St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

675- ما هو مفهوم "الكلمة" (يو 1: 1) لدى يوحنا الإنجيلي؟ ومن أعلم يوحنا بأزلية اللوغوس؟ وكيف أجاب يوحنا في آية واحدة (يو 1: 1) على ثلاث أسئلة غاية في الأهمية، متى كان الكلمة؟ وأين كان؟ ومن هو الكلمة؟ وهل مصطلح "اللوغوس" كان شائعاً بين اليونانيين، فاستغله يوحنا لنشر المسيحية؟

 

سؤال 675: ما هو مفهوم "الكلمة" (يو 1: 1) لدى يوحنا الإنجيلي؟ ومن أعلم يوحنا بأزلية اللوغوس؟ وكيف أجاب يوحنا في آية واحدة (يو 1: 1) على ثلاث أسئلة غاية في الأهمية، متى كان الكلمة؟ وأين كان؟ ومن هو الكلمة؟ وهل مصطلح "اللوغوس" كان شائعًا بين اليونانيين، فاستغله يوحنا لنشر المسيحية؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: مفهوم "الكلمة" (يو 1: 1) لدى يوحنا الإنجيلي: كتب يوحنا الحبيب إنجيله مع نهاية القرن الأول الميلادي باللغة اليونانية، وهناك ثلاثة معاني في اللغة اليونانية تعبر عن "الكلمة"، وهيَ:

1- ἔπος "إيبوس" Epos: وهيَ الكلمة المنطوقة التي يتفوَّه بها الشخص فهيَ تعبر عن كلام الشخص وأقواله.

2- ῥῆμα "ريما Rhema: وهيَ تعبير عن الكلمة بحسب الحروف التي تُكتب بها، فمثلًا كلمة "يوسف" تتكون في اللغة العربية من أربعة حروف، وهيَ "الياء"، و"الواو" و"السين" و"الفاء".

3- λόγος "لوغوس" Logos: وهيَ تعبر عن الفكر أو العقل أو النطق، فاللوغوس في الثالوث القدوس هو عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل. وهذا المعنى هو الذي قصده يوحنا الرسول للتعبير عن شخص "أقنوم الكلمة"، وليس الكلمة المنطوقة، لذلك جاء اللفظ في اللغة العربية في صيغة المذكر، فقال "كان الكلمة" ولم يقل: كانت الكلمة. وأيضًا ذكر "الكلمة" ثلاث مرات معرفة (بالألف واللام) لأنه لو ذكرها في صيغة النكرة وقال: كان كلمة، لاحتسبت "كلمة" ضمن كلمات عديدة، فكونه يذكرها ثلاث مرات معرفة، فهو بلا شك يقصد شخص أقنوم الكلمة، ولا يقصد كلمة منطوقة، فالكلمة هنا في المفهوم الإنجيلي شخص وليست فكرة تجريدية. يقول "البابا تاوضروس الثاني": " والكلمة في الإنجيل ليس لفظ، وليست فكرة تجريدية، وإنما هو شخص، تُكتب والحرف الأول منها كبيرًا Capital أي "Word " تمييزًا لها عن لفظ الكلمة المقروءة والمسموعة" (10).

ويقول "يوسف درة الحداد": " فاستخدم يوحنا التعبير استخدامًا مُطلقًا، مجرَّدًا من كل معانيه الفلسفية والغنوسية والكلامية اليهودية، وفي هذا إعجازه المُطلَّق، ورفعه على ضوء الإنجيل الأورشليمي (إنجيل يوحنا) الخصوصي، وعلى ضوء الكتاب كما فهمه (يوحنا) بروح الله، في "كلمة الله" الأزلي... فعلى ضوء الكتاب والإنجيل استخدم يوحنا تعبير "الكلمة" الهليني الذي كان شائعًا في مدرسته بأفسس، لتفسير بنوة المسيح الروحية في الله الذي "هو روح" (يو 4: 14)، فالمسيح "ابن الله" هو نطقه الذاتي، بولادة روحية، عقلية، نطقية في ذات الله، فوق الحس والمخلوق، في كامل التنزيه والتجريد في التوحيد. و"كلمة الله" الذاتي هو الذي تأنس في يسوع المسيح: "والْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" (يو 1: 14)" (11).

