St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 529- ما دام السيد المسيح هو الله العالِم بكل شيء وقال له التلاميذ: "اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ" (يو 16: 30)، وقال لـه بطرس: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ" (يو 21: 17) فكيف يقول لا يعلم نهاية الأيام (مر 13: 32)؟ وفي مثل الإنسان المسافر هل أوصى السيد المسيح البواب بالسهر (مر 13: 34)، أم أنه أوصى العبد الأمين الحكيم (مت 24: 45، 46)؟

 

س529: ما دام السيد المسيح هو الله العالِم بكل شيء وقال له التلاميذ: "اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ" (يو 16: 30)، وقال لـه بطرس: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ" (يو 21: 17) فكيف يقول لا يعلم نهاية الأيام (مر 13: 32)؟ وفي مثل الإنسان المسافر هل أوصى السيد المسيح البواب بالسهر (مر 13: 34)، أم أنه أوصى العبد الأمين الحكيم (مت 24: 45، 46)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- هل السيد المسيح كان يعلم نهاية العالم (يو 6: 30، 21: 17) أم أنه لم يكن يعلم (مر 13: 32)؟.. سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س406. ونؤكد أنه هناك رأيان في تفسير هذا الأمر:

الرأي الأول: أن السيد المسيح يعلم هذا اليوم وتلك الساعة بلاهوته، ويجهلها بناسوته: فالسيد المسيح هو ابن الله، صورة الله (في 2: 6) منذ الأزل، الذي إتخذ صورة العبد، و" الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ" (يو 15: 15)، فعندما ارتضى أن يأخذ شكل العبد، ارتضى بالتبعية أن يجهل ميعاد مجيئه، مثلما قال: " فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ" (يو 12: 50).. " لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ" (يو 17: 8)، بمقتضى لاهوته هو عالِم بكل شيء، وبمقتضى ناسوته ليس كذلك، وفي هذا إن كنا نميز بين الطبيعتين لكننا لا نفصل بين الطبيعتين، فعندما قال السيد المسيح عن نفسه أنه لا يعلم، فأكد ناسوته وطبيعته البشرية من جانب، ومن جانب آخر ليحفزنا على انتظار تلك الساعة في سهر ويقظة، ولم يسجل القديس مرقس هذه المعلومة لإثارة الجدل، إنما لتحفيزنا على الاستعداد لتلك الساعة دون السعي لمعرفة الأوقات التي جعلها الله في سلطانه: " لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أع 1: 7).

وجاء في "التفسير المسيحي القديم": " لقد اتخذ الابن طبيعتنا الإنسانية وشاركنا إياها، لذلك فأنه يقاسمنا محدوديتنا الإنسانية بعدم رؤية المستقبل (أثناسيوس) فعدم المعرفة يُنسب إلى إنسانية الرب المتجسد لا إلى ألوهيته (غريغوريوس النزينزي). ليس من العيب في ناسوت ابن الله أن لا يعرف الساعة الأخيرة التي لم يكن قد حان الوقت لأن يتكلم عليها أو أنها لم تكن جزءًا من التدبير الإلهي (هيلاريون أسقف بواتيه). كان يسوع يعرف ساعة الدينونة في طبيعة لاهوته، لا في طبيعة ناسوته (غريغوريوس الكبير)" (462).

ويقول "القديس أثناسيوس الرسولي": " لما سأله تلاميذه عن النهاية أجاب "تلك الساعة لا يعرفها ولا الابن" (مر 13: 32) جسديًّا، بسبب الجسد الإنساني، قال هذا ليظهر أنه كإنسان لا يعرف، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان، ولكن بما أنه هو الكلمة فأنه هو الآتي وهو الديان، وهو العريس، فهو يعرف متى وفي أي ساعة سيأتي.. لأنه لما صار إنسانًا جاع وعطش وتألم مع كل الكائنات البشرية، وعلى هذا النحو فهو كإنسان لا يعرف، لكنه، لاهوتيًا، بكونه كلمة الآب وحكمته، يعرف كل شيء، وليس هناك شيء لا يعرفه (الكلمات الأربعة ضد الأريوسيين 3: 46)" (463).

