سؤال 674: هل قال يوحنا الإنجيلي " فِي الْبَدْءِ " (يو 1: 1) ولم يقل: "في الأول" عن قصد معين؟ وهل "البدء" الذي تكلم عنه يوحنا (يو 1: 1) هو "البدء" الذي ذكره موسى النبي (تك 1: 1)؟ ولماذا قال: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1) ولم يقل: في البدء كان الآب أو كان الابن؟ ولماذا دعى يوحنا الأقنوم الثاني بالكلمة؟

ج: أولًا: قال يوحنا " فِي الْبَدْءِ" ولم يقل: "في الأول": لأن "الأول" يتبعه "ثانٍ" وربما "ثالث" أو أكثر، بينما "البدء" لا يحتاج إلى ثانٍ. يقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي": " ولماذا قال "في البدء" ولم يقل "في الأول"؟ أجيب أن كلمة البدء سابقة للفظ الأول، وأيضًا الأول له ثانٍ، وإن كان للأول وجود فلا بد من وجود ثانٍ. أما "البدء" فهو موجود ويكون موجودًا ولا يحتاج إلى آخر يأتي بعده، ولزيادة الإيضاح نذكر هذا المثل: إذا وضع رجل حجرًا في البناء سُمي هذا الحجر رئيسيًا، وأن وضع حجرًا آخر دعوناه حجرًا ثانيًا، ومن هذا القبيل يُقال يوم الأحد أنه الأول من أيام الأسبوع. ثم بدء هذا العالم هو أوله أو الساعة الأولى التي خُلق فيها وما قبلها لا يُدعى زمنًا لكن ما بعدها" (5). ويقول "القديس كيرلس الكبير": " لا يوجد شيء ما يسبق البدء. إذا ظل البدء بالحق بدءًا، لأن بدء البدء مستحيل، وإذا تصوَّرنا أن شيئًا ما سبق البدء، فإن اللغة الإنسانية سوف لا تمكننا من الكلام لأن ما سبق البدء هو البدء المُطلق والحقيقي ويصبح ما بعد ذلك ليس بدءًا بالمرة ... وحيث أننا مهما عدنا إلى الوراء فإننا نعجز عن الوصول إلى البدء مهما حاولنا، فإن هذا يعني أن الابن لم يُخلق بالمرة، بل هو كائن مع الآب لأنه "كان في البدء"(6).
ثانيًا: بدء يوحنا (يو 1: 1) وبدء التكوين (تك 1: 1): قال موسى النبي: " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك 1: 1). فهو يقصد بدء الخليقة، سواء الخليقة المنظورة أو غير المنظورة، ما يُرى وما لا يُرى، سواء الخلائق الأرضية أو الخلائق السمائية. يقصد موسى النبي اللحظة التي بدأ فيها الله عملية الخلق المادية، لحظة كانت " الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ الله يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَقَالَ الله لِيَكُنْ نُورٌ" (تك 1: 2-3). هنا بدء تأسيس السماوات والأرض: " وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ" (عب 1: 10)، وهنا بدء خلقة الإنسان: " الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى" (مت 19: 4). أما يوحنا الرسول عندما قال: " 1فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يو 1: 1) فإنه يتكلم عن الوجود المُطلّق السابق للزمن، والسابق لأي خليقة كانت، أرضية أو سماوية، يتحدث عن البدء الذي ليس قبله بدء، قبل أن يكون هناك زمن، يتحدث عن الأزل، ما قبل الدهور. جاء في "القاموس الموسوعي للعهد الجديد": " تدل (يو 1: 1) على شيء قبل بداية الزمن، أي بداية ليست داخل الزمن لكنها بداية مُطلّقة" (7). البدء الذي يتحدث عنه يوحنا الحبيب يدخل في نطاق الأبدية. يقول "القديس كيرلس الكبير": " ليس من الممكن أن نعتبر "البدء" خاصًا بزمان مهما كان، لأن الابن الوحيد هو قبل كل الدهور، والطبيعة الإلهية تُغلق حدود الزمن... فالبدء الذي يمكن قياسه بالزمان أو المسافات سوف يتعداه الابن، فهو لا يبدأ في زمان أو مكان بل هو بلا حدود فهو بالطبيعة الله ويصرخ أنا هو الحياة (يو 14: 6)" (8). حقًا أن يوحنا الحبيب يتحدث عن النور الحقيقي الأزلي بأزلية الآب: " وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ... كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 5، 9).
وكأن موسى ويوحنا إلتقيا عند نقطة في النهر ثم افترقا، فاتجه موسى إلى أسفل نحو مصب النهر، فتحدث عن بدء الخليقة المادية خلال الأيام أو الحقبات الست، بينما اتجه يوحنا لأعلى صوب منابع النهر العليا، ارتفع يوحنا بجناحي نسر وحلَّق في الأبدية قبل أن يكون هناك زمان، فتحدث عن سر الثالوث القدوس، وكأن يوحنا وقف على مشارف الأزل يترنم: " مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ الله" (مز 90: 2)، ذاك المزمور الذي ترنم به موسى النبي قديمًا، فموسى أيضًا يدرك جيدًا الفرق الشاسع بين بدء الخليقة (تك 1: 1) والبدء أي الأزل (مز 90: 2).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: قال يوحنا: " كَانَ الْكَلِمَةُ"، ولم يقل: كان الآب، أو كان الابن: لم يقل يوحنا الرسول: كان الآب لئلا يظن إنسان أن هناك أُمًا أيضًا في اللاهوت، مثلما اعتقد المريميون، مدعين أن الثالوث القدوس الآب والعذراء مريم والابن، وأيضًا لم يبدأ حديثه بالابن لئلا يظن الجسدانيون أن الابن مولود من الآب ولادة جسدية، ولذلك بدأ إنجيله بالكلمة، لأن "الكلمة" تشير للوحدانية في الجوهر، بينما "الابن" يشير للتمايز بين الآب والابن، ولذلك فضل القديس يوحنا أن يبدأ بالوحدانية، فتحدث عن أقنوم الكلمة الواحد مع الآب في الجوهر الإلهي، فبدأ بالوحدانية في العبارة الأولى والثالثة من الآية الأولى، بينما تحدث عن التمايز في العبارة الثانية: " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله". يقول "القمص تادرس يعقوب": " يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا لم يبدأ الإنجيلي بالحديث عن الآب، بل بدأه بالابن الوحيد الجنس، ولماذا لم يبدأ دعوته بالابن الوحيد الجنس بل بالكلمة. ويُجيب على ذلك بأنه بدأ بالإعلان عن شخص السيد المسيح بكونه "الكلمة" المتجسد، ليتحدث بفيض فيما بعد إنه "ابن الله". لقب "الكلمة" يؤكد الوحدة، ولقب "الابن الوحيد الجنس" يؤكد التمايز لذا فاللقبان مكملان لبعضهما البعض" (9).
رابعًا: لماذا دعى يوحنا الأقنوم الثاني بالكلمة؟: سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: أسئلة حول حتمية التثليث س23، ومدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س667.
_____
(5) تفسير بشارتي لوقا ويوحنا، جـ 2، ص230.
(6) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص42.
(7) فرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد - المفردات اللاهوتية - يوناني عربي، ص88.
(8) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص43.
(9) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1 ص84.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/674.html
تقصير الرابط:
tak.la/856wfzb