ويقول "القس رضا عدلي": " إن " الكلمة " في الفكر العبراني ليست حروفًا وكلمات. والكلمة لا تأخذ جلالها من جمالها... كلا. الكلمة تأخذ قوتها وسلطانها من شخص قائلها، فحينما: " قال الله "في بداية الخلق: "قال فكان". وهكذا خرجت الخليقة بكل ما فيها (تك 1؛ مز 33: 6). إن كلمة الله لا بد أن تعمل عملها وتنجح (إش 55: 11) إن كلمته كنار تحطم الصخر (إر 23: 29)... إن العلاقة وثيقة بين الله وكلمته، فهل يمكن للَّه أن: "يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي" (عد 23: 19). وعلى هذا الأساس فإن العلماء الذين ترجموا العهد القديم من العبرانية إلى اليونانية ترجموا التعبيرات التي تدل على ذات الله بـ"كلمة الله". أن يوحنا في بشارته يريد القول أن يسوع المسيح هو ذات الله. إنه كلمة الله. وبالإضافة إلى ما سبق فإن الكلمة λόγος "لوجوس" في اللغة اليونانية -التي كُتب العهد الجديد بها- كانت تعني "الفكر" و"العقل" وعليه فإن البشير يوحنا حين استخدمها كان يكشف النقاب عن أن المسيح هو العقل والفكر الإلهي الأزلي. نعم أن يسوع المسيح هو كلمة الله، أنه الله بسلطانه وشخصه وفكره. أن المسيح في كلمة واحدة هو "ذات" الله. لذا لا غرابة إن قال المسيح: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) و" اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ " (يو 14: 9)" (12).

عندما ترد لفظة "الكلمة" في الأسفار المقدَّسة بالمؤنث فيكون القصد منها الكلمة المنطوقة أو المسموعة أو المكتوبة، مثل قول إشعياء النبي: " يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (إش 40: 8)، وقول بولس الرسول: " لأَنَّ كَلِمَةَ الله حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ وَخَارِقَةٌ... وَمُمَيِّزَةٌ" (عب 4: 12) (راجع مت 4: 4؛ أع 20: 32؛ تي 2: 15)، فالكلمة المنطوقة هيَ أصلًا فكرة تجسَّدت في شكل حروف فنُطقت وسُمعت وكُتبت. أما عندما يرد لفظ "الكلمة" في الأسفار المقدَّسة في صيغة المذكر فيكون القصد شخص اللوغوس أقنوم الكلمة كقول المُرنم: " بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز 33: 6)، وقول القديس لوقا: " الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ" (لو 1: 2)، وكقول يوحنا الحبيب: " فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ وَالْكَلِمَةُ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ" (1 يو 5: 7) وجاء في سفر الرؤيا: " وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ وَيُدْعَى اسْمُهُ كَلِمَةَ الله" (رؤ 19: 13)، وهو يُطابق ما جاء في (يو 1: 1) بيت القصيد.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: من أعلم يوحنا أزلية λόγος اللوغوس؟: يوحنا كيهودي أصيل مُتمكن من الأسفار المقدَّسة يدرك النبوءات التي أشارت إلى أزلية اللوغوس، مثل:

† " مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ... لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ... " (أم 8: 22-31).

" وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (مي 5: 2)... إلخ.

 ويوحنا التلميذ الذي كان يسوع يحبه، وكان يتكئ على صدر مُعلِّمه، وصاحب سفر الرؤيا لا بد أنه سمع السيد المسيح يشير إلى أزليته.

" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوع أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ" (يو 8: 25).

" أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ" (رؤ 21: 6).

وبالعقل ما دام λόγος اللوغوس هو كلمة الآب، فمن المستحيل أن يكون غير أزلي، لأنه يستحيل أن نتصوَّر الله الآب بدون كلمته، فالقول بعدم أزلية أقنوم الكلمة يعني أنه مرَّ وقت كان فيه الله الآب بدون عقل، وهذا أمر مستحيل، فمن المنطقي القول بأن عقل الله أزلي بأزلية الله الآب.

(راجع كتابنا: أسئلة حول الوهية المسيح س6).

 

ثالثًا: كيف أجاب يوحنا في آية واحدة (يو 1: 1) على ثلاثة أسئلة؟: لقد قدم لنا روح الله القدوس على لسان يوحنا الرسول الإجابة عن ثلاثة أسئلة غاية في الأهمية خلال آية واحدة، ضمت ثلاث عبارات قصيرة، وهذه الأسئلة هيَ:

1- متى كان الكلمة...؟ " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1) فأقنوم الكلمة "اللوغوس" كائن منذ البدء، البدء الذي لم يسبقه بدء على الإطلاق، قبل كل الدهور، منذ الأزل الذي لا بداية له، وكائن إلى الأبد الذي لا نهاية له.

