St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

633- ما هيَ علاقة إنجيل يوحنا بالأناجيل الإزائية؟

 

ج: 1- عندما بدأ القديس يوحنا يكتب إنجيله خلال الفترة من (96 - 98 م) كانت الأناجيل الثلاثة الإزائية قد انتشرت في ربوع المسكونة واستقرت في وجدان الكنيسة في شتى بقاع الأرض، وبلا شك أن القديس يوحنا كان قد اطلع عليها، كما أنه بحكم التصاقه بالسيد المسيح، إذ هو " التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ" فهو شاهد عيان على كل ما جاء في تلك الأناجيل الثلاث، لذلك عندما كتب إنجيله تغاضى عن الكثير مما جاء في الأناجيل الإزائية مثل أحداث البشارة والميلاد وزيارة الرعاة والختان ودخول الهيكل، ومجيء المجوس ومذبحة أطفال بيت لحم والهروب إلى مصر، والتجربة والتجلي، وأسماء الاثني عشر، والموعظة على الجبل، والأمثال، والويلات، والنبوات عن خراب أورشليم ونهاية العالم والإفخارستيا والصعود... إلخ.، بينما ركز القديس يوحنا على هوية وشخصية وطبيعة السيد المسيح، وتخيَّر القليل من المعجزات التي تخدم هدفه وقضيته. وبينما نجد نحو 600 آية (عدد) من إنجيل مرقس البالغ نحو 660 آية في إنجيل متى، ونحو 350 منها في إنجيل لوقا، فأننا نجد التشابهات بين ما جاء في إنجيل يوحنا والأناجيل الإزائية الثلاث لا تزيد عن 8% وقد انفرد القديس يوحنا بنحو 92% مما جاء في إنجيله، فلا نجده في الأناجيل الإزائية. ويقول "القديس أبيفانيوس" أسقف سلاميس عن القديس يوحنا الإنجيلي: "لم يكن مهتمًا بتقديم المعلومات التي وضعت قبله (في الأناجيل الإزائية) بشكل ملائم، بل فضَّل أن يدَّون ما لم يدوَّن فيها... مؤكدًا على أحداث ما قبل التجسد، وكان معظم ما دوَّنه روحيًّا لأن الأمور الجسدية كانت دُونّت. وهكذا قدم رواية روحية عن الهبة التي أتت إلينا من الآب. ولم يحذف شيئًا جوهريًا، ولكن قدم بوحي الروح القدس الكلمة الإلهي الكائن قبل كل الدهور والمولود من الآب بلا بداية، وليس في الزمن، وأخبر عن مجيئه في الجسد لأجلنا، وهكذا حصلنا على معرفة كاملة، جسديًّا ولاهوتيًا من الإنجيليين الأربعة" (12).

 

St-Takla.org Image: Christ is sitting on a throne (image 2), blessing with His righ hand, and holding an open Gospel in the other. He is surrounded by winged creatures representing the four evangelists. - 18th century - attributed to Ibrahim al-Nassikh - from the Church of the Virgin al-Damshiria, Old Cairo, Egypt. - The Coptic Museum (image 1736), Cairo, Egypt - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, 20 November 2023. صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح يجلس على العرش (صورة 2)، ويشير بيمناه بعلامة البركة (الإصبع الأوسط يلامس الإبهام) ويحمل بالأخرى الإنجيل، ومُحاط بالأربعة مخلوقات المجنحة الذين يمثلون الأربعة إنجيليين - القرن 18 - تُنسب إلى إبراهيم الناسخ - كنيسة العذراء الدمشيرية ( مصر القديمة)، القاهرة، مصر. - المتحف القبطي (صورة 1736)، القاهرة، مصر - تصوير مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا هيمانوت، 20 نوفمبر 2023 م.

St-Takla.org Image: Christ is sitting on a throne (image 2), blessing with His righ hand, and holding an open Gospel in the other. He is surrounded by winged creatures representing the four evangelists. - 18th century - attributed to Ibrahim al-Nassikh - from the Church of the Virgin al-Damshiria, Old Cairo, Egypt. - The Coptic Museum (image 1736), Cairo, Egypt - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, 20 November 2023.

صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح يجلس على العرش (صورة 2)، ويشير بيمناه بعلامة البركة (الإصبع الأوسط يلامس الإبهام) ويحمل بالأخرى الإنجيل، ومُحاط بالأربعة مخلوقات المجنحة الذين يمثلون الأربعة إنجيليين - القرن 18 - تُنسب إلى إبراهيم الناسخ - كنيسة العذراء الدمشيرية ( مصر القديمة)، القاهرة، مصر. - المتحف القبطي (صورة 1736)، القاهرة، مصر - تصوير مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا هيمانوت، 20 نوفمبر 2023 م.

2- بدأ مار مرقس إنجيله بمعمودية السيد المسيح من يوحنا المعمدان، وبدأ القديس متى إنجيله بسلسلة أنساب السيد المسيح، وبدأ القديس لوقا بالبشارة بميلاد يوحنا المعمدان والسيد المسيح مهتمًا بسلسلة الأنساب ونمو السيد المسيح في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (لو 2: 52)، وفي هذه الأناجيل الإزائية نجد السيد المسيح يأكل ويشرب ويجوع ويعطش، ويتعب ويستريح، ويحزن ويبكي ويفرح ويتهلل، ويموت ويُسلّم الروح، فنرى صورة المسيح البشرية من جهة الناسوت مطبوعة في هذه الأناجيل الثلاث. ثم يأتي يوحنا النسر المُحَلِّق ويخترق حُجُب الأزل فيحدثنا عن الميلاد الأزلي لأقنوم الكلمة من الله الآب: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله... كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ... وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يو 1: 1، 3، 14)، فهو الله الخالق الذي خلق من الماء خمرًا وجبل عينين للمولود أعمى، المتسلط على البحر في هيجانه وكبريائه الماشي على المياه، الذي يعيد الميت للحياة بعد أن مات منذ أربعة أيام وأنتن. أنه يهوه "أنا هو"... يقول القديس "أكليمنضس السكندري": "بشارة يوحنا هيَ الروح، البشائر الثلاث هيَ الجسد" (13) كما قال: "لما رأى يوحنا أن المظهر البشري قد استوفى في الأناجيل الثلاثة ألَّف (وضع) إنجيله الروحي، وذلك برجاء من أحبائه وباستنارة الروح القدس" (14) (راجع أيضًا يوسف دره الحداد - صوفية المسيحية 1- الإنجيل بحسب يوحنا ص 52). وقيل أن الأناجيل الثلاثة الإزائية بدون إنجيل يوحنا هيَ مثل سؤال بلا إجابة. لقد وضعت الأناجيل الإزائية أمام أعيننا شخصية السيد المسيح المنظورة، فأظهر القديس متى في إنجيله الذي يعتبر "كتاب مبادئ التعليم المسيحي" المسيح المسيا، وأظهر مارمرقس في إنجيله البشارة المُفرحة المسيح الخادم، وأظهر لوقا في إنجيله الذين يعتبر "كتاب الأدب المسيحي الراقي" المسيح الفادي، وأخذت هذه الأناجيل الثلاث تكشف لنا شيئًا فشيئًا عن لاهوت المسيح غير المنظور، أي أنها ركزت على الصورة البشرية للسيد المسيح دون أن تغفل لاهوته من خلال المعجزات والآيات والعجائب التي أجراها. أما يوحنا الإنجيلي فأنه حلَّق بنا في سماء اللاهوت فركز على لاهوت المسيح دون أن يغفل ناسوته.

يقول "القديس أغسطينوس": "أن الأربعة الأناجيل أو بالحري الأربعة كتب التي للإنجيل الواحد، نرى فيها القديس يوحنا الرسول، ليس بعدم استحقاق من وجهة معرفته الروحية يُمثّل النسر الذي ارتفع بتعاليمه أعلى وأكثر سموًا من الثلاثة الأناجيل الأخرى. وارتفاعه بتعاليمه هذه رفع قلوبنا بالمثل، لأن الثلاثة الإنجيليين تمشُّوا مع الرب على مستوى الأرض كما مع إنسان، أما فيما يختص بلاهوته فلم يتكلَّموا إلاَّ قليلًا. أما هذا الإنجيلي "يوحنا" فقد نأى عن الأرض والتمشي فيها، إذ أرعد علينا من علٍ منذ افتتاح حديثه، وحلَّق مرتفعًا ليس فوق الأرض وكل دائرة الكون أرضًا وسماءً، بل وفوق جيوش الملائكة وكل طغمات القوات غير المنظورة، حتى آتى إلى مَن خلق العالمين" (15).

