرية أو شيطانية كما جدف اليهود وقالوا أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يُخرج الشياطين بل بقوة أبيه السماوي هكذا فسر يوحنا فم الذهب... والمعنى حسب رأي فم الذهب، أن هذا القول ليس بصلاة للَّه بغية أن يعينه على عمل المعجزة، إنما هو تقدِّيم الحمد والشكر له لبيان الاتحاد التام بينه وبين الآب في الفكر والفعل... وقال "سمعتَ" بصيغة الماضي ولم يقل "تسمع" بصيغة المستقبل، لأنه تحقق (من) قيامة لعازر فاعتبره قد قام" (316).
ويقول "الأب لويس برسوم الفرنسسكاني": " إن صلاة يسوع في هذه المناسبة كانت أيضًا ليتأكد الجميع أن الأعجوبة المزمع صنعها هيَ من اللَّه، ولا يمكن بحال أن تعزى إلى الشيطان. صلى يسوع شاكرًا كإنسان، ولكنه سيصنع الأعجوبة كإله. فجاءت صلاته برهانًا عن ناسوته، وأعجوبة بعثه لعازر الميت برهانًا عن لاهوته... طبيعته البشرية لا تقوم بذاتها، بل بأقنوم الكلمة، إذ ليس لها شخصية غير شخصيته تعالى الأزلية... ففي هذه الأعجوبة مثلًا يقول للعازر بسلطان: " لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا " وإذا لعازر الذي فارق الحياة من أربعة أيام، وقد انتشر فيه الفساد وأخذ ينتّن، تدب فيه الحياة من جديد، فيقوم حيًّا معافى!! أن القديس أغسطينوس الذي أُشتهر بدقة الملاحظة، يقول: { أننا لا نستطيع أن نوقظ نائمًا بأكثر سهولة مما أقام يسوع المسيح لعازر من الأموات... }" (317).
رابعًا: بعد أن فارقت روح لعازر جسده وهبضت إلى سجن الهاوية تحت سلطان إبليس فكيف خرجت من الهاوية (يو 11: 43-44) رغمًا عن إرادة السجَّان؟
أولًا: جميع الأرواح قبل الصلب والفداء كانت تهبط إلى الهاوية، سواء أرواح الأبرار أو الأشرار، وكان للشيطان سلطانًا على أرواح الأشرار، أمَّا أراوح الأبرار فليس له سلطان عليها، فكان المكان بالنسبة لها كمكان انتظار إلى حين يوفي يسوع الدين على الصليب ثم يأتي ليُطلّق تلك الأرواح البارة إلى الفردوس، وكان لعازر من تلك الأرواح البارة.
ثانيًا: الهاوية وكل من فيها ورئيسها داخل دائرة الضبط الإلهي، فسلطة الشيطان على الهاوية ليست مُطلقة، بل هيَ داخل إطار سلطة أعلى وهيَ السلطة الإلهية، فاللَّه هو الذي يشأ أن تبقى روح لعازر في الهاوية أو تعود للحياة على الأرض، أو تصعد بالجسد إلى السماء كما حدث مع أخنوخ البار وإيليا النبي الناري.
ثالثًا: وقف يسوع أمام قبر لعازر: " صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا... فَخَرَجَ الْمَيْتُ" (يو 11: 43-44). ويتساءل البعض ما دامت قوة الإقامة من الموت لدى يسوع، فلماذا الصراخ بصوت عظيم؟! ما دام له السلطان فعلآم الصراخ؟! لقد صرخ السيد المسيح بصوت عظيم:
1- ليُنبه الحاضرين إلى عظمة الحدث، فهوذا هيبة الموت تنكسر وتتحطم أمام رئيس الحياة الذي صرخ بقوة واقتدار وجلال وسلطان، فانطلقت منه قوة هائلة اقتحمت أعماق الهاوية، وانتزعت روح لعازر من فم الأسد (الموت): " فَخَرَجَ الْمَيْتُ" (يو 11: 44) ولم يستطع الموت أن يمسكه، لأن الموت ذاته يخضع خضوع كامل لسلطان ابن اللَّه الحي.
2- لم تتم قيامة لعازر نتيجة الصراخ العالي ليسوع، إنما تمت بناءً على إرادة يسوع الصالحة، ومشيئته الهادئة. إنما الصوت العالي جاء تعبيرًا عن تلك الإرادة والمشيئة، فلا بد أن لعازر يعود للحياة.
3- قيامة لعازر صورة مُصغرة للقيامة العامة في اليوم الأخير، فقال السيد المسيح: " تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ... فَيَخْرُجُ..." (يو 5: 28-29).
