St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 427- كيف كان يصلي المسيح وهو الإله (مت 26: 39)؟ وهل كان يصلي لنفسه؟ ولماذا لم يصلي الآب للابن كما صلى الابن له؟ ولماذا لا نعبد الآب فقط الذي عبده يسوع وكان يصلي له؟ ولماذا لا نسجد في صلواتنا على الأرض كما صلى السيد المسيح مثلما يصلي المسلمون الآن؟ وهل إرادة الابن تختلف عن إرادة الآب بدليل قوله: "لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ " (مت 26: 39)؟

 

س427: كيف كان يصلي المسيح وهو الإله (مت 26: 39)؟ وهل كان يصلي لنفسه؟ ولماذا لم يصلي الآب للابن كما صلى الابن له؟ ولماذا لا نعبد الآب فقط الذي عبده يسوع وكان يصلي له؟ ولماذا لا نسجد في صلواتنا على الأرض كما صلى السيد المسيح مثلما يصلي المسلمون الآن؟ وهل إرادة الابن تختلف عن إرادة الآب بدليل قوله: "لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ " (مت 26: 39)؟

يقول "المستشار منصور حسين": "ها هو المسيح عليه السلام مثله مثل غيره من البشر، ومن الأنبياء المرسلين، يصلي للَّه، يخرج إلى الجبل ليصلي للَّه، يقضي الليل كله مصليًا للَّه، فمن هو اللَّه الذي كان يصلي له المسيح، هل كان يصلي لنفسه فما معنى صلاته إذًا. نعم أنهم يقولون أنهم يؤمنون بناسوته كاملًا كما يؤمنون بلاهوته كاملًا، أي يؤمنون بإنسانيته إنسانية كاملة، وبألوهيته ألوهية كاملة، ولكن مهما كان الإيمان بتكامل هذا أو ذاك فيه، فإن الأمر لا يجوز أن يصل إلى حد التناقض، بأن يصلي بناسوته للاهوته.. أن ذلك لمحال" (193).

(راجع أيضًا علاء أبو بكر - البهريز جـ3 س313 ص208، س647 ص320، جـ4 س180 ص144، ومناظرة أحد الشيوخ السلفيين مع رجل مسيحي باللغة الإنجليزية على اليوتيوب بعنوان: كيف كان المسيح عليه السلام يصلي؟).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- كيف كان يصلي المسيح وهو الإله؟ وهل كان يصلي لنفسه. السيد المسيح كما ذكرنا مرارًا وتكرارًا هو إله كامل وإنسان كامل في آن واحد، لاهوت وناسوت، وظلت الطبيعة الإلهيَّة محتفظة بكل خصائصها، وكذلك الطبيعة الناسوتية، اتحاد كامل بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، فاللاهوت لم يتحوَّل إلى ناسوت ولا الناسوت إلى لاهوت، والسيد المسيح بحكم طبيعته البشرية الكاملة إذ أخذ طبيعتنا ما خلا الخطية كان في حاجة للطعام والشراب والنوم والراحة، وأيضًا كان في حاجة أن يصلي، وهذا ما أخبرنا به الإنجيل، فالقديس لوقا يقول: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للَّه" (لو 6: 12) ولم يصلي مرة واحدة فقط، بل كان دائمًا يصلي: "فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ.أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (يو 7: 53، 8: 1).. " وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ" (مر 1: 35).. " وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِدًا لِيُصَلِّيَ " (مت 14: 23).. أنه يصلي لأنه أخلى ذاته آخذًا صورة عبد، دون أن يتخلى عن لاهوته، فهو كإنسان يصلي وكإله فهو قابل الصلوات.

ويقول "البابا شنوده الثالث": "أصحاب هذا السؤال يركزون على لاهوت المسيح وينسون ناسوته!. أنه ليس مجرد إله فقط، وإنما أخذ طبيعة بشرية مثلنا. ناسوته كاملًا بحيث قال عنه الكتاب أنه شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية (عب 2: 17)، ولولا أنه أخذ طبيعتنا ما كان ممكنًا أن يوفي العدل الإلهي نيابة عنا.