ويقول "الأب متى المسكين": "إنجيل يوحنا يعطي معلومات لاهوتية جد خطيرة وكثيرة، بل ووفيرة، أكثر من كل الأناجيل الثلاث مجتمعة، أحكم القديس يوحنا حبكها بالروح على مستوى الرواية والتاريخ. لا يلوى يمينا أو يسارًا حتى يصيب هدفه الذي وضع الإنجيل كله من أجله: لاهوت المسيح! بل أن إنجيل يوحنا صاغ الروايات الأخرى صياغة في قالب لاهوتي" (16).

ويقول "حبيب سعيد": "وهب أننا سُئلنا اليوم أي البشائر نرغب في الاحتفاظ بها إذا قُدّر لنا أن نحتفظ بواحدة فقط، فماذا يكون جوابنا؟ أن الاختيار يكون عسيرًا بلا شك، وهو مرهون بالظروف التي نوجد فيها. فإن كنا نعيش وسط قوم ينكرون حقيقة يسوع التاريخية، فإننا نؤثر (بشارة) مرقس على غيرها، وإن أردنا أن نُعلّم الناس فقد نختار متى، وإن كنا عُشاق الأدب الرفيع فقد نُبقي على لوقا، أما إذا حُكم علينا ان نعيش في عزلة، في جزيرة نائية كاحلة، فإننا نأخذ معنا بشارة يوحنا" (17).

 

3- أسلوب الأناجيل الإزائية تقترب من الأسلوب الشفاهي، أما أسلوب يوحنا فأنه يغلب عليه الأسلوب الإيماني اللاهوتي التأملي، فتجد أسلوب يوحنا يمتد ويمتط، حتى أن القارئ يتساءل عن بعض هذه الأقوال الممتدة هل هيَ من أقوال السيد المسيح أم أنها من نتاج الكاتب (راجع موريس بوكاي - القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 90) لقد ذكرت الأناجيل الإزائية الأحداث مُجرّدة كأحداث تاريخية حقيقية، بينما أضاف يوحنا الحبيب لهذه الأحداث اللمسات الإيمانية اللاهوتية التأملية، فمثلًا:

أ - تناولت الأناجيل الإزائية قصة يوحنا المعمدان من الجانب الكرازي والوعظي والأخلاقي، فهو أعظم مواليد النساء، وقد شهد السيد المسيح بعظمته، بينما وضعه يوحنا الحبيب في وضعه كشاهد للمسيح وسابق له يعد له الطريق، وأن المعمدان أكد أكثر من مرة أنه ليس هو المسيح ولا هو مستأهل أن يحل سيور حذائه، وأنه صديق العريس وليس هو العريس، وذلك لأن يوحنا الإنجيلي كان يرد على جماعة المعمدانيين التي عظَّمت المعمدان على المسيح بحجة أنه هو الذي عمَّد المسيح، وأعلنه للشعب.

ب - عندما ذكر يوحنا الحبيب عيد المظال تذكار التيه في البرية والعطش وانفجار الماء من الصخرة، وقف يسوع في الهيكل يعلن أنه "الماء الحي" قائلًا: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو 7: 37-38).

جـ - عندما ذكر يوحنا الرسول معجزة إشباع الجموع أعلن عن نفسه أنه هو الخبز الحي النازل من السماء (يو 6).

د - عندما ذكر القديس يوحنا معجزة تفتيح عيني المولود أعمى انطلق للحديث عن الاستنارة الروحية (يو 9)... وهلم جرا.

