سؤال 733: هل يليق بتوما أن يقول ساخرًا: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" (يو 11: 16)؟ وهل يُعقل أن تسرع مرثا للقاء يسوع، بينما مريم لم تحرك ساكنًا (يو 11: 20)؟ وإن كان كل مؤمن بيسوع لا يموت إلى الأبد طبقًا لقول يسوع (يو 11: 26) فهل موت المسيحيين دليل على عدم إيمانهم؟ ومن يصدق أن الله ينزعج بالروح، ويبكي، ويضطرب (يو 11: 33، 35، 38) فهل صار عديم الحيلة والقدرة؟

ج: أولًا: هل يليق بتوما أن يقول ساخرا: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" (يو 11: 16)...؟ كان توما مع بقية التلاميذ يُراقبون الموقف المتوتر في اليهودية ولا سيما أورشليم، حيث تحيق القادات الدينية المؤامرات لاغتيال يسوع: " قَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ يَا مُعَلِّمُ الآنَ كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَرْجُمُوكَ وَتَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى هُنَاكَ" (يو 11: 8)، وعندما قرر يسوع العودة إلى اليهودية قال توما عن حُب وصدق: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ"، وهنا نقف أمام رأيين في تفسير موقف توما:
الرأي الأول: أن توما خشى موت مُعلمه، وبل موت التلاميذ أيضًا، فقال "القديس يوحنا الذهبي الفم": " خافوا عليه أيضًا، لكنهم بالأكثر خافوا على أنفسهم، لأنهم لم يكونوا بعد كاملين. لهذا فإن القديس توما وقد هزه الخوف، قال: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ " (يو 11: 16)، لأن توما كان أكثر ضعفًا وعدم إيمان عن البقية، لكن انظروا كيف شجعهم يسوع بما قاله: "أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟"(305). كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم" أيضًا: " لقد ارتاع التلاميذ من ملاقاة اليهود، أما توما الرسول فكان أكثرهم رعبًا، لذلك قال: "لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" ولأنه كان أضعف عزمًا من التلاميذ وأقلهم إيمانًا... إلاَّ أن السيد المسيح لم يوبخه بل سند ضعفه، وبعد ذلك صار أكثر قوة من الجميع، لا يُقهر. فالعجيب في هذا أننا نرى شخصًا كان ضعيفًا هكذا قبل الصلب، صار بعد الصلب وبعد إيمانه بالقيامة أكثر غيرة من أي شخص. عظيمة هيَ قوة المسيح! ذات الشخص الذي لم يجسر أن يذهب مع المسيح إلى بيت عنيا هو بعينه وهو لا يرى المسيح يجري وحده في العالم المسكون، ويقطن بين الأمم المملؤة بالقتل والذي يطلبون قتله" (306).
الرأي الثاني: لم يقل توما قولته هذه من باب السخرية ولا الاستخفاف، ولا بث روح اليأس وتثبيط الهمم، فهو شخص جدي وواضح وصادق في أقواله. كان مُستعدًا فعلًا أن يموت مع مُعلِّمه، فشجع توما إخوته الرسل الأطهار حتى لا يهجروا المعلم، بل يتبعونه مهما كانت المخاطرة، وجميعهم وافقوه الرأي، لأن محبتهم لمُعلمهم غلبت الخوف من الموت، فينبغي على التلميذ أن يتبع مُعلِّمه موضع ثقته ولو إلى الموت. يقول "القديس كيرلس الكبير": " يقول توما أنه لا ينبغي على التلاميذ أن يفصلوا أنفسهم عن معلمهم، رغم الخطر الأكيد المحدق بهم، وهكذا ربما بابتسامة خفيفة قال: "لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" أو كأنه يتكلم كما يلي: بالتأكيد أننا إن ذهبنا سوف نموت، ومع ذلك دعونا لا نرفض أن نتألم، لأننا لا ينبغي أن نكون جبناء إلى هذه الدرجة، لأنه إن كان هو يُقيم الأموات فلا داعي للخوف لأن معنا من هو قادر أن يُقيمنا بعد أن نموت" (307).
