سؤال 722: هل دبَّر الكتبة والفريسيون أمر المرأة التي أُمسكت في الزنى (يو 8: 3) لكي يوقعوا بالسيد المسيح، فإن برَّرها سيكسر الشريعة، وإن أدانها فهو قاسي القلب، وليس مُحبًا للعشارين والخطاة؟ وماذا كان يكتب يسوع على الأرض (يو 8: 6)؟

ج: أولًا: هل دبَّر الكتبة والفريسيون أمر المرأة التي أُمسكت في الزنى (يو 8: 3) لكي يوقعوا بالسيد المسيح، فإن برَّرها سيكسر الشريعة، وإن أدانها فهو قاسي القلب، وليس مُحبًا للعشارين والخطاة...؟ نعم كانت حادثة هذه المرأة في الغالب مُدبَّرة بحنكة شيطانية، فقد تكون هذه المرأة معروفة لديهم كزانية، فتربصوا بها، وعندما ضبطوها قادوها للسيد المسيح ليحكم عليها، أو أنها ضُبطت مُتلبسة في وقت سابق وحجزوها حتى يحكموا من خلالها على السيد المسيح، فاقتادوها من مكان الحجز إلى السيد المسيح في الهيكل. أو على أفضل تقدير أنها كانت حادثة عارضة واستغلها الكتبة والفريسيون كفرصة لتكدير صفو الجموع التي تتابع بشغف تعاليم السيد المسيح السامية، فأرادوا الإيقاع بهذا المُعلِّم العظيم الفريد الذي ليس له مثيل وقد سحب البساط من تحت أقدامهم. لم تحكم هذه القيادات على هذه المرأة مثلما حكموا على جميع الحالات السابقة التي ضُبطت مُتلبسة، إنما إقتادوها بمُكر ودهاء إلى المُعلم العظيم الفريد، وهم يظهروا له الاحترام المزيَّف إذ نادوه: "يا معلم" (يو 8: 4) وعادلوا بينه وبين موسى رئيس الأنبياء قائلين: " وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا... فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ" (يو 8: 5). لقد فعلوا ما فعلوه عندما سألوه في أمر الجزية: " أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ" (لو 20: 22) (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 7 س620).
قالوا في أنفسهم أن أخذته الرأفة بها وحكم ببراءتها فهو يخالف الشريعة (لا 20: 10؛ تث 22: 22-29)، ويناقض نفسه لأنه سبق وقال: " لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت 5: 17)، ويظهر أنه يتهاون في أحكام الناموس ذاته ويستخف بأحكام التوراة، ويستهين بالفضيلة ويشجع على الرذيلة، وبذلك ينفض الشعب عنه. أما لو أدانها وحكم بموتها رجمًا فأين الرحمة التي ينادي بها؟!! ويظهر أيضًا متناقضًا مع نفسه لأنه سبق وقال: " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47) وبذلك سيخسر تعاطف الشعب معه، ويفقد صفته كونه عطوفًا شفوقًا رحومًا، وصار مثلهم، ولم يعد مُحبًا للعشارين والخطاة. بل أيضًا يجدون فرصتهم ليشتكونه للوالي الروماني، كونه اغتصب سلطته وحكم بالإعدام، الأمر المخوَّل به للقاضي الروماني فقط، ولا سيما أن القانون الروماني لا يحكم على المرأة الزانية بالإعدام، بل يسمح لها بهذا التصرف مقابل سداد الضرائب المفروضة على بيوت البغاء، والقانون الروماني لا يحكم على إنسان بالإعدام بدون محاكمة، فرجم هذه المرأة ضد القانون وضد سلطة الوالي وضد القضاء. وقال الإنجيل: " قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ" (يو 8: 6)، وكان من الصعب جدًا على أي قاضي أن يخلص من هذه التجربة، إذا وضعوا أمامه خيارين، وكل منهما يدينه، أمَّا السيد المسيح فقد سلك مسلكًا ثالثًا، إذ أنه لم يُبرّر المرأة وأيضًا لم يدينها، بل أوقف كل ثائر من هؤلاء الثائرين أمام نفسه في ضوء الوصية المقدَّسة.
ويقول "دكتور وليم إدي": " أظهر يسوع حكمة عظيمة بأنه لم يقع في الحفرة التي أخفاها له أعداؤه مكرًا وبغضًا، وباكرامه شريعة موسى، وبأنه لم يدن المرأة بموجبها، وبإفحام خصومه وإيقاظ ضمائرهم وإجبارهم على أن يغادروا المكان في خجل، وتوبيخه على الخطايا الخفية والظاهرة المضادة للعفاف، وإعلان كراهيته للإثم الذي ارتكبته المرأة، وأمره بحياة التقوى. ونتعلم من هذا أنه يجب علينا أن نُدين أنفسنا أكثر مما نُدين غيرنا. وأن نجتهد في حفظ أنفسنا من الخطية أكثر مما نجتهد مما نجتهد لنرفع حجرًا نرجم به غيرنا" (235).
