St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

735- هل عوضاً أن يؤمن رؤساء الكهنة والفريسيون بالسيد المسيح الذي أقام لعازر بعد أربعة أيام من موته، يعقدون له مجمعاً يدينونه (يو 11: 47)، ويتهمونه أنه سيكون سبب ضياع موضعهم وأمتهم (يو 11: 48)؟ وهل قيافا رجل شرير يتآمر على إهلاك يسوع، أم أنه نبي وصاحب نبؤة (يو 11: 49، 50)؟ هل خاف الإله من اليهود: "فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضًا يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً" (يو 11: 54)؟

 

سؤال 735: هل عوضًا أن يؤمن رؤساء الكهنة والفريسيون بالسيد المسيح الذي أقام لعازر بعد أربعة أيام من موته، يعقدون له مجمعًا يدينونه (يو 11: 47)، ويتهمونه أنه سيكون سبب ضياع موضعهم وأمتهم (يو 11: 48)؟ وهل قيافا رجل شرير يتآمر على إهلاك يسوع، أم أنه نبي وصاحب نبوءة (يو 11: 49-50)؟ هل خاف الإله من اليهود: "فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضًا يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً" (يو 11: 54)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل عوضًا أن يؤمن رؤساء الكهنة والفريسيون بالسيد المسيح الذي أقام لعازر بعد أربعة أيام من موته، يعقدون له مجمعًا يدينونه (يو 11: 47)، ويتهمونه أنه سيكون سبب ضياع موضعهم وأمتهم (يو 11: 48)...؟ كان رؤساء الكهنة من الصدوقيين الذين لا يعترفون بقيامة الأموات، فعندما أقام السيد المسيح لعازر وبعد موته بأربعة أيام كانت هذه بمثابة صدمة شديدة لهم، بل وضربة قاضية لعقيدتهم، مما حفَّزهم أكثر على القضاء على يسوع. أمَّا الفريسيون الذين يؤمنون بقيامة الأموات، فإن إقامة السيد المسيح للعازر بعد موته بأربعة أيام لا يسرهم... لماذا؟ لأن هذا دليل دامغ على براءة يسوع وألوهيته، وهو بهذا يسحب البساط من تحت أقدامهم، لذلك سعوا للخلاص منه، فكلما صنع يسوع آيات ومعجزات كلما تعظم أمام عيون الجموع والتفوا حوله وتحزَّبوا له، وكلما قل قدر هؤلاء الرؤساء والفريسيين في عيون الشعب، وهنا تلاقت أهداف رؤساء الكهنة مع أهداف الفريسيين، رغم العداوة السائدة بينهم، وأصبح لا بد من القضاء على المسيح الذي يُشكل مركز خطر على مراكزهم وسلطاتهم، بل وعلى حياتهم أيضًا. هكذا كان تصوُّرهم، لذلك انتهوا إلى قرار واحد: " إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا" (يو 11: 48)، فهذا كان قرار مجمعهم اللامنطقي، لأن الرومانيين كانوا يستعمرونهم ويفرضون الجزية عليهم. ولكنهم صوروا لأنفسهم وللشعب أن يسوع سيعلن نفسه المسيا والملك مما يثير حفيظة الرومان عليهم فينكلون بهم، وتغاضوا تمامًا عن أن يسوع ملك سمائي وليس ملكًا أرضيًا: " مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو 18: 36).

لقد خالف هؤلاء الرؤساء والقادة الحقيقة، فلو آمن الجميع بيسوع ما كانت تعرضت أورشليم للهدم والهيكل للحرق، ولنجت من كارثة التدمير والحرق والقتل والصلب والمجزرة الفظيعة التي حلَّت بأورشليم والأمة اليهودية سنة 70م على يد تيطس القائد الروماني وجنوده، فالسيد المسيح هو رئيس السلام، لم يأتِ قط ليقود ثورة مسلحة ضد روما، ولم يُنهي شعبه عن دفع الجزية لهم.