وجاء في "الأفكار الرئيسية في العظات الكتابية": " لاحظ أن توما هو الذي تولى القيادة هنا، لقد أظهر شجاعة عظيمة وولاء عظيمًا للمسيح، وهو مثال قوي لكل مؤمن. لقد أظهر:
· محبة عميقة للمسيح، محبة كانت مُستعدة أن تموت لأجله.
· استعدادًا للوقوف والموت مع رفاقه المؤمنين في عمل الرب.
· معرفة أن الموت لأجل المسيح أفضل من الحياة بدونه" (308).
ويقول "وليم باركلي": " وتراجع التلاميذ أمام الخطر الماثل وأبدوا تردُّدهم في الذهاب مع "يسوع" إلى اليهودية. فلقد كان الذهاب إلى دائرة أورشليم، بعد الذي حدث أخيرًا، يُعد في نظرهم انتحارًا، وما كانوا على استعداد أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة. ولكن صوتًا واحدًا هتف إلى جانب "يسوع"، وكان هذا صوت توما الذي يُقال له التوأم. لقد هتف قائلًا بشجاعة: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ "... ونقول أن "توما" قد أظهر في تلك الفرصة أسمى آيات الشجاعة... أنه الرجل الذي لم يشأ أن يترك يسوع... وليس معنى البطولة أن يتخلى الإنسان عن مشاعر الخوف... أن الشجاعة الحقيقية تكمن في معرفتنا التامة للظروف المُحيطة بنا، وبالتالي في مواجهة تلك الظروف، حتى ولو كانت قلوبنا ترتجف في صدورنا... لا ينبغي أن نخجل من شعورنا بالخوف، بل ينبغي أن نخجل إذا كان الخوف يشل حركتنا، ويدفعنا إلى الجُبن والتراجع عن القيام بالواجب" (309).
ثانيًا: هل يُعقل أن تُسرع مرثا للقاء يسوع، بينما مريم لا تحرك ساكنًا (يو 11: 20)؟ هذا هو اليوم الرابع لموت لعازر، وكان من عادات اليهود في ذلك الزمان أن أهل الميت يعيشون في أحزان وآلام نفسية شهرًا كاملًا، يدعون الثلاثة أيام الأولى "أيام الحزن" حيث تكون الكآبة في قمتها يجلسون على الأرض ويحزنون حزنًا مُفرطًا، تليها سبعة أيام تُدعى "أيام المراثي" يُرددون فيها التراتيل الحزينة (النواح)، حتى لو حيَّا أحد أهل الميت لا يردون التحية، وينامون على فراش على الأرض، لا يرتدون نعالهم ولا يغتسلون ولا يدهنون أجسادهم ولا يقرأون الشريعة (أسفار موسى الخمسة) ولا المشناة Mishnah ولا التلمود Talmud ويغطون رؤوسهم، ولا يرتدون ثوب أبيض ولا ثوب جديد (كعلامة على الرجاء أو الفرح) بل حتى لو تمزقت ثيابهم يتركونها ولا يرتقونها. وبعد مرور الأيام الثلاثة ثم السبعة يقضون بقية الشهر في مظاهر الحزن، لا يحلقون شعرهم ولا يرتدون ملابس ذات قيمة... إلخ. وعندما جاء السيد المسيح مع تلاميذه إلى أطراف قرية بيت عنيا، عند منطقة القبور وبلغ مرثا هذا الخبر أسرعت للقائه، بينما ظلت مريم ملازمة البيت تبكي أخيها مع المُعزين. أمَّا عن التساؤل: لماذا لم تسرع مريم إلى لقاء يسوع؟ فإننا هنا نقف أمام ثلاثة احتمالات:
1- إن مرثا المعروفة بالنشاط والتواصل وكثرة الحركة، عندما بلغها الخبر كانت خارج البيت، فأسرعت للقاء يسوع دون أن تُبلغ أختها مريم، أي أن مريم لم تعرف بقدوم يسوع، بدليل أنها عندما سمعت أن المعلم قد حضر ويدعوها، إذ أخبرتها مرثا: " الْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ وَهُوَ يَدْعُوكِ. أَمَّا تِلْكَ (مريم) فَلَمَّا سَمِعَتْ قَامَتْ سَرِيعًا وَجَاءَتْ إِلَيْهِ" (يو 11: 28-29).