ويقول "الخوري بولس الفغالي": " إذًا لا يُخالف يسوع شريعة موسى، بل يستند إليها، ويبدّل محل المشكلة، فينقلها إلى مستوى ضمير المُتهمين. ويوجه السؤال إلى محكمة غير منظورة حيث القاضي والمتهم هما واحد: محكمة ضمير كل إنسان... فالكتبة والفرسيون تخلوا عن الرحمة فاشتكوا وألحوا في شكواهم ضد هذه المرأة... أن يسوع المتكلم هكذا لم يرفض شرعية الحكم ولا صدق الشهادات المُعطاة... أنه يشدد فقط على الضرورة التي تجعل كل واحد يسهر على النية التي تدفعه إلى العمل بطريقة حاسمة ضد حياة أخيه. هذا النداء إلى ضمير كل واحد يُجمّل تعليم يسوع كله (مت 7: 1-5) ويفضح كل الذين يحكمون على الآخرين (مت 18: 31) أنه يفضح المرائين والخبثاء (مت 6: 23) الذين ينظرون إلى عيوب الآخرين ولا يهتمون بعيوبهم" (236).
والأمر العجيب أيضًا في هذه القصة والذي يدين هؤلاء الهائجين أنهم أحضروا المرأة ولم يحضروا الطرف الآخر ليُرجم معها بحسب حكم الشريعة، فربما يكون قد هرب وهم لم يهتموا باللحاق به أو البحث عنه، وربما كان ذو سطوة ونفوذ فخشوه، وربما اشترى ذممهم الفاسدة بالرشوة، وربما تساهلوا معه لأن المجتمع الشرقي يغفر للرجل دون المرأة هذه الخطية البشعة، وربما كان جل اهتمامهم الحكم على يسوع أكثر من غيرتهم على الشريعة، لقد أقاموا من أنفسهم بوليسًا للآداب، وجاء عملهم معيوبًا إذ قبضوا على طرف دون الآخر، وأيضًا لم يحضر هؤلاء الثائرون الشهود الذين يشهدون بما حدث ويلقون الحجر الأول. ويقول "وليم باركلي" إن لسان حال السيد المسيح يقول: " أتريدون أن تنفذوا الحكم فيها؟ تقدموا. أتريدون أن تجلسوا على كراسي الحكم؟ تعالوا. هل تلتهب قلوبكم شوقًا إلى رؤية الدماء تتفجَّر من جراحها؟ ارجموها. ولكن ليلقِ بالحجر الأول، من يوقن في نفسه أنه بلا خطية... وكلمة بلا خطية لا تعني فقط أنه لم يرتكب خطية، بل تعني أيضًا لا تساوره حتى مجرد الرغبة الخاطئة... وساد سكون إلى فترة وجيزة، ثم تسلل الواحد منهم بعد الآخر، وهو يُلقي من يده الحجر الذي اختاره لرجمها. ولم يبقَ في المكان غير يسوع واقفًا أمام المرأة المُنهارة المتهالكة على الأرض، وفي خزيها وعارها، وكما يقول القديس أغسطينوس: {وقفت المراحم العُظمى وجهًا لوجه أمام التعاسة العظمى}، وإذا بصوت السيد يرن هاتفًا "يا امرأة أين هؤلاء المُشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟ فتُجيبه بصوت آسيف: لا أحد يا سيد، فيصدر رب الأجيال والدهور حكمه عليها: ولا أنا أدينك حتى هذه الساعة، ولكن إن عادت قدماك إلى المسير مرة ثانية في نفس الطريق، فستكون لك الأواخر أشر من الأوائل. اذهبي، ولا تُخطئي أيضًا، واقلبي صفحة جديدة بيضاء..." (237).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: ماذا كان يكتب يسوع على الأرض (يو 8: 6)...؟ قال الإنجيل: " وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ" (يو 8: 6) وعندما ظلوا يسألونه: " انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ. ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ" (يو 8: 7-8) فهو كتب على الأرض على دفعتين، سواء كانت الكتابة مُتصلة بموضوع واحد أو موضوعين، أو كتب رموزًا رأى فيها كل منهم خطاياه التي لمعت أمام عينيه، لكن الإنجيل لم يفصح عن هذه الكتابة. ربما ظل يكتب ليُخفف من حدة التوتر ومحاولة لكسب الوقت لإعادة التفكير وفرصة للهائجين الثائرين أن يهدأوا قليلًا ويتخلصوا من مشاعر الغضب والانتقام. وربما كان يكتب الوصايا وكل واحد من الواقفين رأى نفسه في ضوء الوصية، فهو في الموازين إلى فوق، وبكتابته على الأرض أعاد للأذهان لوحي العهد المكتوبين بأصبع اللَّه (خر 31: 18) فإن كان إصبع اللَّه قديمًا يرمز لأقنوم الكلمة، فهوذا أقنوم الكلمة مُتجسدًا يكتب على دفعتين على الأرض. قول السيد المسيح: " فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ" فهو يتوافق مع الشريعة التي اشترطت أن يُقتل: "علَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لاَ يُقْتَلْ عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ. أَيْدِي الشُّهُودِ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا" (تث 17: 6-7) ولم يجرؤ واحد منهم أن يرجم بحجره أولًا لأنه ليس من الشهود، بل أن القضية برمتها خلت من الشهود، والطرف الثاني الذي يستحق الرجم غير موجود، فهيَ قضية معيوبة، ومع هذا فإن السيد المسيح لم يقل أن هذه المرأة بريئة وأيضًا لم يحتج على الناموس الذي أمر برجم الزاني والزانية، ولكن السيد المسيح طلب إنسانًا يكون من الشهود ويكون بريئًا بلا خطية ليرجم الزانية أولًا بالحجر الأول، فلم يجد، وقد سبق وأوصى قائلًا: " وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا..." (مت 7: 3-5).
