سؤال 710: لماذا لم يذهب هذا الرجل إلى بيته مباشرة بل ذهب إلى الهيكل (يو 5: 14)؟ وهل بعد أن أقام يسوع المخلع وحذره من العودة لخطيته (يو 5: 4) يمضي هذا الرجل ويخبر اليهود أن الذي أبرأه هو يسوع (يو 5: 15)؟ وما الفرق بين عمل الآب وعمل الابن وهل هناك ازدواجية بينهما (يو 5: 17)؟

ج: أولًا: لماذا لم يذهب هذا الرجل إلى بيته مباشرة بل ذهب إلى الهيكل (يو 5: 14)؟ قال الإنجيل " بَعْدَ ذلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ" (يو 5: 14)، ولم يقل أن هذا الرجل ذهب للهيكل بعد شفائه مباشرة، فليس من المعقول أن يذهب إلى الهيكل حاملًا سريره، وهو يُدرك أن اليوم سبت. بل أنه اتجه مباشرة إلى بيته، طرح فراشه وأسرع للهيكل، ولهذا قال الإنجيل " بَعْدَ ذلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ" أي بعد شفائه وبعد ذهابه إلى بيته ليضع عنه سريره انطلق إلى الهيكل، لأنه كان مشتاق جدًا أن ينظر الهيكل بجماله وجلاله ويشتم رائحة البخور ويسمع التراتيل والتسابيح، تلك الأمور التي حُرم منها نحو أربعين عامًا. أيضًا أسرع للهيكل ليشكر اللَّه الذي منَّ عليه بهذا الشفاء في لحظة بواسطة رجل لا يعرف من هو. كذلك ذهب إلى الهيكل ليرد على الذين اتهموه بكسر السبت، التهمة التي تقوده للموت رجمًا. وفي زيارته للهيكل كانت المراحم الإلهية التي سعت إلى شفائه في انتظاره ثانية، حيث تعرَّف على من أبرأه، وقبل منه وصية جديدة: "هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يو 5: 14)، وتمر الأيام وللأسف لم يضع هذا الرجل هذه الوصية موضع الاعتبار، فقال البابا كيرلس الكبير نقلًا عن يوحنا الرسول أن هذا الرجل بعد نياحة العذراء مريم، وهم في طريقهم للقبر، تصدى هذا الرجل للموكب وأراد أن يوقف التابوت ليمنع دفنها، وإذ برئيس الملائكة الجليل ميخائيل يضربه بالسيف فيقطع يديه، ويتذكر الرجل وصية السيد المسيح، فيندم ويبكي ويستعطف الرسل الذين تضرعوا عنه، وإذ بالإله الصالح الحنون يُعيد إليه يديه.
ثانيًا: هل بعد أن أقام يسوع المخلع وحذره من العودة لخطيته (يو 5: 4) يمضي هذا الرجل ويخبر اليهود أن الذي أبرأه هو يسوع (يو 5: 15)؟
1- لم يقصد هذا الرجل أن يشي بيسوع ويوقع به الضرر ويرد الخير شرًا، إنما أراد أن يشيد به وبعمله الجليل، ويشهد له أمام الجميع ولا سيما القيادات الدينية فيرد له الجميل، فربما هؤلاء القادة يكرمون يسوع: " قال الرجل لرجال الدين عن هوية الذي شفاه، لم يفعل هذا لكي يؤذي يسوع، كان يظن أن رجال الدين الذين يجب أن يعرفوا وأنهم سوف يريدون أن يستفيدوا من معرفة شخصية يسوع"(154).
2- لم يكن هذا الرجل البسيط يدري شيئًا عن الصراع الدائر بين القيادات اليهودية والسيد المسيح، ومدى حقدهم عليه والسعي نحو الانتقام منه. بل أنه عندما وقف أمامه يسوع يُخاطبه " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ" وأبرأه لم يكن يعرف من هو ذاك الذي أبرأه.