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " كأنهم قالوا: إذا رأى الرومانيون أن السيد المسيح مُقلقًا للشعوب يظنون فينا العصيان عليهم، فيهدمون مدينتنا. وأنا أسأل أحدهم: قل لي متى رأيتَ السيد المسيح يُعلّم بالعصيان؟! أما أشار باعطاء الجزية لقيصر؟ أما أردتم أن تصيّروه ملكًا فهرب؟! ألم يعش حياة بسيطة خالية من التباهي، ولم يمتلك منزلًا ولا شيئًا آخر من الممتلكات وأمثالها؟ فهذه الأقوال نطقوا بها ليس متوقعين أنها تحدث، لكنهم قالوها حسدًا، لأن من أبرأ المرضى وعلَّم الحياة الفاضلة وأشار بالخضوع للرؤساء، لا يثير عصيانًا، بل يهدم العصيان ويُزيله" (320).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: هل قيافا رجل شرير يتآمر على إهلاك يسوع، أم أنه نبي وصاحب نبوءة (يو 11: 49-50)...؟ شغل قيافا رئاسة الكهنوت في هيكل أورشليم خلال الفترة (25-36م) وعُرف بالقسوة والجهل والحياة الأرستقراطية، كما وصفه المؤرخ اليهودي "يوسيفوس". وكان كرئيس كهنة يُمارس مهامه وكان يستشرق المستقبل ويستوضح الأمور الخفية عن طريق الأوريم والتميم (خر 28: 30؛ عد 27: 21؛ 1 صم 28: 6) وقد نطق قيافا بالنبؤة بحكم منصبه دون أن يقصد: " أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا" (يو 11: 50) وهو لم يقصد أن يسوع يموت نيابة عن العالم وفداءً له، إنما قصد أنه من الأفضل أن يموت يسوع، حتى لو كان بريئًا، عن أن يأتي الرومان وينكّلون بالشعب اليهودي كله، فخير للأمة اليهودية أن تنجو من انتقام الرومان، حتى لو كان الثمن سفك دم يسوع البار، وجاءت نبوءة هذا الرجل أبلغ تعبير يشرح مفهوم الفداء، دون أن يقصد، ولكن يوحنا التقط هذه النبوءة وسلَّط الضوء عليها قائلًا: " وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ الله الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو 11: 51-52)، والأمر الرائع أنه جاء في كتاب "الديداكي" أي تعاليم الاثنى عشر رسولًا، ويرجع الكتاب للقرن الأول الميلادي ما يشرح قول يوحنا الإنجيلي (ليجمع أبناء اللَّه المتفرقين إلى واحد) إن الكاهن عند كسر الخبز يُصلي: " كما أن هذا الخبز جُمع من الحنطة على الجبال، في هذا الرغيف الواحد، هكذا لتجمع كنيستك من أقصى المسكونة إلى أحضان ملكوتك" (ديداكي 9: 4)(321). وبمجرد أن نطق قيافا بنبؤته بدأت خطة موت المسيح الفدائي تدخل حيز التنفيذ: " فَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ" (يو 11: 53).

لقد تعامل اللَّه مع قيافا بحكم منصبه وليس بحكم سلوكياته، مثلما تعامل قديمًا مع بلعام النبي الذي وبخه حماره (عد 22-23)، ومثلما تعامل مع فرعون مصر عن طريق الأحلام وكشف له عن سنى المجاعة (تك 41: 1-8)، وتعامل مع نبوخذنصر ملك بابل (دا 2)، ومع ابنه بليشاصر (دا 5: 5). اللَّه هو القادر أن يحوّل شر الأشرار إلى خير، وإن كان قيافا وأعوانه يعملون لصالح الموت، فإن السيد المسيح الذي أقام لعازر فقد كان وما زال يعمل لصالح الحياة، ولأول مرة في معجزة إقامة لعازر يظهر الموت حاملًا بذرة الحياة، وظُلمة القبر تنبثق منها شمس القيامة، وفساد الطبيعة يتراءى منه مجد اللَّه، وبالطبع ليس عسيرًا لمن أقام الميت بعد أربعة أيام أن يُقيم نفسه بعد ثلاثة أيام.

 

ثالثًا: هل خاف الإله من اليهود: " فَلَمْ يَكنْ يَسُوعُ أَيْضًا يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً" (يو 11: 54)...؟ لقد تشاور اليهود ليقتلوا يسوع عقب نبوءة قيافا (يو 11: 53)، أما السيد المسيح فهو الذي حدد ساعة موته، وطالما تحدَّث عنها منذ بداية خدمته، فقال لأُمه العذراء مريم عندما أخبرته بنفاذ الخمر في عُرس قانا الجليل: " لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يو 2: 4)... " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ" (يو 7: 6)، ولأن الساعة التي حدَّدها الرب يسوع لموته لم تكن قد جاءت بعد، لذلك اعتزل في مكان هادئ بعيد عن المؤامرات والدسائس التي يحيكونها له، في مدينة تُدعى "أفرايم" شمال شرق أورشليم بنحو 24 كم. يقول "متى هنري": " لقد انسحب (يسوع) إلى جهة مجهولة من البلاد، وكانت هذه جهة مغمورة إلى حد أن اسمها نادرًا ما تجده في موضع آخر بخلاف هذا العدد. لقد ذهب إلى كورة قريبة من البرية إلى مدينة تُسمَّى أفرايم، وكان تلاميذه معه في هذه البلدة، فلم يكونوا ليتركوه وحده، ولم يكن هو ليعرضهم للخطر. ولكن لماذا اختفى المسيح الآن؟ لم يكن مرد ذلك أنه خاف قوة أعدائه أو لم يكن واثقًا من قوته الشخصية. لقد رحل لكي يُعبّر عن عدم رضائه عن أورشليم وشعب اليهود. ولذلك كان على حق حين ابتعد عنهم، كما أبعد عنهم إنجيله. كان ذلك يُعد نزيرًا أليما بالسحابة القاتمة التي ستُخيم على أورشليم قريبًا لأنها لم تعلم ما هو لسلامها، وليبين بالأكثر أن القساوة التي لاقاها على أيدي أعدائه لم يكن لها ما يُبررها" (322).

ويقول "وليم باركلي": " لم يكن يسوع في حياته مُجازفًا يسعى إلى المخاطر بغير داعٍ. لقد كان على استعداد أن يضحي بنفسه، ولكنه ما كان ليُضحي بها بلا جدوى. كما أنه لم يكن يخاف الموت لكنه ما كان ليسعى إليه حُبًا في الموت. أن لكل شيء ميقاته لديه، فلا فضيلة في التهور، وهكذا لجأ إلى قرية تُعرف بقرية أفرايم" (323).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(321) أورده وليم باركلي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص214.

(322) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس جـ1، الأناجيل الأربعة، ص688.

(323) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا جـ2، ص215، 216.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/735.html

تقصير الرابط:
tak.la/as62xat