إنه صلى كإنسان وليس كأله.. لقد قدم لنا الصورة المُثلى للإنسان.. وفي صلاته علمنا أن نصلي، وعلمنا كيف نصلي.. ولو كان المسيح لا يصلي، لأعتبرت هذه تهمة ضده، ولأعتبره الكتبة والفريسيون بعيدًا عن الحياة الروحية، وصار لهم بذلك عذر أن لا يتبعوه، إذ ليست له صلة باللَّه.. وبنفس الطبيعة البشرية كان يتعب ويجوع ويتألم. لأنه لو كان لا يتعب ولا يجوع ولا يعطش ولا يتألم ولا ينعس ولا ينام، ما كنا نستطيع أن نقول أنه ابن للإنسان" (سنوات مع أسئلة الناس - أسئلة لاهوتية وعقائدية). (راجع أيضًا كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح س114، ودكتور غالي - موقع هولي بايبل - الرد على لماذا صلى يسوع المسيح للآب ؟).

ونقول للمستشار منصور حسين أن صلاة الابن للآب تحل لك إشكالية تؤمن بها وتعجز عن حلها، وهيَ أنك كلما سمعت اسم الرسول تقول على الفور: (صلى اللَّه عليه وسلم).. فلمن صلى اللَّه؟ وقد تقول معنى "صلى" هنا أي "بارك"، ومن الواضح أن الصلاة غير البركة والبركة غير الصلاة، فالصلاة من المخلوق للخالق، أما البركة فهيَ من الخالق للمخلوق، والبركة هيَ نتيجة الصلاة المباركة.

 

2- لما لم يُصلي الآب للابن كما صلى الابن له؟ ولماذا لا نعبد الآب فقط الذي عبده يسوع وكان يصلي له..؟ لم يصلي الآب للابن لأن الآب لم يتجسد، بل الابن الوحيد الجنس هو الذي تجسد، وقبل أن يتجسد الابن لم يكن يصلي للآب، لأنه من نفس طبيعة الآب، مساوٍ له في كل شيء، في الأزلية وفي جميع الكمالات الإلهيَّة، ولكن عندما تجسد الابن وصار إنسانًا وهو لم يزل إلهًا، صار له احتياج كإنسان للصلاة، ولهذا صلى الابن للآب، بينما لم يصلي الآب للابن. وأيضًا ينظر إلينا الناقد وكأننا مشركون باللَّه، نعبد إلهين أو ثلاثة، فيقول لماذا لا نكتفي بعبادة الآب فقط، متغاضيًا عن إيماننا بأن الابن في الآب، والآب في الابن، والروح القدس هو روح الآب وروح الابن، ولهذا قال: "أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ.. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو 14: 10، 11) كما قال " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) فالابن والآب واحد في الجوهر، واحد في الكيان، واحد في الطبيعة (راجع كتابنا: أسئلة حول التثليث والتوحيد).

 

3- لماذا لا نسجد في صلواتنا على الأرض كما صلى السيد المسيح مثلما يصلي المسلمون الآن..؟ من قال أننا لا نمارس السجود في صلواتنا، ألم يسمع هذا الشيخ عن المطانيات التي نسجد فيها بوجوهنا على الأرض -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وفي كل مرة ننحني ونسجد نذكر خطايانا وسقطاتنا ونتذلل أمام اللَّه، وفي كل مرة ننهض نذكر كيف يقيمنا اللَّه، فنحن نمارس العبادة ليس كطقس ميت بل عن وعي، والمطانيات لأنها تُعد نوع من التذلل لذلك فنحن نمارسها في الأصوام فقط، وما أكثرها في كنيستنا القبطية، والآباء الرهبان يقدمون مئات المطانيات كل يوم، ولهذا شهد القرآن ليس بأن صلواتهم مقبولة فقط، بل أنهم أناس قديسون متواضعون: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" (المائدة 82).