2- ربما أن الحزن المُفرط والألم والأسى الذي آلم بمريم أقعدها وسلمها لليأس بعد أن مات أخيها، فما عسى يُفيد حضور المُعلم بعد موت أخيها منذ أربعة أيام حتى أنتن؟!! وما فائدة حضور المُعلم بعد أن نفذ سهم الموت وانطوت الأيام؟!!
3- ربما أدركت مريم أن إرادة اللَّه صالحة، ولا يحدث شيء بدون إرادته أو بدون إذنه، فسلمت أمورها للَّه راضية بقضائه، مُطمئنة لتدابيره. فظلت مُنتظرة في البيت مع المُعزين لحين حضور المُعلم ليعزيهم، ولم يخطر على بالها قط أن المُعلم سيُقيم لعازر من القبر بعد أربعة أيام. يقول "القديس كيرلس الكبير": "ربما كانت مرثا أكثر حماسًا من جهة الواجبات اللائقة، لذلك فهيَ التي ذهبت أولًا ولاقته. أما مريم فقد كانت أكثر هدوءً. لذلك إذ كانت لها نفس أكثر حساسية، فقد ظلت في البيت تتقبل من أصدقائها مشاعر التعزية، أما مرثا فكشخصية أكثر بساطة، وقد بدت مُثقَّلة بالحزن الشديد، ومع ذلك فقد كان تصرفها أكثر حيوية" (310).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: إن كان كل مؤمن بيسوع لا يموت إلى الأبد طبقًا لقول يسوع (يو 11: 26) فهل موت المسيحيين دليل على عدم إيمانهم...؟ قال السيد المسيح: " مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ" (يو11: 25-26) والمقصود بالموت هنا ليس الموت الجسدي لأننا جميعًا سنموت: " وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ" (عب 9: 27) فالجميع بلا أي استثناء سيجوزون في الموت الجسدي، إنما ما قصده السيد المسيح هو الموت الروحي، بالانفصال عن اللَّه: " وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف 2: 1) فمن يؤمن بالمسيح ينال النجاة من الموت الأبدي: " وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" (أف 2: 5)، وقال السيد المسيح: " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يو 5: 24) (راجع أيضًا رو 6: 4؛ 1كو 2: 13). وما دام القول: " وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ" صادر من رب الحياة، لذلك فهو صادق وحق يجب قبوله وتصديقه، فإلهنا ومُخلصنا يسوع المسيح هو مصدر الحياة، هو الذي وقف أمام قبر لعازر وصرخ بصوت عظيم مُستدعيًا إياه من أعماق الهاوية فنهض نافضًا تراب الموت. لأول مرة يظهر الموت ذاته حاملًا بذار الحياة، ومع ظُلمة القبر تسطع شمس القيامة، ومع فساد الجسد يظهر مجد اللَّه.
