سؤال 723: كيف يُبرّر يسوع المرأة الزانية (يو 8: 11) مُخالفًا الوصية ومنافيًا العدل الإلهي ومُشجعًا على الرذيلة؟ وهل قول يسوع: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو 8: 12) مُقتبس من أقوال الفيلسوف اليهودي "فيلو"؟ وكيف يكون السيد المسيح هو الديان العادل (مت 25: 31-32؛ يو 5: 22؛ أع 10: 42؛ 2 تي 4: 1) ويقول: " أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" (يو 8: 15)؟

ج: أولًا: كيف يبرّر يسوع المرأة الزانية (يو 8: 11) مُخالفًا الوصية ومنافيًا العدل الإلهي ومُشجعًا على الرذيلة...؟ "المرأة الزانية" هيَ التي اعتادت حياة الزنا، أمَّا هذه المرأة فقال عنها الإنجيل أنها: " أُمْسِكَتْ فِي زِنًا" (يو 8: 3) فالاحتمال الغالب أنها لم تعتاد حياة النجاسة، إنما هذه هيَ المرة الأولى التي سقطت فيها لظروف عارضة، ففي ازدحام وبهجة الأعياد في أورشليم وكثرة عدد الوافدين واختلاط بعض النساء ببعض الرجال، قد هيأت الظروف للسقوط، فانزلقت هذه المرأة في تلك الخطية المُرة في الأماكن المقدَّسة. وهنا نرى السيد المسيح الذي قال: " لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47) يدين الخطية ويُبرر الخاطئ والخاطئة، فلم يكتفي بتبرير المرأة قائلًا لها: " وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ"، إنما دان الخطية إذ شدد عليها قائلًا: " اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" ثم أعلن السيد المسيح عن نفسه: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو 8: 12) فتركت هذه المرأة ظُلمة الخطية واستضاءت نفسها بنور المسيح الذي أنقذها من الموت رجمًا، وكفت عن زناها مُتشبسة بحياة القداسة.
لقد كانت هذه المرأة في مسيس الحاجة لسماع صوت المُخلِّص: " اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو 8: 11). يقول "ألان مرشدور": " وانتهت المُجابهة والمعارضة، وكان بوسع الرواية أن تُختم هنا. كان ذلك صحيحًا بالنسبة إلى جزية قيصر، إلاَّ أن الطعم هنا ليس شيئًا ماديًا دون روح، أو نقود للتبادل، أو قصعة فضية، وإنما كائنًا بشريًا، مُهانًا، امرأة دون مستقبل، وقد أُغلق عليها في دائرة الموت. وذهب المشتكون دون أن يوجهوا الكلام إلى المرأة البتة. فلقد أغلقوا عليها في دائرة حكمهم. وفُتحت الدائرة، ولكن المرأة بقيت مسجونة فيها. كانت المرأة وما زالت في وسط الدائرة، ولكي تخرج منها كان ينبغي لأحد أن يكلمها ويسمح لها بالخروج من سجن خطيئتها: "اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا". ها قد أصبحت شخصًا له مُستقبل، والشريعة لم تُمحَ" (241).
ويقول "وليم باركلي": " وإذا جاز لنا أن نوسع كلمته، فإننا نضعها على النحو التالي: أيتها المرأة لن أصدر عليك اليوم حكمًا نهائيًا، ولن أُدينك لأن الدينونة القاطعة قادمة، لكنني سوف أُعطيكِ فرصة أخرى لحياة أفضل، وأكثر كرامة. اذهبي واثبتي أهليتك لهذا العفو الكريم. اظهري للملأ حياة أرفع ومثالًا أسمى. كوني قوة بناءة للحياة لا قوة هدامة للموت، والهلاك. لقد أخطأتِ. هذا حق، ولكن أمامكِ فرصة لتصلحي ما فات. اذهبي ولا تُخطئي أيضًا، وإنما سوف أُعينكِ وعند نهاية يوم الحياة القصير، سوف تُعطين حسابًا عما استطعتِ أن تفعليه بالفرصة المقدمة إليكِ" (242).
ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " يخطئ من يعتقد أن المسيح تساهل معها في خطيتها. ذلك لأنه لم يتجاهل خطيتها بل ذكَّرها بها ولكن بلطف. إذ قال لها: " وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا". علم الفادي أن أكبر عقبة في سبيل تلك المرأة خطيتها... لذلك رأى الفادي أن أعظم علاج لها، أن يقطع كل صلة تربطها بالماضي، وأن خير علاج يقطع صلتها بالماضي هو الغفران. فلم يرد المُخلِّص أن يتركها فريسة الماضي الأسود، بل جعها ابنة المستقبل المُنير" (243). لقد وقفت الخطية أمام برَّ المسيح، فكانت النُصرة لبرّ المسيح. ووقف الموت في مواجهة الحياة، فكانت النُصرة للحياة. وقفت الظُلمة أمام النور فلم تحتمل بل هربت بعيدًا. وقفت هذه المرأة التي تُعبّر عن البشرية في أحط صورها، أمام أقنوم الكلمة الذي أخذ الطبيعة البشرية في أنقى صورها، فإذ برب الحياة يدين الخطية وينقذ الخاطئة، فهو مُحب للخطاة، ولكنه قدوس لا يقبل الخطايا. يقول "وليم باركلي": " حينما وقف أمام هذه المرأة لم يقل لها "أيتها التعسة البائسة، من يأكل الحصرم تضرس أسنانه لقد عشت في عارك وخزيك، وفي عارك وخزيك أيضًا تموتين". لكنه قال: "اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا". لقد كان يثق أنه بمعونته وبنعمته وبعمل روحه، يستطيع الخاطئ أن يتحوَّل إلى قديس. لقد كانت طريقة يسوع، لا أن يدفع الناس إلى المعرفة البائسة بأنهم خطاة لا رجاء لهم، وليس أمامهم سوى الموت. بل أن يُوحي لهم بالإمكانيات العظيمة الكامنة التي يمكنها بقوة اللَّه أن تظهر وتحوّل يأسهم بأسًا، وهزيمتهم انتصارًا بنعمة اللَّه" (244).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: هل قول يسوع: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو 8: 12) مُقتبس من أقوال الفيلسوف اليهودي "فيلو"؟
1- أعلن اللَّه عن ذاته في العهد القديم على أنه النور الحقيقي، ففي اليوم الأول من أيام الخليقة: " قَالَ الله لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ" (تك 1: 3) وظهر لموسى بلهيب نار من وسط العليقة (خر 3: 2) واقتاد شعبه في الصحراء بعمود السحاب ليُظلل عليهم نهارًا وعمود النار ليُضئ لهم ليلًا (خر 14: 24) , وقال الوحي الإلهي على لسان إشعياء النبي لأورشليم: " قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ" (إش 60: 1)... " لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا" (إش 60: 19-20). اللَّه هو منبع النور الذي صرخ له داود النبي قائلًا: " اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ" (مز 27: 1). وعندما وقف يسوع يعلن: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" كان في الخزانة في الهيكل حيث المصابيح المُوقدة المصنوعة من الذهب على أربع منارات، ارتفاع كل منها نحو خمسة عشر مترًا، تُضئ المكان في اليوم الثامن من العيد فيتلألأ ضياءها ليصل إلى أرجاء المدينة. أيضًا كان في القدس عشر منارات، كل منها ذات سبعة سرج تُضئ المكان بقوة (1مل 7: 49)، فجاء قول السيد المسيح أنه نور العالم مُتناغم مع الأجواء الشاعرية المُضيئة، بينما يتذكر الشعب عمود النار الذي صاحبهم في ظُلمة البرية، وأيضًا يزدادون شوقًا للمسيا نور العالم، وإعلان يسوع عن نفسه أنه نور العالم أثار حقد وغضب الفريسيين، لأنه في الفكر اليهودي ارتبط النور باللَّه (أي 29: 3؛ مز 27: 1؛ إش 60: 19؛ مي 7: 8) وتغافل هؤلاء الفريسيون نبوءة إشعياء النبي عن المسيا: " وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ" (إش 42: 6)، النبوءة التي أدركها سمعان الشيخ وسبَّح بها عندما حمل الطفل يسوع: " نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ" (لو 2: 32).
وجاء في "الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية": " أعلن يسوع عن نفسه أنه هو نور العالم في عيد المظال العظيم... يعتبر أول طقوس هذا العيد ذا أهمية كبيرة بالنسبة لإعلان يسوع. كان يُسمى "إنارة الهيكل" وكان يُقام في ساحة النساء. كان مركز الساحة يُحاط بأقسام كبيرة من المقاعد التي تشبه مقاعد الإستاد. وفي المساحة المفتوحة للساحة كانت تُقام أربعة شمعدانات (منارات) ضخمة. عندما كان الظلام يحل، كانت الشمعدانات تُضاء، وكان الشيوخ يرقصون ويقودون الناس في ترنيم المزامير أمام الرب طوال الليل. يُقال أن التألق والتوهُّج الذي كان ينتج عن اللهب المُشتعلة للشمعدانات الضخمة كان لامعًا للغاية لدرجة أن النور كان يمكن أن يُرى عبر المدينة كلها. في هذه الخلفية نادى يسوع قائلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ"..." (245).