لقد بنى القديس يوحنا إنجيله كله على أحداث نحو عشرين يومًا من خدمة السيد المسيح التي امتدت إلى أكثر من ثلاث سنوات، فيقول "حبيب سعيد": "وقد رسم لنا صورة للمسيح، واختار من أحداث الثلاثين سنة التي عاشها المسيح على الأرض (والثلاث سنين والثلث التي أمضاها في الخدمة) حوادث عشرين يومًا فقط، وخصَّص لها (معظم) بشارته كلها. وقد استهل بشارته بعبارة رددت صدى استهلال سفر التكوين، وأرانا المسيح قبل خلق العالم، وكانت تلك الصورة الأزلية السماوية الحقيقية المتلمّعة في القصة كلها وقد انتقى يوحنا لقصته حوادث معينة مثل تحويل الماء إلى خمر، وزيارة نيقوديموس، والمرأة عند البئر، وإشباع الخمسة آلاف، لا لمجرد سرد الوقائع، بل لتقديم المسيح ذاته... فآلى على نفسه أن يُدخِل في نسيج الوقائع المجردة خيوطًا ملوّنة برَّاقة في الحوار والتعليق. وقد احترم يوحنا الوقائع والبيانات، وبدأ بها. ولكنه صورها بريشة الإيمان، وكان يسوع التاريخي في نظره مسيح إيمانه. تلك كانت لحمة وسدادة بشارته المليئة بخصب المعاني" (18). ووضع القديس يوحنا أمام أعيننا ألفاظًا وعبارات وسلط عليها الضوء بقوة، فاستقرت في أعماقنا، فيقول "حبيب سعيد" أيضًا: "فهو الذي كتب عن المحبة، والنور، والحق، والمعرفة، واليقين، ومن محاجر اللغة اليونانية صاغ بأزميله عبارات جديدة: "النور الذي يضيئ كل إنسان " - "بيت الآب " - "الحياة الأبدية". وكشاعر وفيلسوف ولاهوتي أضفى على هذه الألفاظ والعبارات معاني عميقة لتنقل إيمانه للناس. هو الذي نحت لنا صوُّر المسيح الرائعة التي نعرفه بها اليوم. هو الذي وصفه لنا "كلمة الله " و"خبز الحياة " و" ماء الحياة " و" نور العالم " و" الراعي الصالح "..." (19).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

4- تشابهت الأناجيل الإزائية إلى حد بعيد في السرد التاريخي للأحداث وتتابع القصص، حتى أنه يمكن وضعها في ثلاثة أنهار متقابلة متشابهة، ويصل التشابه أحيانا إلى استخدام نفس المفردات. أما إنجيل يوحنا فقد اختلف عنها من جهة البنية، فلم يتبع نفس السرد التاريخي وتسلسل الأحداث مثل الأناجيل الإزائية، بل انفرد بأسلوب وبطريقة عرضه للأحداث، وعمق معانيه، حتى قال عنه "العلامة أوريجانوس": "ليس بوسع أحد أن يدرك معناه إذا لم يكن قد اتكأ على صدر يسوع وقَبِل من يسوع مريم أمًا له" (20)... حقًا كم كانت ستكون خسارتنا جسيمة لو لم يُكتَب هذا الإنجيل، فهو سلم يعقوب، الذي ربط الأرض بالسماء، قدس أقداس الكتاب المقدَّس، السفر الذي يكشف عن عظمة وسمو الله، دعاه أوريجانوس " تاج الأناجيل". ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": "بشارة يوحنا هيَ فريدة الفرائد، فليس في آداب اللغات ما يعادل البشائر الأربع، وليس بين البشائر الأربع ما يعادل البشارة الرابعة. أهذه البشارة مقالة تاريخية؟ أهي بحث فلسفي أُفرغ في قالب تاريخي؟ أم هيَ حجة لاهوتية جمعت بين ثناياها دقائق التاريخ وجمال الفلسفة؟ أم هيَ كل هذه مجتمعة معًا؟. بشارة يوحنا هيَ بشارة خاصة ولكنها في نفس الوقت بشارة العالم أجمع... هذا ما حدا بأوريجانوس إلى القول أن بشارة يوحنا هيَ "تاج البشائر" كما أن البشائر هيَ ختم الكتب المقدَّسة" (شرح بشارة يوحنا ص 9 - 13) (21).

