سؤال 711: كيف يكون الابن هو الله ويقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" (يو 5: 19)؟ وكيف يكون الابن هو الله كلي المعرفة بينما معرفته تزداد شيئًا فشيئًا: " لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن... وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ" (يو 5: 20)؟ وكيف يكون الله الآب الديان وهو لا يملك حق الدينونة لأنه " قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ للابن" (يو 5: 22)، وهل الدينونة للابن أم أن الابن لن يدين أحدًا (يو 12: 47)؟

ج: أولًا: كيف يكون الابن هو الله ويقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" (يو 5: 19)...؟ لا يحق للناقد أن يجتزء جزء من آية ويقتطع هذا الجزء من السياق العام، ويبني عليه برجًا من الأوهام وكأنه اكتشف أمرًا لم يكتشفه أحد خلال ألفي عام، وأنه استطاع أن يجرد الابن من لاهوته!! والأمر المدهش أن الجزء التالي في نفس العدد (يو 5: 19) تجد الرد على ادعاء الناقد، بل أيضًا الأعداد السابقة واللاحقة تُظهِر بأجلى بيان مساواة الابن للآب. فالابن يقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" (يو 5: 19). وهذا ما أدرك اليهود مغزاه، وبناءً عليه اعتبروا السيد المسيح مُجدفًا: " فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الله أَبُوهُ مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللَّـهِ" (يو 5: 18). وعبارة: " لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" تعبر عن محبة الابن الكاملة وطاعته التامة للآب، فالابن "لا يقدر" أي لا يرتضي أن يعمل شيئًا بعيدًا عن إرادة اللَّه ومسرته، وأكد على هذا المبدأ عدة مرات، فقال: " أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا" (يو 5: 30). " وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي" (يو 8: 28)، وهو لم يقصد من قوله "لا أقدر" أي الضعف وعدم الاستطاعة مثل القول: " لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا" (عب 10: 4)، ولا يعني عدم اللياقة كقول السيد المسيح: " هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ" (مت 9: 15)، ولا يعني عدم الإرادة كقول الإنجيل عن السيد المسيح: " وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً" (مر 6: 5) بسبب عدم إيمانهم. إنما المقصود هنا بقوله "لا يقدر الابن" التعبير عن الانسجام التام بين الآب والابن، فالإرادة واحدة، فيستحيل على الابن أن يفعل شيئًا ضد إرادة الآب، ويستحيل أيضًا على الآب أن يفعل شيئًا ضد إرادة الابن وإلاَّ صار اللَّه يعمل ضد ذاته وضد إرادته ومشيئته. القول هذا يشبه قول الإنجيل عن اللَّه: " لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ" (2 تي 2: 13) وأيضًا يشبه قولنا بأن اللَّه لا يقدر أن يصنع خطيئة، لأن الخطيئة نقص وأمر ردئ، وهذا ضد كماله الإلهي.
يقول "القديس كيرلس الكبير": " ينبغي ألا يعثر أحد، حينما يقول الرب تدبيريًا أنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا من ذاته، إلاَّ ما ينظر الآب يعمل. لأنه بهذا إذ قد جُعل في الهيئة كعبد وصار إنسانًا إذ قد اتخذ جسدًا لم يجعل حديثه حرًا بلا ضوابط، بل بالحري في بعض الأوقات قد تكلم تدبيريًا عن الأمور التي تليق باللَّه والإنسان معًا. لأنه في الحقيقة هو إله وإنسان في نفس الوقت... فمثلًا حين يقول إنسان أنه لا يقدر أن يحمل قطعة خشب، ربما كانت قطعة ثقيلة جدًا. فإنه إنما يسند هذا الفعل إلى ضعفه الداخلي المتأصل فيه، لكن حين يقول آخر: أنا بالطبيعة إنسان عاقل، مولود من أب عاقل بالطبيعة، ولا أقدر أن أفعل شيئًا من ذاتي لا أراه يخص طبيعة أبي، فإن كلمات "لا أقدر" تعبر عن ثبات الجوهر، وعدم قابليته للتغيُّر إلى أي شيء ... هو (الابن) لا يقدر أن يفعل ما يناقض طبيعته، بسبب كونه من ذات الطبيعة هكذا، فإن طبيعة الآب لها مشيئة التراءف، والابن إذ لا يقدر أن يكون مختلفًا عن ماهية الطبيعة الإلهية فعلًا لأن له نفس الجوهر من الآب" (160).
ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي" عن الابن: " ومعنى كلامه: إني لا أعمل شيئًا من ذات نفسي في يوم السبت ولا أصنع العجائب إلاَّ مُتبعًا ما يعمل الآب في يوم السبت عينه، فمقدرتي هيَ مقدرته... وإرادتي وإرادته واحدة... فإذًا قوله: لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئًا ما لم يرَ الآب عامله دال على وحدة الذات والفعل والقوة والإرادة في الإقنومين... ولما كان الآب قادرًا على كل شيء فإن الابن يكون بالضرورة قادرًا مثله على كل شيء" (161).
ويقول "القديس أغسطينوس": " فإن كان الابن يفعل ذات أعمال الآب، وإن كان الآب يفعل ما يفعله الابن، فالآب لا يفعل شيئًا والابن شيئًا آخر، إنما أعمال الآب والابن هيَ واحدة بعينها... أقدم لكم مثالًا أظن أنه ليس يصعب عليكم، عندما نكتب خطابات تُشكل أولًا بقلوبنا وبعد ذلك بأيدينا... القلب واليد يقومان بعمل الخطابات أتظنون أن القلب يشكل خطابات والأيدي خطابات أخرى؟ ذات الخطابات يفعلها القلب عقليًا واليد تشكلها ماديًا" (162).
فمشيئة الثالوث القدوس مشيئة واحدة، والأعمال الإلهية واحدة: " لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ هُوَ أَمَرَ فَصَارَ" (مز 33: 9). يقول "دكتور وليم إدي": "عدم القدرة المنسوب إلى الابن هنا نتيجة عدم الإرادة. وذلك كقولنا: "لا يقدر اللَّه أن يكذب" ومثله قوله: "لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَجِيءَ إِلَى هُنَاك" (تك 19: 22). ولا إشارة في هذه الآية إلى أن الابن دون الآب في الجوهر والقدرة والحكمة، بل المقصود استحالة الانفصال بين الإقنومين في الرأي وفي العمل، واستحالة استقلال الابن عن الآب... "لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" أي كل أعمال اللَّه المتنوعة يعملها الابن مثله بقدرته وكماله. هذا يوضح مساواة الابن للآب في القدرة والحكمة والمعرفة. ومن له سلطان كسلطان الآب وذراع كذراعه وصوت كصوته، لا بد أن يكون اللَّه (أي 40: 9؛ أع 10: 36؛ كو 1: 16-17)" (163).
وقول السيد المسيح: " لاَ يَقْدِرُ الابن" يشبه قوله عن الروح القدس: " لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو 16: 13-14) وهو لا يقصد إطلاقًا أن قدرة أو معرفة الروح القدس أقل مما للآب ومما للابن. وقوله "لا أقدر" يُشبه قولك لصديق عزيز لديك: "أنا لا أقدر أن أغضبك أو أثير مشاعرك، والمقصود أنني لا أرتضي أن أغضبك ولا أقبل أن أثير مشاعرك.