ويقول " دكتور وليم إدي ": " لم يذكر هذه العبارة سوى مرقس الرسول وفيها سر عظيم هو حقيقة التجسد الإلهي. فمن يسلّمون بحقيقة إتحاد طبيعة المسيح البشرية بطبيعته الإلهية لا يرون ما يعثرهم. فهو كقول لوقا: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ الله وَالنَّاسِ" (لو 2: 52). وأنه كان يتعجب (مت 8: 10) وأنه بكى وجاع ونام، وتعلّم الطاعة (عب 5: 8) وتجرَّب (مت 4: 1 - 11). فتلك كغيرها مما ذكرنا تبرهن أن للمسيح طبيعتين، أي أنه إنسان تام كما أنه إله تام، وهو تارة يتكلم باعتبار كونه إنسانًا كما تكلم عند موت لعازر بقوله: "أَيْنَ وَضَعْتُمُوه" (يو 11: 34) وطورًا باعتبار كونه الله كما تكلم" (464).

الرأي الثاني: أن السيد المسيح يعلم العلم غير المُباح التصريح به: فالسيد المسيح هو العالِم بكل شيء ولا يخفى عليه شيئًا حتى أنه يعرف الأفكار، ويعرف بموت لعازر وهو بعيد عنه، ويعرف السمكة التي سيصطادها بطرس وأنه في فمها أستارًا، فهو الذي جبل الكون فكيف لا يعرف نهايته؟! والذي ذكر علامات مجيئه ليدين العالم كيف يجهل ساعة مجيئه؟!، الذي أخبرنا أنه سيأتي فجأة مثلما جاء الطوفان فجأة، ومثلما هلكت سدوم وعمورة في ساعة غير متوقعة، وقد أوصانا قائلًا: " اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ أَمَسَاءً أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ أَمْ صَبَاحًا. لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا" (مر 13: 35 - 36)، وأعطانا مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، ومثل الوكيل الذي ائتمنه سيده على ممتلكاته، وأنه سيأتي مثل البرق (مت 24: 27) ومثل اللص (مت 24: 43) ومثل الفخ (لو 21: 35) وقال: " لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ الله بِمُرَاقَبَةٍ" (لو 17: 20). فالسيد المسيح يعرف ساعة مجيئه ونهاية العالم ولكنه لم يشأ أن يصرح بها لفائدة البشرية، لأنه لو أخبر بميعاد مجيئه وكان قريبًا لأرتبك الناس، كما حدث في كنيسة تسالونيكي عندما ظنوا أن المسيح على الأبواب فتركوا أعمالهم، لأنهم أساءوا فهم حديث بولس الرسول لهم في رسالته الأولى بسبب حديثه عن المجيء الثاني عدة مرات، فشرح بولس الرسول لهم الأمر في الرسالة الثانية، حتى أنه قال لهم من لا يعمل لا يأكل، ولو حدد ميعادًا بعيدًا لمجيئه لتكاسل الناس في فعل الصلاح ولأستباح الأشرار فعل الشرور.

ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي" مطران مدينة أمد وهو من عظماء الكنيسة السريانية في القرن الثاني عشر: "ولو قال أني أعلم لتشبَّه بأبيه فقط، لكنه قال لا أعلم متشبهًا بنا نحن البشر، ولئلا يقول الضالون أنه لم يصر إنسانًا.. قد قال الابن: "كما أن الآب يعرف الابن هكذا الابن يعرف الآب"، فإذا كان يعرف الآب مثلما الآب يعرفه، فكيف تُخفى عنه معرفة ذلك اليوم؟!. وإذا كان الآب يعرف ذلك اليوم فالابن أيضًا يعرفه لأن معرفة الآب والابن والروح القدس واحدة، كما أن إرادتهم وطبعهم وقوتهم واحدة. والابن نفسه هو الخالق للعوالم والأزمنة والأشهر والسنين لأن النبي قال: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ" (مز 33: 6). فإذًا يعرف ذلك اليوم حقيقة. لأنه كيف يعلم الآيات التي ستحدث يوم مجيئه إذ قال: "في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يُعطي ضوءه وتتساقط كواكب السماء.." واليوم نفسه لا يعرفه؟!. وكيف يعلم الرجل الأمر الجاري في المدينة أو السفينة ولا يعلم المدينة نفسها؟!. ثم نقول كما أنه يعرف يوم مولده في بيت لحم هكذا يعلم يوم مجيئه الأخير.