وقال الإنجيل عن السيد المسيح: "وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَكَانَ يُصَلِّي" (مت 26: 39).. " وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى" (لو 22: 41)، وإن كان هناك تشابه واحد بين صلاة السيد المسيح في البستان، وبين صلاة المسلمين، وهو الجثو على الأرض، فما أكثر الاختلافات بين هذه وتلك، مثل:

أ - صلوات المسلمين يسبقها الوضوء، وستر العورة، واستقبال القبلة أي الاتجاه نحو مكة. ومما يذكر أن المسلمين في البداية كانت قبلتهم أولًا أورشليم مثل اليهود، ثم غيَّروا القبلة تجاه الكعبة، وشاهد على هذا المسجد ذو القبلتين في المدينة. ونحن لم نسأل هل صلواتهم الأولى كانت باطلة لأنهم استقبلوا قبلة اليهود؟!

ب - الإستعاذة باللَّه من الشيطان وقراءة الفاتحة، بينما السيد المسيح لم يستعذ من الشيطان مرة واحدة، إنما كان يطرد الشياطين بكلمة حتى لو كان عددهم بالآلاف، مثلما حدث مع مجنون كورة الجدريين.

جـ - وجود الأمامة في الصلاة في الإسلام، بينما لم يؤم السيد المسيح تلاميذه في صلواته، وأوصانا أن لا نتفاخر بصلواتنا في الشوارع قائلًا: "وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت 6: 5، 6).

د - يفتتح المسلم صلاته بالتكبير، ولم نسمع قط أن السيد المسيح كبَّر قائلًا: "اللَّه أكبر"، وكلمة "أكبر" صيغة تفضيل، فاللَّه أكبر مِن مَن..؟ لو قلت أنه أكبر من الناس أو غيره، فإن اللَّه لا يقارن بأي شيء آخر، لأنه كيف تصح المقارنة بين الخالق والمخلوقات، بين غير المحدود والمحدود؟!!. كما أن التكبير بالقول "اللَّه أكبر" كان معروفًا في الجاهلية مثلما كبروا عند فداء عبد اللَّه بن عبد المطلب من الذبح بمائة من الأبل، ولم نتساءل: هل أخذ الإسلام التكبير من الجاهلية؟!.

هـ - في صلاة المسلمين يرفع المصلي يديه حول وجهه بحذو الأذنين، ثم وضع اليد اليمنى فوق اليسرى، ثم وضع اليدين على الصدر.. فهل ذُكر في الإنجيل أن السيد المسيح فعل ذلك؟!

و - الركوع عدة مرات، وفي كل ركعة يسجد المصلي على سبعة أعضاء، وهيَ ركبتيه، وأطراف قدميه، وكفيه، وجبهته، وأنفه ولم يذكر الإنجيل أن السيد المسيح فعل مثل هذا.

ز - في صلاة المسلمين يُردّد المصلي بعض العبارات أثناء الصلاة مثل "سمع الله لمن حمد"، و" الله أكبر"، و"سبحان ربي الأعلى"، و" اللهم اغفر لي"، ولم يُردّد السيد المسيح هذه العبارات.

هذه الاختلافات وغيرها، ناهيك عن الاختلافات في الصلاة بين السُنَّة والشيعة.

 

4- هل إرادة الابن تختلف عن إرادة الآب بدليل قوله: "لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ"..؟ هل قصد يسوع من صلاته هذه أن يفلت من الموت ويهرب من الصليب كما يتصوَّر البعض..؟ جميع الشواهد تؤكد عكس هذا، فمثلًا:

أ - لم يُفاجئ يسوع بموت الصليب، إنما كان عالمًا بكل ما سيأتي عليه: "فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْه" (يو 18: 4)، ولو أن السيد المسيح لم يقدم نفسه بإرادته ما استطاع إنسان أن يقترب منه.

ب - لقد تجسد لكي يبذل ذاته عن حياة الخراف، وقال عن نفسه: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَاف" (يو 10: 11).

جـ - كان يعلم أنه بموته على الصليب سيُمجّد اللَّه الآب، ولذلك قال للآب: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو 17: 4، 5).

د - قد اقتحم السيد المسيح ساحة الموت بشجاعة عجيبة، وإن كان داود صلى قديمًا قائلًا: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز 23: 4).. " اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ. الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي مِمَّنْ أَرْتَعِبُ.. " (مز 27: 1).. فما بالك برب داود؟!.