وهنا وجه السيد المسيح أنظار الجموع من النور المادي المؤقت للنور الإلهي المُستديم، فهو ليس لليلة واحدة ولا لألف ليلة إنما هو بطول الحياة الزمنية، ويتخطاها للحياة الأبدية. وهذا النور الإلهي ليس لشعب بعينه إنما لجميع شعوب العالم. يقول "القديس كيرلس الكبير": " ينبغي أن نلاحظ أيضًا أنه يقول أنه هو النور ليس فقط لشعب إسرائيل وحده بل للعالم كله... (ولم يقل) ببساطة أنا هو النور، ولكن حيث أنه أضاف "العالم" فأظن الآن أنه يُريد أن يشير إلى شيء... لأن اللَّه كان معروفًا في اليهودية وفي إسرائيل وحدها "اسْمُهُ عَظِيمٌ فِي إِسْرَائِيلَ" (مز 76: 1). وبقية الأرض كلها كانت تملأها ظُلمة عميقة ولم يكن أحد في العالم يملك النور الإلهي والسماوي سوى إسرائيل وحده... والمُخلِّص حينما تحدث إلى الفريسيين لم يقل باطلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" لأنه ينذر أنه سيترك إسرائيل وسوف ينقل النعمة إلى العالم كله، وسينشر شعاع المعرفة الإلهية على الآخرين" (246).
وقول السيد المسيح: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" هو إعلان عن لاهوته، فيقول "القديس كيرلس الكبير": "من هو ذاك الذي يحق له أن يقول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" سوى ذاك الذي هو الإله الواحد الوحيد بالطبيعة؟ ومَن من الأنبياء القديسين تجاسر أن يقول كلمة كهذه؟ وأي ملاك على الإطلاق نطق بمثل هذا القول؟ دعهم يقرأون كل الكتاب المُوحى به من اللَّه ويبحثوا في الكلمة المقدَّسة الإلهيَّة ويبينوا لنا هذا" (247).
2- جمع "فيلون" الفيلسوف اليهودي في القرن الأول الميلادي (20 ق.م - 50م) بين الفلسفة اليونانية والديانة اليهودية، وفي تأمله في مطلع (المزمور 27) " اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي" (مز 27: 1) قال: " بما أن اللَّه هو النور فهو يرى ذاته، وهو قادر أن يعلن عن ذاته. وبما أنه بالنور نرى النور (اقتباس من مزمور آخر) فاللَّه لا يمكن أن يُرى إلاَّ بواسطة اللَّه" (248). فظن بعض النُقَّاد أن قول السيد المسيح: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" مُقتبس من أقوال "فيلون"، ويعلق "الأب متى المسكين" على هذا قائلًا: " إن هناك خطًا فاصلًا يفصل كلام فيلو المصنَّع عن كلام إنجيل يوحنا الصادر من نبع النور، كما تفصل العين الحاذقة الوردة الصناعية عن الوردة الطبيعية الحية. فيلو يتكلم عقليًا عما استطاع أن يُدركه بالتأمُّل، وإنجيل يوحنا يتكلم اللَّه فيه عن نفسه كنور حقيقي أظهر ذاته للعالم، فاستنار، كما فتح عيني المولود أعمى فرأى نور العالم. فأية مطابقة هذه تلك التي يراها النُقَّاد بين فيلو والإنجيل؟!" (249).
ثالثًا: كيف يكون السيد المسيح هو الديان العادل (مت 25: 31-32؛ يو 5: 22؛ أع 10: 42؛ 2 تي 4: 1) ويقول: " أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" (يو 8: 15)...؟ السيد المسيح له مجيئان، المجيء الأول من أجل فداء الإنسان، وفي هذا المجيء قال: " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47) ومع ذلك فإن الذين رفضوه في مجيئه الأول كمُخلص للعالم سقطوا تحت حكم الدينونة، وهذا ما أوضحه السيد المسيح عندما قال: " لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يو 9: 39). أمَّا في مجيئه الثاني فإنه سيأتي ليُدين العالم كما هو واضح من الشواهد التي جاءت في رأس السؤال.
يقول "القديس أغسطينوس": " نحن نقول أنه سيأتي ديانًا للأحياء والأموات بينما يقول عن نفسه: " أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" (يو 8: 15). هذا السؤال يمكن أن يُحل بطريقتين إما أننا نفهم هذا التعبير "فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" بمعنى لست أدين أحدًا الآن، وذلك حسب قوله في موضع: "لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ"، غير منكرٍ هنا أنه يدين، لكنه يرجئها. أو لأنه إذ قال: "أَنْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ تَدِينُونَ" أضاف: "أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" بذات الطريقة، أي حسب الجسد"(250).
_____
(241) ترجمة الأب بيوس عفاص - سلسلة أبحاث كتابية/ 15 - الإنجيل بحسب القديس يوحنا، ص130.
(242) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح بشارة يوحنا، جـ 2، ص24، 25.
(243) شرح بشارة يوحنا، ص336.
(244) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح بشارة يوحنا، جـ2، ص27.
(245) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية جـ 5 إنجيل يوحنا، ص158.
(246) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص543، 544.
(247) المرجع السابق، ص546.
(248) أورده الأب متى المسكين - المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص388.
(249) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص388، 389.
(250) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص588.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/723.html
تقصير الرابط:
tak.la/zxpctv6