إن أسلوب السيد المسيح في الأناجيل الإزائية سهل وشعبي موجه لعامة الناس البسطاء، يتميز بالتشبيهات والتمثيل وضرب الأمثال المستمدة من البيئة وواقع الحياة، بينما نجد أقوال السيد المسيح في إنجيل يوحنا عميقة تميل للاستعارة والرمزية. ويقول "يوسف دره الحداد": "فمن حيث الأسلوب، تختلف لغة يسوع عند يوحنا عنها عند المؤتلفة. هنا (في الأناجيل الإزائية) إنشاء يسوع شعبي، حي، ملآن بالتشابيه والاستعارات والأمثال. أما عند يوحنا فهو كلام علمي لاهوتي، قد لا تجد فيه مثلًا من حياة الشعب، سوى قصة المرأة الزانية في الجرم المشهور والتي هيَ أقرب إلى أسلوب لوقا منها إلى أسلوب يوحنا... أن هذا الاختلاف في الأسلوب نابع من اختلاف البيئة: في المؤتلفة بيئة شعبية جليلية، وعند يوحنا بيئة أورشليمية علمية" (22).

 

5- الهدف من المعجزات التي جاء ذكرها في الأناجيل الإزائية والدافع لها هو إظهار "تحنن يسوع"، أما الهدف من المعجزات التي ذكرها يوحنا الرسول فهو إعلان مجد لاهوت المسيح، فالمعجزة الأولى التي أجراها السيد المسيح يقول عنها القديس يوحنا "هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ" (يو 2: 11)، (راجع يو 11: 4، 40)، لهذا اختار يوحنا الحبيب بعناية فائقة سبع معجزات قبل قيامة المسيح والثامنة بعد قيامته لكي تخدم هدفه في إظهار مجد المسيح، وأعقب كل معجزة بشرح أو تفسير أو تعليم، فجعل هذه المعجزات نقاط ارتكاز تدور حولها أحاديث أو عظات طويلة. يقول "وليم باركلي": "وهنا نرى منطق البشارة الرابعة في تفسيرها للمعجزة يغاير المنطق التفسيري الذي درج عليه البشيرون الآخرون. البشائر الأخرى ترى في المعجزة عنصر العطف والحنان من جانب السيد، ودافع الحاجة والألم من جانب المحتاج والمتألم. أما البشارة الرابعة فهي ترى في المعجزة إظهار قوة الله ومجده. ولا تناقض بين هذا المنطق وذاك، فهما مجرد نظريتين متكاملتين لحقيقة واحدة، ووراء هذه وتلك يكمن الحق الأعظم: أن مجد الله يتبلور ويظهر في فيض عواطفه وحنانه، وأن مجد الله لا يظهر في ملء جلاله وسموه، إلاَّ حينما يكشف عن أحاسيسه الفائضة ويمد يده للمُتعَب والمتألم والمحتاج" (23).

 

6- كُتبت الأناجيل الإزائية بهدف الكرازة لليهود والأمم الذين لم يؤمنوا بالسيد المسيح بعد، وأيضًا لم تتغافل عن المؤمنين لكي يعيشوا حياة القداسة والتقوى، أما القديس يوحنا فقد كتب بالأكثر للمؤمنين ليثبتهم في الإيمان المستقيم ويفضح البدع والهرطقات التي بدأت تنتشر مع نهاية القرن الأول الميلادي مثل الأبيونية والغنوسية والألوجينية والمعمدانية... ولذلك وجد الآباء في إنجيل يوحنا خير مُعين لدحض البدع والهرطقات التي تشكَّك في ألوهية المسيح، سواء التي ظهرت وقت كتابة الإنجيل أو التي ظهرت فيما بعد، فهذا ما أختبره الآباء مثل العلامة أوريجانوس في مقاومته الغنوسية، والبابا أثناسيوس في مقاومته الأريوسية والبابا كيرلس الكبير في مقاومته النسطورية... إلخ.، وأيضًا لم يتغافل إنجيل يوحنا الأمم بل فتح لهم طريق الإيمان بالمسيح بحديثه عن "اللوغوس" الذي يعرفونه كاسم دون أن يدركوا حقيقته. ولنا عودة للحديث عن هذا الأمر بتوسع.