هـ - عندما اقترب الذين يريدون القبض عليهم واجههم وسألهم " مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " (يو 18: 7)، وعندما أعلن لهم ذاته قائلًا: "أَنَا هُوَ" رجعوا للخلف وسقطوا على وجوههم، فواتته الفرصة للهرب، لكنه لم يهرب بل انتظرهم حتى نهضوا وسألهم ثانية " مَنْ تَطْلُبُونَ" وسلم لهم ذاته بعد أن إشترط عليهم أن يطلقوا تلاميذه.

و - عندما أخذوه في الناصرة وأرادوا أن يطرحوه من على الجبل، جاز في وسطهم (لو 4: 29، 30). فكان من الممكن جدًا أن يُكرّر نفس الأمر في بستان جثسيماني لكنه لم يفعل.

ز - عندما ذكر الإنجيليون صلاة السيد المسيح: "يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ" (مت 26: 39) أرادوا أن يكشفوا عن صورة السيد المسيح العبد المتألم والخاضع لمشيئة الآب إلى المنتهى.

وإن كانت صلاة السيد المسيح في البستان كشفت عن ملء بشريته، فإن صلاته الوداعية كشفت عن ملء ألوهيته، ووضع الصلاتين جنبًا إلى جنب يشرح لنا معنى قول الإنجيل " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو 1: 14) فالقديس مرقس والقديس متى كشفا عن طبيعته الناسوتية، والقديس يوحنا كشف عن طبيعته الإلهيَّة.

ومناداة يسوع الآب بقول " يَا أَبَتَاهُ" يوضح الثقة الكاملة، ويقول "وليم باركلي": "ونحن لا نستطيع أن ندرك جمال هذا التعبير دون الإلمام باللغة التي كان يسوع ينطق بها.. قول "يواقيم إرميا" اليهودي في كتابه "أمثال يسوع" أن يسوع استخدم هنا تعبيرًا لم يرد أبدًا في الأدب اليهودي. فأنه استخدام دارج لكلمة "أب"، ويؤكد يوحنا فم الذهب وثيودور وغيرهما من الشرَّاح الأقدمين أن كلمة (أبًا) هيَ التعبير الذي يستخدمه الطفل في نداء أبيه، كما يستخدم الطفل الريفي كلمة (يابا) والمتحضر كلمة (بابا) في نداء أبيه. أما يسوع فقد استخدم هذا التعبير الدارج الذي يدل على الألفة والقرب الشديد في نداء يوجهه إلى اللَّه. لقد تحدث إلى أبيه السماوي بأسلوب الطفل الواثق من أبيه. وهنا نرى جمال الثقة وقوتها. فإن يسوع وهو على أبواب الصليب، يدرك أن أباه يدفعه ويدعوه إلى الصليب"(194).

وقول السيد المسيبح: "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ" هو تعبير الإرادة البشرية التي تأبى الهوان والعار واللعنة. لقد اتحد بطبيعتنا البشرية بكل خصائصها، فالآلام النفسية التي جاز فيها هيَ آلام حقيقية، أنها ساعة الظلمة وقد إحتشدت قوى الشر للخلاص من يسوع بأشنع ميتة، ولذلك فهو يُصلي إلى أبيه مُلتمسًا لو أمكن أن يختار طريقة أخرى لموته غير موت الصليب، وفي نفس الوقت تظهر صلاة يسوع خضوعه الكامل لإرادة الآب، فيظهر كنموذج ومثال للإنسان الكامل، يعلن عن رغبته البشرية المُلحة من جانب، ومن جانب آخر يعلن عن خضوعه لمشيئة وإرادة الآب، وحقَّق قوله: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 6: 38). ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "هذه ليست أقوال لاهوته، لكنها أقوال طبيعته الإنسانية التي لا تشأ أن تموت، وتتمسك بهذه الحياة الحاضرة، موضحًا بذلك أنه لم يكن خارج الآلام الإنسانية، لأنه كما أن الجوع ليس زللًا ولا النوم، فكذلك ولا الإرتياح إلى الحياة الحاضرة زلل، وللسيد المسيح جسد نقي من الخطايا، وليس جسد متخلص من الضرورات الطبيعية، لذا إقتضت الحكمة أن يكون له جسد" (195).