وإن كان النُقَّاد يتخذون هذه الآية " أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا" (يو 5: 30) للطعن في ألوهية المسيح، فبالحقيقة هيَ تؤكد ألوهيته، لأنه لو كان مجرد إنسان أو نبي فإنه يستطيع أن يطيع مشيئة الآب أو يعصاها، أمَّا لأنه ابن اللَّه الوحيد، الواحد معه في الجوهر لذلك يستحيل أن يفعل شيئًا مُخالفًا لمشيئة الآب. يقول "وليم ماكدونالد": " غالبًا ما استعان المُعلِّمون الكذبة بهذا العدد لدعم زعمهم أن يسوع المسيح لم يكن اللَّه. فقد زعموا أنه مجرد إنسان، وذلك بسبب عجزه عن عمل أي شيء من ذاته. إلاَّ أن هذا العدد يبرهن نقيض ذلك تمامًا. فباستطاعة الناس القيام بكل ما يُريدون، سواء أكان ذلك في انسجام مع إرادة اللَّه أم لا. أما الرب يسوع، فما كان باستطاعته السلوك بهذا الشكل، وذلك بسبب طبيعته المُميزة. كان ذلك مُستحيلًا عليه من الناحية الأدبية، وليس من الناحية المادية. لقد كان يملك القدرة المادية على فعل كل شيء، لكن ما كان باستطاعته القيام بأي شيء خطأ أو سيئ. بل كان غير ممكن أن يفعل أي شيء لا ينسجم مع إرادة اللَّه الآب له. لذا، فإن هذا التصريح يميزّ الرب يسوع ويفصله عن أي شخص آخر عاش، أو قد يعيش، على وجه هذه الأرض" (164).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: وكيف يكون الابن هو الله كلي المعرفة بينما معرفته تزداد شيئًا فشيئًا: " لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن... وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ" (يو 5: 20)...؟ هناك آيات كتابية تتحدث عن السيد المسيح من جهة ناسوته دون أدنى تشكيك في لاهوته، مثل الآيات التي تخبرنا بجوع يسوع وعطشه وتعبه وراحته واضطرابه وبُكائه... إلخ، بينما اللاهوت مُنزَّه عن كل هذا، ومن هذه الآيات أيضًا ما يخص الحركة والمعرفة: " وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْـدَ الله وَالنَّاسِ" (لو 2: 52). عندما كان يسوع طفلًا كان يعرف ما يعرفه الطفل، وعندما كان صبيًا كان يعرف ما يعرفه الصبي، وهكذا عندما كان شابًا وعندما صار رجلًا، فقد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها: " مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب 4: 15). " مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للَّـهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ" (عب 2: 17). والفارق بين معرفة الإنسان ومعرفة السيد المسيح أن معرفة الإنسان مُكتسبة من الخارج من الأسرة والمدرسة والمجتمع والاطلاع أما معرفة السيد المسيح فهيَ معرفة ذاتية نابعة من لاهوته: " الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو 2: 3). وقد سبق مناقشة هذا الموضوع أثناء حديثنا لعلم اليوم والساعة (مر 13: 32) والتقدم في الحكمة والقامة والنعمة (لو 2: 52) فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 6 س529، جـ 7 س561.
وعندما نتناول الآيات التي تتحدث عن السيد المسيح من جهة ناسوته لا يجب أن نغفل الآيات التي تتحدث عن لاهوته. فطبقًا لناسوته نقرأ " لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا" (يو 5: 19) ومن جهة لاهوته نستكمل الآية: " لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" (يو 5: 19). من جهة ناسوته نقرأ " لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن... وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ" (يو 5: 20). وطبقًا للاهوته نستكمل بقية الآيات " لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذلِكَ الابن أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ..." (يو 5: 21). من جهة ناسوته نقرأ " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو 14: 28) ومن جهة لاهوته: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30)... " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يو 17: 10) فكل معرفة الآب متاحة للابن: " لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ" (يو 5: 20) فالآب لا يعمل شيئًا بدون علم الابن، ومعرفة الآب وقوته وسلطانه وكمالاته لا تزيد عما للابن، ولو انتبهنا لما جاء في نفس الأصحاح الخامس لوجدنا أن الآب والابن مُتعادلان في نفس العمل (يو 5: 19) والقدرة على إقامة الموتى (يو 5: 21) والدينونة، فالآب يدين بالابن، وقد أعطى الدينونة للابن (يو 5: 22) والكرامة (يو 5: 23) والقدرة على إحياء النفوس (يو 5: 24-25) وكل منهما له الحياة في ذاته (يو 5: 26). يقول "القديس كيرلس الكبير": " أترون أيضًا في تلك الكلمات برهانًا ساطعًا على معادلته للآب. لأن من يعمل بالمساواة من جهة إقامة الموتى، كيف يمكن أن يكون أقل؟ أو كيف يكون من طبيعة أخرى وغريبًا عن الآب، وهو الذي يشع بنفس الخصائص؟ لأن القدرة على الإحياء التي في الآب كما هيَ في الابن، هيَ خاصة للجوهر الإلهي، لكن الآب أيضًا لا يُحيي بعض الناس مُنفصلًا ومن ذاته، أو أن الابن يُحيي البعض الآخر مُنفصلًا ومُنعزلًا عن الآب، إذ أن الابن له الآب في ذاته بالطبيعة، والآب يفعل كل شيء ويعمل كل شيء بالابن. ولكن طالما أن الآب لديه قوة الإحياء في طبيعته ذاتها، هكذا الابن نفسه أيضًا، ينسب قوة إقامة الموتى، وكأنها تخص كل منهما على حدة" (165).