2- أين كان الكلمة...؟ " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ" (يو 1: 1) كان أقنوم الكلمة عند اللَّه، أو نحو اللَّه، أو " فِي حِضْنِ الآبِ" (يو 1: 18)، ولنا عودة لهذه الجزئية.

3- من هو الكلمة...؟ " وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله" (يو 1: 1). أقنوم الكلمة ليس غريبًا عن اللَّه الآب، بل هو واحد مع الآب في ذات الجوهر الإلهي، ذات الكيان الإلهي، ذات الطبيعة الإلهية، ولنا عودة لهذه الجزئية.

هذه الآية الواحدة (يو 1: 1) ترد على جميع البدع والهرطقات التي طعنت في عقيدة الثالوث القدوس مثل بدعة سابليوس الذي أنكر الثالوث القدوس مدَّعيًا أن اللَّه أقنوم واحد، وترد أيضًا على البدع والهرطقات التي شكَّكت في ألوهية السيد المسيح وأزليته، مثلما قال "أريوس": " إن الابن ليس مساويًا للآب في الأزلية، وليس من جوهره، وقد كان الآب في الأصل وحيدًا، فأخرج الابن من العدم بإرادته، والآب لا يمكن أن يراه أو يكيفه أحد، ولا حتى الابن. لأن الذي له بداية لا يعرف الأزلي، والابن إله لحصوله على لاهوت مكتسب" (13).

وفي رد "القديس كيرلس الكبير" على هذا الفكر الأريوسي يقول: " لأنكم تجاسرتم أيها السادة (الأريوسيون) على أن تقولوا أن الابن أقل في بعض الأمور من الآب، فما هيَ هذه الأمور؟ هل الأزلية أحد هذه الأمور؟ فلست أظن أن أحد يصل به الغباء إلى القول أن الابن أقل أزلية من الآب، فالابن قبل كل الدهور وهو خالق كل الدهور. فالذي صنع الأزلية لا ينطبق عليه مقياس الزمان، ولا يمكن أن نحدد زمان ولادته من الآب، وليس الابن أقل من الآب حجمًا لأن الطبيعة الإلهية تعلو على مقاييس الأحجام والأجسام، فكيف هو أقل؟ أفي المجد كما يظن البعض؟! أم في القوة؟! أم في الحكمة؟! عليهم أن يقولوا لنا بدقة كيف أن الآب أعظم...؟ إن كان الآب يفوق كل المقاييس المقبولة لدى العقل، فمن أين جاءت الجسارة للأريوسيين على مقارنة الآب بالابن، والإدعاء بأن الابن أقل من الآب، وإنكار كرامته الإلهيَّة التي له بالطبيعة؟ لأن المقارنة بين عظيم وأقل منه في العظمة يمكن برهنتها وإثباتها إذا وضعناها معًا، ولكن حيث أن كرامة ومجد الآب تفوق الإدراك، فبأي مقاييس يمكن إتمام المقارنة؟ في هذه الحالة بالذات يسقط الإدعاء أن الابن أقل من الآب" (14).

أيضًا هذه الآية ترد على الذين يظنون أن بداية السيد المسيح منذ ولادته من العذراء مريم كقول "د. محمد علي زهران": " إن "الكلمة" بمعنى "الإله يسوع المتجسد" كائن حادث (أي له بداية) لأن المسيح موجود بعد إن لم يكن موجودًا، لأنه مولود من مريم أمه" (15). فقد ركز مثل هؤلاء النُقَّاد على الميلاد الزمني للسيد المسيح من العذراء مريم، وصرفوا النظر عن الميلاد الأزلي للسيد المسيح الكلمة من الآب قبل كل الدهور كقولنا في قانون الإيمان " نور من نور إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر"... أن الآية الأولى التي نطق بها يوحنا الحبيب ترد على كل هذه البدع والهرطقات وغيرها، ما ظهر منها قبل تدوين هذه الآية، وما ظهر بعد تدوينها.

 

رابعًا: هل مصطلح "اللوغوس" كان شائعًا بين اليونانيين، فاستغله يوحنا لنشر المسيحية؟ ... سبق دراسة هذا الموضوع بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - العهد الجديد - جـ8 الباب الثالث.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(10) مفتاح العهد الجديد جـ 1 - البشائر الأربعة، ص273.

(11) صوفية المسيحية 1- الإنجيل بحسب يوحنا، ص333، 334.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/675.html

تقصير الرابط:
tak.la/rcx8mf6