3- اختبر هذا الرجل قوة يسوع الخارقة، فماذا يفعل له هؤلاء أو غيرهم، فأخبرهم عنه وعما صنعه معه ربما يتصالحوا معه خشية بطشه. عندما قال له اليهود " لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ. أَجَابَهُمْ إِنَّ الَّذِي أَبْرَأَنِي هُوَ قَالَ لِي احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يو 5: 10-11) فالذي أبرأني عمل عملًا إلهيًا عجيبًا، فمن المستحيل أن يأمرني بعمل يغضب اللَّه، بل كما كان قوله: " قم" قول صالح وخير وصحيح، فلا بد أن يكون قوله: " احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" أيضًا صالح وخير وصحيح، ليس خاطئًا ولا مُعيبًا ولا سيئًا. الذي أبرأني بكلمة " قم" ألا أطيع أوامره؟!! وهل من يُقيم مفلوجًا منذ 38 عامًا، يُمكن أن يُخطئ في وصية حفظ السبت؟!! عندما سألوه في المرة الأولى عمن أبرأه قال لا أعرف، ولكن بمجرد أن عرف سعى نحوهم يحمل البشارة المُفرحة أنه يسوع الذي أبرأني وأقامني وأطلقني من سجن الفراش للحرية، فما أجملها وما أجمله، أنه يسوع. لقد أراد أن يعمل ما عملته السامرية مع أهل مدينتها: " هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذا هُوَ الْمَسِيحُ" (يو 4: 29). وليس ذنب هذا الرجل أن السامريين كانوا أشرف من اليهود في قبول مُخلِّص العالم.
4- السيد المسيح لم يوصي هذا الرجل بعد أن شفاه أن لا يخبر أحد بما فعل اللَّه معه، ولذلك لا يُحسب هذا الرجل أنه كسر وصية يسوع أو أخلَّ بها.
5- ربما أراد هذا الرجل أن يدفع عن نفسه تهمة كسر السبت التي قد تقوده للإعدام رجمًا، بينما يرى في يسوع الإنسان القوي النبي الذي يمكن أن يُبرئ عن نفسه هذه التهمة. حضَّ القانون اليهودي على تقديس يوم السبت، حتى أنه نصَّ صراحة على: " إن قام إنسان بحمل أي شيء في مكان عام (يوم سبت) إلى بيت خاص عمدًا، وعن قصد مؤكد، فعقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت" (155).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: ما الفرق بين عمل الآب وعمل الابن، وهل هناك أزدواجية بينهما (يو 5: 17)؟
1- عندما أراد اليهود أن ينتقموا من السيد المسيح بحجة أنه يكسر السبت ويستحق الموت رجمًا: " فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ أَبِي يَعْمَلُ حَتّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو 5: 17) فهم يرفضون أعمال الرحمة والخير والشفاء في السبوت، أمَّا هو فقد أصرَّ على موقفه، ومن يستطيع أن يمنع اللَّه من العمل في أي وقت وفي كل وقت؟! وما دام الآب يعمل فلا بد وحتمًا أن يعمل معه الابن والروح القدس، فكل عمل هو من الآب بالابن في الروح القدس. كل عمل من الآب: " لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ" (1 كو 8: 6) فكل عمل من الآب بالابن: " كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو 1: 3). الآب خلق العالم، والابن خلق العالم، والروح القدس خلق العالم، وهو عالم واحد لا أكثر، يقول "القديس أغسطينوس": " ما يعمله الآب هذا أيضًا يعمله الابن صنع الآب العالم، وصنع الابن العالم، وصنع الروح القدس العالم. لو أنهم ثلاثة آلهة لوجدت ثلاثة عوالم. إذ هم إله واحد الآب والابن والروح القدس، إذًا عالم واحد خلقه الآب بالابن في الروح القدس. بالتبعية فإن الابن يعمل ما يفعله الآب، ولا يعمل بطريقة مختلفة" (156), وإن كان اللَّه كفَّ عن أعمال الخلق فإنه ما زال يعمل في ضبط الخليقة والحفظ فإن اللَّه لا يكف عن أعمال الرعاية والحفظ والتدبير يوم السبت، وقال الفيلسوف اليهودي "فيلو": " إن اللَّه لا يكف عن العمل وكما أن النار لا تكف عن الاحتراق طالما تهيأت لها الوسائل المناسبة، وكما أن الجليد لا ينقطع عن التبريد، طالما كان جليدًا، هكذا طبيعة اللَّه أن يعمل، ولا يكف عن العمل. أن اللَّه يعمل على الدوام"(157). وقال آخر: " إن اللَّه لا ينقطع عن العمل. فالشمس تشرق وتغرب. والأنهار تجري وتجري على الدوام... والولادة والموت يحدثان في السبت، كما في أي يوم آخر، وهذه كلها من أعمال اللَّه" (158). إذًا الثالوث القدوس يعمل العمل الواحد، فمثلًا في الخلقة أراد الآب أن يخلق، فخلق كل شيء بالابن، ووهب الحياة بالروح القدس، وفي التجسد أرسل الآب الابن، والابن تجسَّد، والروح القدس هيئ الجسد المقدَّس للابن، وفي الفداء الآب بذل الابن، والابن قدم ذاته ذبيحة حية، والروح القدس ينقل لنا استحقاقات الفداء.