من المستحيل أن يكون هناك تفاوت في المعرفة بن الأقانيم الثلاثة، لأن الابن والروح القدس من نفس طبيعة الآب، ونفس الجوهر الإلهي، ونفس الكيان الإلهي (يو 1: 1؛ 5: 18؛ 10: 30، 38؛ 14: 9-11). الأقانيم الثلاثة لهم مشيئة واحدة، إرادة واحدة، عمل واحد. عندما قال السيد المسيح: " لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ" (يو 5: 20) فعبارة " وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ" تصل بنا إلى نتيجة هامة وهيَ المساواة بين معرفة الآب ومعرفة الابن، وعبارة " لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ" أن مجد الابن يُستعلن لنا شيئًا فشيئًا، فعندما أقام مفلوج بركة بيت حسدا بعد 38 عامًا أظهر مجده، ولكن مجده سيظهر أكثر في إقامة لعازر بعد أربعة أيام، وفي قيامته من الموت بذاته، وفي القيامة العامة. يقول "القديس أغسطينوس": " إنه أمر أعظم جدًا أن يقوم ميت من أن يُشفى مريض. هذه أمور أعظم. لكن متى يُظهر الآب هذه الأمور للابن؟ ألا يعرفها الابن؟ المتكلم نفسه ألا يعرف كيف يُقيم الموتى؟ هل كان محتاجًا أن يتعلم كيف يُقيم الأموات إلى الحياة ذاك الذي به كان كل شيء؟ هذا الذي أوجدنا في الحياة حين كنا عدمًا، هل كان يتعلَّم كيف نقوم من الأموات؟ فماذا إذًا تعني كلماته...؟ إنه يتحدث إلينا تارة بما يليق بجلاله، ومرة أخرى بما يليق بتواضعه. هو نفسه العلي تنازل، لكي يرفعنا نحن الذين أسفل إلى العلاء" (166).