 

7- ركزت الأناجيل الإزائية على خدمة السيد المسيح في الجليل، ولا سيما في السنة الأخيرة من خدمته، فجاء إنجيل يوحنا وكشف عن خدمة السيد المسيح في اليهودية ولا سيما في السنة الأولى من خدمته، ومدى ارتباطه بأورشليم طوال مدة خدمته، فدعيت الأناجيل الإزائية بـ"الإنجيل الجليلي"، بينما دُعي إنجيل يوحنا بـ"الإنجيل الأورشليمي". يقول "يوسابيوس القيصري": "بعد أن نشر مرقس ولوقا إنجيلهما يُقال أن يوحنا الذي صرف كل وقته على نشر الإنجيل شفويًا، بدأ أخيرًا أن يكتب للسبب التالي: أن الأناجيل الثلاثة السابق ذكرها إذ وصلت إلى أيدي الجميع، وإلى يديه أيضًا، يقولون أنه قَبلها وشهد لصحتها، ولكن كان ينقصها وصف أعمال المسيح في بداية خدمته... ولذلك يقولون أن يوحنا الرسول إذ طُلب منه كتابة إنجيله لهذا السبب، دوَّن فيه وصفًا للفترة التي تجنبها الإنجيليون السابقون. وأعمال المسيح فيها أي وصف الأعمال التي فعلها قبل سجن يوحنا المعمدان. ويقولون أنه وضَّح هذا في الكلمات الآتية: "هذه بداية الآيات التي فعلها يسوع". وأيضًا عندما أشار إلى المعمدان - وسط التحدث عن أعمال يسوع - بأنه كان لا يزال يعمد في عين نون بقرب ساليم حيث بيَّن الأمر بكل وضوح... أما الإنجيليون الثلاثة الآخرون فأنهم يذكرون الحوادث التي تمت بعد ذلك الوقت. إذ عُلِم هذا لا يعود المرء يتوهم أنه يوجد أي خلاف بين الأناجيل لأن إنجيل يوحنا يتضمن أعمال المسيح الأولى، بينما يروي الآخرون ما حدث في أواخر حياته..." (يوسابيوس ك 3 ف 24 ع 7 - 13) (24).

ويقول "يوسف دره الحداد" عن يوحنا الإنجيلي: "فغايته في تكميل الأناجيل المؤتلفة (متى ومرقس ولوقا) ظاهرة، ولا يسعه أن يجهلها أو يتجاهلها، وقد طبقت شهرتها المسكونة كلها. وهذه الشهرة هيَ التي جعلته يقتصر على التكميل، فأهمل ما كان شائعًا، وفصَّل ما كان مجملًا، وأظهر ما كان مستورًا، وبيَّن ما كان خفيًا أو متشابهًا، في مطلع الإنجيل، وهو يذكر رسالة يسوع الأولى في اليهودية التي لم تذكرها المؤتلفة... فهو يذكر في الفصول الأربعة الأولى رسالة يسوع إلى جوار المعمدان قبل سجنه... فنيْة التكميل صريحة، والإشارة إلى الأناجيل المؤتلفة واضحة. وكما كانت الإشارات في المؤتلفة توحي برسالة المسيح في اليهودية من دون تفصيلها، كذلك تدل إشارات يوحنا على رسالة المسيح في الجليل من غير أن تفصلها لأن تفاصيلها معروفة ومشهورة" (25).

 

8 - اهتمت الأناجيل الإزائية بمعاملات السيد المسيح مع عامة الشعب، بينما اهتم إنجيل يوحنا بمعاملات السيد المسيح مع الأشخاص ورؤساء اليهود، مثل أحاديثه مع نثنائيل، ونيقوديموس، والسامرية، ومريض بركة حسدا، والمولود أعمى، أيضًا ذكرت الأناجيل الإزائية وطن يسوع الأرضي: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ" (مت 13: 54)... " وَخَرَجَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى وَطَنِهِ" (مر 6: 1)، بينما أوضح القديس يوحنا وطن يسوع السمائي: "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو 8: 23)... " خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو 16: 28). وإن كان محور الدعوة في الأناجيل الإزائية "ملكوت الله"، فإن محور الدعوة في إنجيل يوحنا هو شخصية السيد المسيح.

