St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 493- لماذا اختار السيد المسيح تلاميذه من الجهَّال الفقراء (مر 1: 16 - 20)؟ وكيف لبى هؤلاء التلاميذ الدعوة سريعًا (مر 1: 16 - 20)؟ ولماذا بدأ يسوع خدمته في المجامع (مر 1: 21) مع علمه السابق أنه سيُرفَض من قادة اليهود؟ وهل زاد نشاط الأرواح الشريرة خلال فترة خدمة الرب يسوع (مر 1: 23 - 26، 5: 1 - 13، 9: 27..)؟ وهل عرفت الشياطين أن يسوع ابن الله (مر 1: 24، 34)؟

 

س493: لماذا اختار السيد المسيح تلاميذه من الجهَّال الفقراء (مر 1: 16 - 20)؟ وكيف لبى هؤلاء التلاميذ الدعوة سريعًا (مر 1: 16 - 20)؟ ولماذا بدأ يسوع خدمته في المجامع (مر 1: 21) مع علمه السابق أنه سيُرفَض من قادة اليهود؟ وهل زاد نشاط الأرواح الشريرة خلال فترة خدمة الرب يسوع (مر 1: 23 - 26، 5: 1 - 13، 9: 27..)؟ وهل عرفت الشياطين أن يسوع ابن الله (مر 1: 24، 34)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- لماذا اختار السيد المسيح تلاميذه من الجهَّال الفقراء (مر 1: 16 - 20)؟.. للأسف نظر البعض لهؤلاء البسطاء نظرة احتقار وازدراء، فقال "برنارد شو": "أنني لا أحس تجاه هذه الطبقة إلَّا بشعور واحد وهو رغبتي في إزالتهم من الوجود حتى يأتي مكانهم إناس معتدلون" (233) وقال آخر: " الرعاع.. كم أكرههم.. أكره عبادتهم المتناهية.. أكره نبرة صوتهم.. أكره منظر وجوههم.. أنه قبيح تافه" (234). هذه هيَ نظرة البعض لهؤلاء التلاميذ البسطاء أما الله فله نظرة أخرى، فقد رأى فيهم فضائل عديدة مخفية مثل الطاعة والإخلاص والوفاء والجدية والغيرة، حتى أنه عندما دعاهم تركوا بيوتهم وبلادهم وساروا وراء المجهول، إذ أن معلمهم ليس له أين يسند رأسه، وكلٍ منهم قدم حياته رخيصة في سبيل تمسكه بإيمانه ورسالته. ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " وقد شاءت حكمته - له المجد - ألا يختار تلاميذه من بين الأثرياء المترفين، أو العلماء المتضلعين في الشئون العالمية، أو البلغاء البارعين في فنون الخطابة العارفين بأسرار التعبير والتحرير، إنما اصطفاهم من الفقراء المتواضعين الذي يحصلون على قوتهم بشق الأنفس من أقل الأعمال شأنًا وأكثرها هوانًا. ولذلك فأنهم حين آمنوا به كان إيمانهم مخلصًا، خالصًا من كل صبغة مكتسبة، خاليًا من كل صنعة مفتعلة" (235). أن من يتأمل في حياة هؤلاء الصيادين تجد هناك تقاربًا بين صيد الأسماك وصيد النفوس مثل الصبر وطول الأناة، والمثابرة، والشجاعة، والحكمة.. إلخ. ولهذا قال مخلصنا الصالح لبطرس وأخيه أندراوس: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ" (مر 1: 17) (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س317). وأيضًا اختار الله هؤلاء البسطاء ليُظهِر عمله فيهم: " اخْتَارَ الله جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ الله ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ الله أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ. لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ" (1كو 1: 27 - 29).. " لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللَّـهِ لاَ مِنَّا" (2 كو 4: 7). فقد اختار الله قديمًا "داود بن يسى" أصغر أخوته الراعي البسيط وأعطاه أن يكون نبيًا عظيمًا وملكًا قديرًا، وقال الرب لناثان النبي: " وَالآنَ فَهكَذَا تَقُولُ لِعَبْدِي دَاوُدَ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ الْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ الْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيسًا عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ" (2 صم 7: 8)، كما اختار الله جاني الجميز البسيط "عاموس" ليقيمه نبيًا، حتى قال عاموس لأمصيا: " لَسْتُ أَنَا نَبِيًّا وَلاَ أَنَا ابْنُ نَبِيٍّ بَلْ أَنَا رَاعٍ وَجَانِي جُمَّيْزٍ. فَأَخَذَنِي الرَّبُّ مِنْ وَرَاءِ الضَّأْنِ وَقَالَ لِي الرَّبُّ اذْهَبْ تَنَبَّأْ لِشَعْبِي إِسْرَائِيلَ " (عا 7: 14، 15).

أن هؤلاء البسطاء الذين اختارهم السيد المسيح ليكونوا تلاميذًا له تميَّزوا بالجدية والنشاط، يقول عنهم "متى هنري": "أن المسيح يصنع كرامة مع المجدين في عملهم، ولو كانوا محتقرين في نظر العالم. وهكذا كان من دعاهم المسيح مجدين في خدمتهم. لقد وجدهم مجدين في عملهم ومتعاونين معًا.. أن الجد في العمل، والاتحاد في العمل أمران جميلان. وهنا يأمر الرب بالبركة، بهذه البركة "أتبعني".." (236). أن هؤلاء البسطاء عندما بدأوا الكرازة أدهشوا المسكونة، وتحقَّقت فيهم نبؤة داود النبي: " فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ" (مز 19: 4). استهانوا بكل الصعوبات، واحتملوا جميع الاضطهادات التي أتت عليهم بفرح ورضى، وأسلموا حياتهم للموت في شجاعة نادرة.