رابعًا: من يصدق أن الله ينزعج بالروح ويبكي ويضطرب (يو 11: 33، 35، 38) فهل صار عديم الحيلة والقدرة...؟ كان يوحنا الحبيب شاهد عيان وسجل الحدث كما حدث تمامًا بدون تهويل ومبالغة، فقد ذكر التأثرات التي جاز فيها يسوع، تارة يقول: " انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ"، " بكَى يَسُوعُ" ولا بد أن يوحنا عاين دموعه، وثالثة يقول: " فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضًا فِي نَفْسِهِ" مع أنه قد سجل هذه الأحداث بعد نحو نصف قرن فإن الزمن عجز أن يمحو مدى تأثر يوحنا الحبيب. والسيد المسيح بحسب لاهوته مُنزَّه عن الانفعالات البشرية، ولكن بحسب الناسوت فقد امتلك طبيعة بشرية بكامل خصائها، فلا نتعجب عندما نقرأ أنه جاع (مت 4: 2) وعطش (يو 4: 7؛ 19: 28) وتعب (يو 4: 6) وتهلل بالروح (لو 10: 21) وحزن (مت 26: 38) وغضب (مر 3: 5) وانزعج واضطرب (يو 11: 33، 38؛ 12: 27؛ 13: 21) " وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ" (مر 14: 33) ومات وأسلم الروح البشرية (يو 19: 30). لقد اتخذ اللَّه طبيعة بشرية كاملة بما فيها من غرائز ومشاعر وعواطف، لذلك فهو انزعج واضطرب وبكى بحسب الناسوت اضطرب ليس اضطراب وارتباك الخوف الذي يعترينا عندما نفقد السيطرة على الأمور وتفلت الخيوط بين أيدينا، ولكن اضطراب السيد المسيح هنا هو تعبير عن الثورة العاطفية التي تظهر مدى شدة تأثره عندما وقف أمام فساد الطبيعة البشرية وما آلت إليه، وتارة أخرى تجده يضطرب أمام فظاعة وبشاعة الخيانة (يو 13: 21) ولا سيما أن الخائن تلميذ من أخصائه الاثنى عشر. كانت هناك انفعالات في العاطفة، ولكن كان له السيطرة على تلك العواطف، فلم تغلبه، إنما كانت خاضعة لسيطرته.
وبكاء يسوع جاء تأكيدًا لحقيقة ناسوت المسيح، وتحمل ردًا قويًا على الغنوسيين الذين ادعوا أن السيد المسيح لم يتخذ جسدًا ماديًا، لأن المادة في نظرهم شر وخطية، وقد ذكر الإنجيل بكاء يسوع ثلاث مرات، عند قبر لعازر، وعلى أورشليم، وليلة آلامه في البستان. قديمًا سمعنا عن المشاعر الإلهية: " فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ" (إش 63: 9) وهنا رأينا الترجمة العملية لهذه المشاعر " بكَى يَسُوعُ"، وفي الأصل اليوناني تحمل معنى "أدمعت عيناه" أي أنه بكى بدون صوت، أمَّا في بكائه على أورشليم (لو 19: 41) فحملت معنى البكاء بصوت مسموع، وإن كان أمام قبر لعازر كان يعلم أن لعازر سيقوم ولكنه تأثر وبكى مما آلت إليه الطبيعة البشرية من فساد، فبكى بدون صوت، أمَّا أمام أورشليم وسكانها فيعلم أن لا قيامة لهم، إنما سيهلكون بآثامهم، فبكى بصوت مسموع، و" بكَى يَسُوعُ" تعكس مدى المحبة المُتبادلة بين السيد المسيح ولعازر: " هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" (يو 11: 3)... " لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ" (يو 11: 11)... " انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ" (يو 11: 36).
يقول "القديس كيرلس الكبير": " إذ رأى الإنجيلي (يوحنا) المسيح يبكي رغم أن الطبيعة الإلهية عديمة البكاء، فإنه دُهش لأن المعاناة هيَ أمر خاص بالجسد ولا تلائم الألوهية... والرب عندما رأى أن الإنسان المخلوق على صورته، قد تشوَّه بالفساد، فإنه بكى... واليهود ظنوا أنه يبكي بسبب موت لعازر، ولكنه بكى حزنًا على البشرية كلها، وهو لا ينوح على لعازر وحده، بل هو يعرف تمامًا ما حدث للجميع، بأن كل البشرية صارت خاضعة للموت، إذ أنها بعدل قد سقطت تحت هذا العقاب العظيم" (311).
ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي": " ثم أن يسوع دمع ليبين أنه بالحقيقة قد صار إنسانًا وكان بكاؤه على شقائنا الجسيم... ولم يكن في دموعه شيء من الضعف الشائن بل أن لنا فيها تعليمًا، أي يجب علينا أن نحزن على موتانا وأنه له المجد يحبنا شديد المحبة فيدمع لمصيبتنا ويُشاركنا في كربتنا، وبدموعه ينشف دموعنا كما أنه بعذابه أزال عنا العذاب الذي استوجبناه. ويُمكننا أن نقول أن دموعه هيَ كالمطر المُنعش ولعاز كالحنطة وقبره كالأرض التي شربت الدموع، ثم أن صوت السيد يشبه رعدًا، منه فزع الموت وتلاشى، وقد نبت لعازر كالسنبل وعلا فوق الأرض كالرمح ثم انكشف وجهه بهيًا فجمعت حبوبه وخُزن في إهراء الكنسة للتبشير بالإنجيل" (312).
ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " الانفعال بالبكاء ومثله بكاؤه على أورشليم (لو 19: 41) هو برهان على حقيقة إنسانيته التي اتخذها وهو الإله. فلم تكن إنسانيته مجرد جسد بلا روح إنسانية كما زعم أبوليناريوس، وإنما كانت إنسانيته كاملة من روح وجسد. ولم تكن إنسانيته أو ناسوته مجرد شكل خارجي بمثابة سكن للاهوته على ما زعم نسطور، إنما كانت إنسانيته إنسانية حقيقية... بحيث أن ما تنفعل به الروح ينفعل به الجسد حالًا وعلى الفور وفي نفس الوقت، بطبيعة الاتحاد الكائن بينهما... هل كان بكاؤه لمجرد إبراز إنسانيته، أو كان حزنًا وآسى على خليقته التي دخل إليها الموت بكل متاعبه ومضايقاته، وذلك نتيجة للخطية (تك 2: 17؛ 1 كو 15: 56؛ رو 5: 12) فأفسد صورتها الجميلة وأطفأ نورها (يع 1: 15)، أو كان بكاؤه أيضًا لفضيلة المشاركة الوحدانية بين الناس المبلوين والمجربين والمتألمين "بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو 12: 15)، أو لهذه الأسباب جميعها مجتمعة معًا؟ إنه تعليم لنا... " تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ " (1 بط 2: 21)" (313).
ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد" تعليقًا على آية " بكَى يَسُوعُ": "هذه أقصر آية في الكتاب المقدَّس، لكن من يستطيع أن يقيس اتساعها وعمقها وسموها، هذه قصيدة كاملة مركزة في نبرة، وبحر خضم مُتجمع في قطرة، وأبدية طويلة مختزلة في لحظة، وثروة طائلة مختزنة في لؤلؤة.
ما أجمل دموعك أيها الفادي؟! ما أثمنها، وما أطهرها؟! فما قطر الندى الجميل، تسكبه أجفان الفجر على أكمام الأزهار، إلاَّ قبحًا بجانب جمالها. ولا اللالئ الكريمة التي تزين تيجان القياصرة سوى تراب أمام تبرها، ولا عين الشمس الوضيئة ساكبة أشعتها الوهاجة لتنقي أوراق الكون، سوى قدر بجانب طهارة دموعك القدسية النقية" (314).
_____
(305) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 2، ص773.
(306) المرجع السابق، ص779.
(307) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص42.
(308) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، جـ 5، إنجيل يوحنا، ص207.
(309) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص177.
(310) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص43.
(311) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص50.
(312) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد، ص382، 383.
(313) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16- الكتاب المقدَّس - الجزء الخامس - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص232، 233.
(314) شرح بشارة يوحنا، ص495، 496.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/733.html
تقصير الرابط:
tak.la/4zmwyg5