 

9- في قصة الآلام والصلب والموت ساقت الأناجيل الإزائية القصة بتفصيلاتها من خلال إطار السرد التاريخي بكل معاناتها، حتى ظهر السيد المسيح لا صورة له ولا جمال، بل مُحتقر ومرذول (مت 26: 67-68؛ مر 14: 65؛ لو 22: 63 - 65). أما القديس يوحنا فكشف عن هوية وشخصية المسيح المتألم، فقد سلَّم ذاته بإرادته وجاز طريق الآلام بمشيئته (يو 18: 4، 8، 11، 36؛ 19: 30)، وأوضح أن هذه الآلام والموت يتوافقان مع المشيئة الإلهيَّة (يو 18: 8-9؛ 19: 11، 24، 28، 36-37)، وأظهر المجد والجلال الإلهي عبر هذه الأحداث (يو 18: 6، 20-21، 37) وسقوط الجنود والغوغاء تحت أقدامه (يو 18: 4 - 9). وتحاشى القديس يوحنا ذكر الأمور التي تُحقّر من شخص يسوع مثل الضرب والبصاق وتعييرات اللصين... إلخ. يقول "آلان مرشدور": "لا تجد لدى يوحنا، لا التجاديف والسخريات التي رافقت موت يسوع... كما لدى الإزائيين، فالإنجيلي (يوحنا) يصف اللحظات الأخيرة من حياة يسوع بمثابة أفعال يقوم بها بحرية، ذاك الذي يسيطر على مصيره حتى النهاية، هو الذي يقول ويعمل ما يجب. ففعل " أتمَّ " يفتتح ويختتم هذا المقطع... لقد ذهب يسوع إلى أقصى الطاعة (يو 14: 31) مكملًا العمل الموكل إليه (يو 17: 4) وهكذا حتى النهاية كان سيد مصيره، حتى عبر الصورة ذاتها التي وصفت موته "أسلم الروح"... ففي هذا الفعل النهائي، تبلغ الكريستولوجيا ذروتها لدى يوحنا... فموت يسوع هو عودة الابن إلى أبيه. وتعني كلمته الأخيرة "تم كل شيء" أنه أنجز رسالته على أحسن حال" (26).

 

10- ركزت الأناجيل الإزائية في ظهورات السيد المسيح بعد قيامته على ناسوت المسيح: "قَالَ لَهُمْ أَعِنْدَكُمْ ههُنَا طَعَامٌ... فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ" (لو 24: 41، 43) بينما ركز إنجيل يوحنا بعد القيامة على لاهوت المسيح: "أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ رَبِّي وَإِلهِي" (يو 20: 28).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(12) أورده القمص عبد المسيح بسيط - هل كتب القديس يوحنا الإنجيل الرابع ص23.

(13) المدخل إلى العهد الجديد، ص64.

(14) المرجع السابق، ص66.

(15) أورده الأب متى المسكين - المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص337.

(16) المرجع السابق، ص357.

(17) المدخل إلى الكتاب المقدَّس، ص264.

(18) المدخل إلى الكتاب المقدَّس، ص263، 264.

(19) المدخل إلى الكتاب المقدَّس، ص264.

(20) آلان مرشدور - ترجمة الأب بيوس عفاص - سلسلة أبحاث كتابية (5)، ص90.

(21) أورده د. محمد علي زهران - إنجيل يوحنا في الميزان، ص32.

(22) صوفية المسيحية 1- الإنجيل بحسب يوحنا، ص122.

(23) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح بشارة يوحنا جـ 2، ص85.

(24) ترجمة القس مرقس داود - تاريخ الكنيسة ط 1960م، ص137، 138.

(25) صوفية المسيحية 1- الإنجيل بحسب يوحنا، ص89.

(26) أورده الأب أندره سكريما - ترجمة رهبنة دير مارجرجس الحرف - دراسات كتابية 3- إنجيل يوحنا قراءة وتعليق ص245، 246.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/633.html

تقصير الرابط:
tak.la/wzg7z7a