وقد قال بولس الرسول أن المسيح قوة وحكمة الآب، فبقوله أنه قوته أعلن أن لا شيئًا خارج عن حكمته وعنايته.. فإذًا يعرف ذلك اليوم لكنه قال: "لا أعلم" ليمنع التلاميذ من أن يسألوه لأنه لا تنفعهم معرفة ذلك اليوم ولا للذين بعدهم لئلا يتكاسلوا في عمل الفضيلة. وذلك واضح من قوله "اسهروا وصلوا ".. ولو قال المسيح إني أعلم ولن أقل لكم لظنوه حسودًا وشريرًا، ولو أعلمهم بها لاعتراهم الكسل والتهاون" (465).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

ويقول "الأسقف إيسذورس": "وأما قوله أنه لا يعرف تلك الساعة فمصروف ومحمول على أنه لا يعرفها لكي يشهرها ويبوح بها للناس الذين لا يجنون من معرفتها إلاَّ الخسارة وإضطراب الأفكار. أي لا يعرفها لهذه الغاية بل يعرفها معرفة مطلقة وغير مقيدة بقصد الإشهار بها.. أن السيد قال أنه لا يعرف الساعة ساعة القيامة عرف كل الظروف والأحوال والقرائن التي تتقدمها وتلازمها وتليها" (466).

ويقول "دكتور موريس تاوضروس": " دائمًا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا يصرح بهما الابن. فالسيد المسيح يعرف - كما الآب - ذلك اليوم وتلك الساعة ولكنه لا يصرح بهذه المعرفة" (467).

وكما أخفى الله عن كل إنسان ساعة انتقاله، هكـذا أخفى ساعة مجيئه عنا، فيقول "البابا أثناسيوس الرسولي": " أن نهاية كل منا قد حجبها الكلمة عنا. ففي نهاية كل شيء تكون نهاية كل منا، وفي نهاية كل منا تكون نهاية كل شيء. يكون ذلك الوقت مجهولًا، لكنه مرتقب دائمًا، فيرتقب يومًا فيومًا وكأننا دعينا إلى ذلك، فنجاهـد إلى الأمام وننسى ما وراءنا (في 3: 13).. ولهذا قـال المخلـص: "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ" (مت 25: 23، مر 13: 33)" (أربع كلمات ضد الأريوسيين 30: 49)" (468).

 

2- في مثل الإنسان المسافر هـل أوصى السيد المسيح البواب بالسهر (مر 13: 34)، أم أنه أوصى العبد الأمين الحكيم (مت 24: 45 - 46)؟.. لقد أوصى المسيح البواب، كما أنه تحدث عن الوكيل الأمين، فذكر مرقس الرسول مثل الإنسان المسافر وتوصية البواب بالسهر: " كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ مُسَافِرٌ تَرَكَ بَيْتَهُ وَأَعْطَى عَبِيدَهُ السُّلْطَانَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ وَأَوْصَى الْبَوَّابَ أَنْ يَسْهَرَ" (مر 13: 34)، بينما القديس متى لم يذكر مَثل الإنسان المسافر، ولكن الأمر مفهوم ضمنًا إذ تحدث السيد المسيح عن عودة السيد وتطويبه للعبد الأمين: " فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ. طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا" (مت 24: 45 - 46) فنجد أن القديس مرقس ركز على جانب وهو السهر حتى أن السيد المسيح ذكر وصية " اسهروا" ثلاث مرات (مر 13: 33، 35، 37) وثلاثة هو عدد الكمال، بينما ركز متى الإنجيلي على الأمانة والحكمة في الوكالة. ويقول "أحد الفضلاء": " في هـذا المَثل (في إنجيل مرقس) نجد أن الشخص الرئيسي هو أقل العبيد الذي هو البواب المفروض أن يسهر، بينما في إنجيل متى نجده وكيلًا مسئولًا عن البيت. وواضح أن الأمثلة متميزة، فمتى البشير اختار الوكيل لأن الشيء الرئيسي في نظره هو الأمانة.. اختار مرقس البشير البواب لأن اليقظة الأمينة أهم شيء في نظره. وقد يكون أن متى البشير قد تأثر في اختياره بصورة رئيس الكهنة اليهودي، وتأثر مرقس بصورة البواب الذي يحرس منزل أحد نبلاء الرومان" (469).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/529.html