وكل إنسان كان يحمل حجرًا في هذا المشهد ويقف مُتحفزًا لإراقة الدماء تكشفت أمامه خطاياه وانفتحت عليه نيران الضمير، فلم يحتمل بل أسرع مُنسحبًا من الحضرة الإلهية: " وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ" (يو 8: 9). إنسل الشيوخ أولًا لأن خطاياهم أكثر وأعمق من خطايا الشباب، فقد تعتَّقوا في الشر وانغمسوا وغُرسِوا في الآثام، حتى تبقى السيد المسيح في مواجهة المرأة، الموقف الذي عبّر عنه "القديس أغسطينوس" قائلًا: "بقى اثنان، المرأة التعسة بل السعيدة في مواجهة الرحمة المُتجسدة"(238). هذا ما صنعه يسوع مُحب الخطاة والعشارين الذي رفع من شأن المرأة الخاطئة عن سمعان الفريسي، والابن الضال عن الابن الأكبر، وديماس اللص عن قيافا رئيس الكهنة.
ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " ولكننا نحمد اللَّه على وجود الضمير في قلب الناس حتى المُنحطين فهو البقية الباقية من نور اللَّه في قلب الإنسان بعد سقوطه. أن كلا منهم تطلع إلى الآخر منتظرًا أن يكون هو البادئ برمي أول حجر، فخاب انتظارهم عن بعضهم البعض، بعد أن خاب انتظارهم من أنفسهم. فلم يبقَ أمامهم إلاَّ أن ينسلوا خارجين، مُبتدئين من المُعتبرين. وهنا أمسى القضاة مُتهمين، فتطوعوا بالدخول إلى قفص الاتهام فردًا فردًا، لأن الضمير يحاكمنا أفرادًا لا جماعات. ولأن قضاءه يبتدئ من المُتقدمين فالآخرين، وكذلك قضاء اللَّه العادل فردي... وربما خرج الشيوخ أولًا لأن قائمة خطاياهم كانت قد طالت بطول أعمارهم. أن كل خاطئ يحمل في قلبه أُسُدًا رابضة، وعند أقل إشارة من الضمير تثور هذه الأسُد الضارية وتسلب الإنسان كل سلام واطمئنان" (239).
ويقول "الأب متى المسكين": " خرجوا من ساحة المحكمة التي أقاموها بأنفسهم، الواحد بعد الآخر، لأن ضمائرهم كانت تبكتهم. لأنه من ذا الذي يستطيع أن يتصوَّر أن خاطئًا يتحمل دم خاطئ أمام اللَّه؟ لقد أصابتهم الرعبة أمام عيني المسيح التي اخترقت ضمائرهم، بل عظامهم. وكان تأثير كلام المسيح على الشيوخ شديد الوطأة لأنهم لم يكونوا أفضل من قضاة سوسنة في سفر دانيال... فالمُشتكون صاروا تحت الدينونة. فإذا وضح أن الناموس هكذا أصبح بلا قضاة في إسرائيل فقد بطل الناموس!!" (240).
_____
(235) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص93.
(236) إنجيل يوحنا - دراسات وتأملات، ص250، 251.
(237) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح بشارة يوحنا، جـ2، ص16، 17.
(238) أورد البابا تاوضروس الثاني - مفتاح العهد الجديد، جـ 1 البشائر الأربعة، ص279.
(239) شرح بشارة يوحنا، ص323.
(240) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ1، ص514.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/722.html
تقصير الرابط:
tak.la/rjsn76r