ثالثًا: كيف يكون الله الآب الديان وهو لا يملك حق الدينونة لأنه " قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ للابن" (يو 5: 22)، وهل الدينونة للابن أم أن الابن لن يدين أحدًا (يو 12: 47)؟
1- تعبير " أَعْطَى" أو " دفع" بالنسبة للآب والابن يعبّـر عن "عطاء الطبيعة"، مثلما يُعطي الأب ابنه صورته وملامحه وفصيلة دمه، وليس معنى هذا أن الأب فَقَدَ صورته أو ملامحه أو فصيلة دمه عندما أعطى ابنه، وأيضًا ليس معنى أن الابن أخذ شيئًا أنه لم يكن يملك هذا الشيء، وهذا الشيء جديد عليه، لأن الابن له الحياة في ذاته: " لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذلِكَ أَعْطَى الابن أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ" (يو 5: 26) وشهد يوحنا الحبيب قائلًا عن الابن: " فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا" (1 يو 1: 2) وشهد بولس الرسول قائلًا: " فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2: 9) وما دام الابن يملك كل ملء اللاهوت، فمن المستحيل أن ينقصه شيء ويحتاج أن يستكمله. كذلك عندما دفع الآب للابن الدينونة ليس معنى هذا أن الآب فَقَدَ سلطانه في الدينونة، لأنه هو الديان العادل، ديان كل الأرض، وهو يدين بواسطة الابن. وأكد السيد المسيح هذا عندما قال: " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يو 17: 10) فبما أن الدينونة هيَ للابن فهيَ للآب أيضًا: " وَلكِنَّ الله هُوَ الْقَاضِي هذَا يَضَعُهُ وَهذَا يَرْفَعُهُ" (مز 75: 7)... " قُمْ يَا الله دِنِ الأَرْضَ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَمْتَلِكُ كُلَّ الأُمَمِ" (مز 82: 8)... " ارْتَفِعْ يَا دَيَّانَ الأَرْضِ" (مز 94: 2) وقديمًا قال إبراهيم: " أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا" (تك 18: 25). وركز يوحنا الرسول على المحبة المُتبادلة بين الآب والابن، ولذلك ذكر تعبير "أعطى" عدة مرات (راجع يو 3: 35؛ 5: 22، 36؛ 6: 37، 39؛ 10: 29؛ 12: 49؛ 17: 2، 4) والابن لم يغتصب شيئًا ليس له: " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ الله لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا ِللَّـهِ" (في 2: 6)، وقال السيد المسيح: " كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي" (مت 11: 27) وقد تم مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س334.
والعلاقة بين الأقانيم تختلف عن العلاقة بين الأشخاص، فعندما يهب أو يعطي الوالد ابنه عقارًا من عقاراته، أصبح هذا العقار ملكًا للابن يتصرف فيه كما يشاء، ولم يعد للوالد سلطة للتصرف في هذا العقار. أمَّا العلاقة بين الأقانيم فهيَ مختلفة تمامًا، فكل أقنوم له جميع الكمالات الإلهية، باستثناء الصفات الأقنومية، فكل أقنوم ينفرد بصفته الأقنومية لا يُشاركه فيها أقنوم آخر، فالآب والد للابن وباثق للروح القدس، والابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب. تلك هيَ الصفات الأقنومية التي ينفرد بها كل أقنوم، وما عدا هذا فالأقانيم الثلاثة متساوون في كل شيء، لهم نفس القوة نفس القدرة نفس الكرامة نفس السلطان. الأقانيم الثلاثة لهم مشيئة واحدة، إرادة واحدة، يشتركون في العمل الواحد، كل شيء هو من الآب بالابن في الروح القدس: " لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ" (1 كو 8: 6).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
2- هل الدينونة للابن (يو 5: 22) أم أن الابن لن يدين أحدًا (يو 12: 47)...؟ قال السيد المسيح: " لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ للابن" (يو 5: 22)، بينما قال في موضع آخر: " وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ" (يو 12: 47) وما قاله السيد المسيح هنا ينطبق على فترة تجسده وإقامته على الأرض في مجيئه الأول، ولذلك تكملة الآية: "... لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47). أما في مجيئه الثاني فسيدين الابن الجميع (راجع مت 25: 31-32؛ مر 13: 26-27؛ أع 10: 42؛ 17: 31؛ رو 8: 34؛ 14: 10؛ 2 كو 5: 10؛ 2 تي 4: 1؛ رؤ 22: 12). وتساءل بعض النُقَّاد عمن سيُدين العالم، هل الآب (تك 18: 25؛ مز 94: 2) أم الابن (يو 5: 22) أم رجال نينوى (مت 12: 41) أم ملكة التيمن (مت 12: 42)؟ وقد سبق مناقشة هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س343.
_____
(160) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص265، 266.
(161) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد - تفسير بشارتي لوقا ويوحنا، جـ2، ص305.
(162) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص398.
(163) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص54.
(164) تفسير إنجيل يوحنا، ص421.
(165) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا، ص269.
(166) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص402.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/711.html
تقصير الرابط:
tak.la/hnp9zhc