2- عندما قال السيد المسيح: " أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" ليس هناك ازدواجية بين عمل الآب وعمل الابن، لأن العمل واحد وليس عملين متنافسين، بل عمل واحد يُشارك فيه الآب والابن والروح القدس. اللَّه بعدما خلق الخليقة ووضع لها النواميس الطبيعة التي تحكمها لم يهملها ولم يتركها كما يقول أصحاب مذهب التأليه الطبيعي، إنما ما زال حاضرًا في خليقته يسوسها ويدبِّر كل شئونها ويضبط كل صغيرة وكبيرة فيها، فليس شيء واحد يخرج عن دائرة الضبط الإلهي. هو المسؤول عن قيام الخليقة ودوامها وهو المسؤول عن فدائها وخلاصها.
3- لئلا يظن أحد أن الابن مجرد أداة في يد الآب يعمل بها، أكد السيد المسيح على مساواته مع الآب، فأوضح:
أ- تعادله في العمل مع الآب: " مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ (الاب) فَهذَا يَعْمَلُهُ الابن كَذلِكَ" (يو 5: 19)، وقوله " مَهْمَا" تنطبق على العالم المنظور والعالم غير المنظور، ما يُرى وما لا يُرى.
ب- الابن موضع مسرة الآب: " لاَ يَقْدِرُ الابن أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ" (يو 5: 19)... " الآبَ يُحِبُّ الابن وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالًا أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ" (يو 5: 20).
جـ- الابن يمنح الحياة مثل الآب: " كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذلِكَ الابن أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو 5: 21؛ أيضًا؛ يو 5: 25) واليهود يعلمون جيدًا أن الذي يُقيم ويحيي الأموات هو اللَّه وحده: " أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي" (تث 32: 39) (راجع 1 صم 2: 6؛ 2 مل 5: 7؛ مز 68: 20) وفي صلاة البركة الثانية من البركات الثماني عشرة جاء: " أنت أيها الرب المُقتدر إلى الأبد أنت الذي تحيي الموتى. وأنت القوي للخلاص. أنت الذي تسند الأحياء برحمتك، وأنت الذي بحنانك العظيم تُقيم الموتى وتحييهم. أنت الذي تصنع الصلاح من نحو الراقدين في التراب. أنت صادق في وعدك بقيامة الأموات. مبارك أنت أيها الرب يا من تُقيم الأموات" (159).
د- الآب أعطى الدينونة للابن: " الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ للابن" (يو 5: 22).
هـ- الابن يهب الحياة الأبدية: " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يو 5: 24).
و- الابن له حياة في ذاته مثل الآب تمامًا: " لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذلِكَ أَعْطَى الابن أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ" (يو 5: 26). فالآب والابن لهما نفس الطبيعة الإلهية الحية، والحياة من صميم الطبيعة الإلهية، صفة ذاتية وليست مكتسبة. قال السيد المسيح: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاة" (يو 11: 25).
ز- الابن يعادل الآب في الكرامة: " لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابن كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابن لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَه" (يو 5: 23).
ولاحظ أن السيد المسيح في حديثه عن مساواته مع الآب، ذكر كلمة "الابن" في الآيات الثمانية (يو 5: 19-26) ثمان مرات، بينما لم يذكرها في بقية الإنجيل كله سوى عشر مرات في مواضع متفرقة (راجع الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا جـ 1 ص346).
_____
(154) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، جـ 5، إنجيل يوحنا، ص95.
(155) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ1، ص275.
(156) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص395.
(157) ترجمة د. عزت زكي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ1، ص276.
(158) المرجع السابق، ص276.
(159) أورده الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ1، ص352.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/710.html
تقصير الرابط:
tak.la/x59h3bd