ويقول "القديس أمبروسيوس": "فلنفكر في خضوعه إذ يقول: "يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ" أن هذا الخضوع هو خضوع الطبيعة البشرية المتخذة (التي إتخذها) كما نقرأ: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ" (في 2: 8). الخضوع هو خضوع الطاعة إذًا، والطاعة هيَ الموت، والموت خاص بالناسوت المُتخَذ (الذي إتخذه).. وهكذا لا يوجد ضعف في اللاهوت ولكن يوجد إخلاء" (196).

ويقول "إيسيذورس الفرمي": "لأنه إذ صار كلمة اللَّه إنسانًا حقيقيًا، فأنه حقَّق كل ما هو إنساني. هكذا في وقت الآلام نراه يستعفي من الكأس كإنسان، لكي يعلمنا أنه يجب علينا تجنب الدخول في تجارب. ولكن إذ سمح اللَّه بها فعلينا أن نقبلها بشجاعة وأن نتحملها بصبر كما قَبِل الصليب وحمله على كتفه وتقدم كغالب" (197).

ويقول "ديونيسيوس": "ليست إرادة الابن شيء وإرادة الآب شيء آخر.. إنما هذا التعبير " لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ " إنما هو أسلوب من أساليب الحديث، به يرجع الابن مجد الآلام المخلّصة لإرادة الآب مكرّمًا إياه كعلة كل شيء" (198).

ويقول "دكتور وليم إدي": "إن المسيح لشدة مرارة الكأس التي كان يشربها أراد إزالتها إن أمكن.. إرادة المسيح كانت خاضعة لإرادة أبيه، نعم أن اللَّه على كل شيء قدير، لكنه لا يخالف قضاءه الأزلي، وعدم مخالفته لذلك لا ينافي قدرته. فمراد المسيح بقوله "إِنْ أَمْكَنَ" أنه إن صحَّ بموجب عدل اللَّه وصدقه وقداسته تخليص الخطاة بلا الآلام التي ابتدأ حينئذ يحتملها (فأنه) يرغب في ذلك. فَلْتَعْبُرْ عَنِّي: لو عبرت الكأس عن المسيح لشربها الخطاة كلهم إلى الأبد، لأنه لا بد أن يشربها إما هو وإما الذين ناب عنهم" (199).

ويقول "متى هنري": "التسمية التي بها يدعو اللَّه " يَا أَبَتَاهُ " مهما تكاثفت السحب فأنه يستطيع أن يرى من خلالها اللَّه آبًا.. الطلبة التي يطلبها "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ".. هنا يطلب أن تعبر عنه هذه الكأس، أي أن يتفادى الآلام التي كانت موشكة أن تأتي، أو على الأقل أن تقصُر، وهذه تدل على ناسوته الكامل.. لكن لاحظ التحفظ " إِنْ أَمْكَنَ " كان يتمنى لو تعبر عنه هذه الكأس إن كان اللَّه بذلك يتمجَّد والإنسان يخلص، وتتحقق أغراض المهمة التي أخذها على عاتقه وإلاَّ فلا بد.. خضوعه التام لإرادة الآب وإمتثاله لها: "وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ " وهذا لا يعني أن إرادة المسيح كانت تتعارض مع إرادة الآب، كلاَّ، فالإرادة واحدة، وإنما أراد أن يعلمنا ضرورة إخضاع إرادتنا للَّه في كل شيء سيما وقت الصلاة.

(ملاحظات) - (الأولى) بالرغم من أن ربنا يسوع المسيح كان يدرك مرارة الآلام التي سوف يعانيها فأنه كان مستعدًا أن يخضع لها باختياره من أجل فدائنا وخلاصنا، فسكب نفسه، وبذل ذاته من أجلنا.