ويقول "القديس كيرلس الكبير": " يا للعجب فإن الجثمان المنتّن الذي مات منذ أربعة أيام يخرج من القبر، والذي كان مربوطًا ومُقيدًا من يديه ورجليه أُمر أن يمشي، وفي الحال بدأ الميت أو بالحري الجثمان يجري، إذ قد تحرر من فساده، وأُزيلت منه الرائحة النتنة، وهرب من أبواب الموت ودون أن يعوقه عن الجري أي عائق من الرباطات. لأن كلمات المسيح هيَ إلهية، وأمره هو أمر ملوكي، لهذا فقد فكه من الموت والفساد مُظهِرًا هكذا قدرته التي تفوق كل وصف أو تعبير، وإن كانت صرخته القوية هيَ أمر غريب، وغير مألوف بالنسبة للمسيح المُخلِّص، لأن اللَّه الآب يقول عنه في موضع ما: "لاَ يَصِيحُ وَلاَ يُسْمِعُ أَحَدْ صَوْتَهُ" (إش 42: 2 )[س]. لأن الألوهة الحقيقية إنما تُجرى أعمالها بدون ضوضاء أو ضجيج... فماذا نقول حينما نرى أنه صرخ بصوت عظيم، بطريقة غير معتادة؟ وبالتأكيد لن يحط أحد نفسه إلى عمق الحماقة لدرجة أن يقول أن المسيح تصرَّف بغير ما يليق. فكيف يمكن إذًا شرح هذا الأمر؟ بالتأكيد أن الصرخة لها سبب ومعنى... فالمسيح أجرى معجزة إقامة لعازر كمثال للقيامة العامة من بين الأموات، فما حدث لشخص واحد وهو لعازر، قدمه المسيح كأيقونة جميلة لما ستكون عليه قيامة الجنس البشري كله. وأيضًا فإن أحد عناصر إيماننا أن الرب سيأتي ثانية، ونحن نؤمن أنه عندما يأتي سيكون هناك صوت بوق" (318).
ويقول "الأب متى المسكين": "وما عليك، أيها القارئ العزيز، إلاَّ أن تسير مع مفردات هذه المعجزة كأحد المُشاهدين، وتتأمل الرب وهو واقف أمام قبر لعازر، ومريم وأختها تبكيان، ومعهما اليهود والمعزُّون يبكون، وصوت ابن اللَّه -الكلمة- يدوي فجأة ليخترق ظلام القبر والهاوية وحُجب العالم الآخر غير المنظور، كما يخترق النور حُجب الظلام ويهتكها جميعًا، ويصرع الموت في داره ليقوم لعازر!! الهاوية انشقت وخرجت منها روح لعازر، والمادة الميتة والمنتنة في القبر تقبلت رعشة الحياة، فوُلِد لعازر من رحم الحياة مرة أخرى، ووطئ الموت وقام من جديد" (319).
خامسًا: كيف استطاع لعازر الملفوف بالأكفان أن ينهض ويهب واقفًا ويمشي ويخرج من القبر " فَخَرَجَ الْمَيْتُ" (يو 11: 44)...؟ كان اليهود يغسّلون الميت بالماء ويكفّنونه في قماش كتان مع عطور، ويلفونه بأقمطة ويضعون منديلًا على وجهه، ولا يحنطون الأجساد لأنهم يعلمون أن الجسد من تراب وإلى تراب يعود (تك 3: 19؛ مز 103: 14؛ 104: 29) وكانت عملية الدفن تتم خلال 24 ساعة من لحظة الوفاة، ومن مس ميتًا يظل نجسًا سبعة أيام، وعليه أن يتطهر في اليوم الثالث فيصير طاهرًا في اليوم السابع (عد 19: 11-12). وقد أخذ اليهود طريقة التكفين من المصريين، فكانوا يلفون كل ذراع بمفرده بالأقمطة، وكل ساق بمفردها، فلم يلفوا الجسد بطريقة تشل حركته، وهذا ما ألقى عليه الضوء القديس يوحنا الإنجيلي الذي شهد عيانًا هذه المعجزة العجيبة، فقال: " وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل" (يو 11: 44)، ولم يقل أن جسده ككل كان ملفوفًا بأقمطة. وقيامة لعازر من القبر وخروجه منه كان موضع دهشة كل الحاضرين الذين تآلفوا مع الموت واعتادوا على دفن موتاهم، أمَّا أن يقوم ميت بعد دفنه بأربعة أيام فكان صدمة لهم. أما السيد المسيح فقال لهم: " حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ"، مثلما دفع الشاب ابن أرملة نايين إلى أمه عقب إقامته (لو 7: 15)، ومثلما أمر أن تعطى ابنة يايرس لتأكل عقب إقامتها (لو 8: 55) فالسيد المسيح هو العالِم باحتياجات من أقامهم من الموت وأعادهم للحياة، قال للحاضرين عن لعازر " حُلُّوهُ" ومتى لمسوه وعاينوه عن قُرب تأكدت أمامهم حقيقة عودته للحياة، وعندما تحدثوا مع لعازر تأكدوا أنه هو هو وليس شخص آخر يخدعهم.
_____
(315) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص49.
(316) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص569.
(317) تفسير الأناجيل المقدَّسة التي تُقرأ في أيام الآحاد والأعياد، جـ2، ص179، 180.
(318) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص55، 56.
(319) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ1، ص660.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/734.html
تقصير الرابط:
tak.la/p5x6qfz