(الثانية) وسبب خضوع المسيح لآلامه كان إرادة الآب " كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ ". إنه يبني إرادته على إرادة الآب، ويضع كل الأمر تحت تصرف إرادة الآب. لهذا فعل ما فعل، وسر بفعل ما فعل، لأنه كان مشيئة الآب " أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ " (مز 40: 8) وهذا ما أشار إليه مرارًا، إذ كان واضعًا إياه نصب عينيه في كل عمل "هذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ" (يو 6: 39، 40)، وهيَ التي كان يطلبها (يو 5: 30) وكان طعامه وشرابه أن يتممها (يو 4: 34).

(الثالثة) وإقتداء بهذا المثال الذي تركه لنا المسيح ينبغي أن نشرب الكأس المرة التي يضعها اللَّه في أيدينا، مهما اشتدت مرارتها، ومهما نفرت منها الطبيعة البشرية. لما تذوب إرادتنا في كل الأشياء في إرادة اللَّه، ولو كان ذلك منفرًا للحم والدم، فأننا عندئذ نتصرف كما تصرف المسيح. ليكن لسان حالنا كل شيء " لِتَكُنْ مَشِيئَةُ الرَّبِّ " (أع 21: 14)" (200).

ويقول "الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ": "تعرَّض السيد المسيح لآلام نفسية مريرة بجوار الآلام الجسدية. تمثلت هذه الآلام النفسية في الآلام التي عاناها السيد المسيح نتيجة لخيانة يهوذا (فهو إحساس مر أن يهوذا تلميذه يُقبّلّه ويُسلّمه لأعدائه بهذه الصورة). وأيضًا في تعييرات الناس الذين آتى لأجل خلاصهم ويقدم لهم حُبَّه فتكون هذه هيَ مكافأته. إحساس مر لا يُعبَر عنه. كما أن كونه موضوعًا في وضع الملعون والمصاب والمضروب من اللَّه ويحمل خطايا البشرية لكي يقدم ثمن عصيان الإنسان وتمرده. كأس مملوءة بالمر، كان من الطبيعي أن النفس والجسد يشعران أنهما أمام إجتياز كأس مريرة جدًا لا بد أن يشربها إلى نهايتها فيقول له: "لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتي " (لو 22: 42)، وليس المقصود بالإرادة هنا الإرادة المسئولة عن إتخاذ القرار، لأن القرار هو قرار الخلاص الذي آتى المسيح لأجله، إنما المقصود بها عن الاحتياج الطبيعي الناشئ من حمله لطبيعة بشرية حقيقية تشعر بالألم والحزن والمعاناة. وهذه الطبيعة وهيَ في معاناتها الرهيبة تريد أن تقول للآب لن يكون قراري مبنيًا على ما في هذه الخصائص البشرية من تعب وألم وحزن. لكنه مبني على ما في رغبتي الكامل في إرضاء الآب وفي تخليص الذين أحبهم للمنتهى فهو الذي قيل عنه: "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى " (يو 13: 1) " (201).

وأخيرًا نقول أن صلاة يسوع في البستان سُجّلت لنتعلم منها كيف تكون صلواتنا ومشاعرنا في وقت الضيقة وضغطة الألم. ويقول "وليم مكدونالد": "كانت صلاة يسوع بيانية في أسلوبها، أي أن الهدف منها لم يكن الحصول على الإستجابة بقدر ما كان تعليمنا درسًا روحيًا. فكأن المسيح كان يقول: "يا أبتاه، لو كانت لديك طريقة أخرى لخلاص الخطاة الفجَّار تغني عن ذهابي إلى الصليب فأعلنها الآن لي! لكن ليكن معلومًا في كل هذا الأمر إني لا أرغب في أي شيء يتعارض مع مشيئتك" (202).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (193) دعوة الحق أو الحقيقة بين المسيحية والإسلام ص225.

 (194) تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص442.

(195) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل يوحنا جـ2 ص845.

 (196) أورده القمص عبد المسيح بسيط - إذا كان المسيح إلهًا فكيف تألم ومات؟ ص47.

(197) أورده القمص صموئيل وهبه - صلاة المسيح في البستان والقبض عليه ومحاكمته ص34.

(198) المرجع السابق ص23.

(199) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ 1 شرح بشارة متى ص472.

 (200) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص433، 434.

 (201) لماذا الصليب بالذات ص15، 16.

(202) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ 1 ص164.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/427.html