 

2- كيف لبى هؤلاء التلاميذ الدعوة سريعًا (مر 1: 16 - 20)؟.. هؤلاء التلاميذ الأربعة بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا كانوا قد استمعوا إلى معلمهم السيد المسيح بل أنهم لمسوا أعماله العجيبة، وهذا واضح في إنجيل القديس لوقا، فعندما كان يسوع يعلّم عن بحيرة جنيسارت والجمع يزحمه كان هناك سفينتان والصيادون خرجوا منهما، إذ كانوا قد أمضوا ليلة طويلة مضنية دون أن يصطادوا شيئًا، فدخل يسوع إلى سفينة بطرس وصار يعلم الجموع: " وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ. فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ لَهُ يَامُعَلِّمُ قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا. وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ. وَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكًا كَثِيرًا جِدًّا فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ.. فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلًا اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ.. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ لاَتَخَفْ. مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ. وَلَمَّا جَاءُوا بِالسَّفِينَتَيْنِ إِلَى الْبَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ" (لو 5: 4 - 11). وكان مع بطرس وأندراوس سفينة يعقوب ويوحنا ابني زبدي، فامتلأت السفينتان من السمك حتى أخذتا في الغرق (لو 5: 7).

ويقول "الأب ثيوفلاكيتوس": "سمعان وأندراوس كان تلميذين ليوحنا المعمدان (يو 1: 35 - 40) إذ سمعا معلمهما يشهد للسيد المسيح تبعاه، لكنهما كانا يعودان للصيد مع أبيهما الشيخ، لهذا ما ورد هنا في إنجيل مرقس لم يكن اللقاء الأول بين السيد وبينهما، لكن دعوة السيد لهما سحبتهما من العمل الزمني للتكريس الكامل للتلمذة والكرازة" (237).

 

3- لماذا بدأ يسوع خدمته في المجامع (مر 1: 21) مع علمه السابق أنه سيُرفَض من قادة اليهود؟.. نشأت فكرة المجامع بعد سبي مملكة يهوذا إلى بابل، وحرمانهم من هيكل أورشليم، وبعد العودة من السبي انتشرت المجامع أيضًا داخل أرض إسرائيل، بهدف خدمة التعليم وأيضًا لتكون محاكم للقضاء " وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ" (لو 21: 12).. " لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ" (يو 9: 22). وكان من سلطة تلك المجامع توقيع العقوبة على الإنسان المخطئ: " وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ" (مت 10: 17)، وكان رئيس المجمع هو الذي يحدد من سيقرأ الأسفار المقدَّسة ويفسرها في خدمة يوم السبت. وقد اعتاد يسوع أن يرتاد أماكن العبادة، فكان يصعد مع أسرته إلى هيكل أورشليم في الأعياد، وعندما كان عمره اثنى عشر عامًا أمضى ثلاثة أيام في الهيكل وأمه وأبوه يبحثان عنه (لو 2: 42 - 50)، فهل يُعقَل أنه بمجرد أن يبدأ خدمته يهجر المجمع؟!!. لقد كان مواظبًا على العبادة الأسبوعية: " وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ" (لو 4: 16)، ولذلك كان من الطبيعي جدًا أنه عندما بلغ الثلاثين من عمره وبدأ خدمته وكرازته أن يبدأ من داخل المجامع. ولكن عندما وجد صدًا من قادة اليهود بدأ يخدم في الأماكن المفتوحة وفي البيوت وعلى شاطئ بحر الجليل.

لقد اختار الله شعبه وحوَّط عليه وحفظه وتعهده بالأنبياء والناموس وأودعه النبوات، فكان من المفروض أن هذا الشعب هو أول من يحسن لقاء المسيا ويصغى لوصاياه، ولكن للأسف فأن هذا الشعب قابلـه بالرفض: " إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو 1: 11)، وهذا ما أشار إليه السيد المسيح في أمثاله: " وَأَمَّا أَهْلُ مَدِينَتِهِ فَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ سَفَارَةً قَائِلِينَ لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا" (لو 19: 14)، وواضح أيضًا رفض الشعب اليهودي في مَثَل الكرامين الأردياء (مر 12: 1 - 12)، وهكذا كان يفعل الآباء الرسل، فأي بلدة كان يدخلها بولس الرسول كان يذهب أولًا للمجمع ومتى رُفِض كان يتجه للأمم، مثلما قال ليهود أنطاكية بيسيدية: " يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ الله وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ" (أع 13: 46).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

4- هل زاد نشاط الأرواح الشريرة خلال فترة خدمة الرب يسوع (مر 1: 23 - 26، 5: 1 - 13، 9: 17 - 27..)؟ وهل عرفت الشياطين أن يسوع ابن الله (مر 1: 24، 34)؟.. كان الشيطان وجنوده يسيطرون على البشرية ويعرفون أعمـاق الإنسان، فيقول "هارنيك": " كان العالم كله مملوءًا بالأرواح الشريرة، فهيَ لم تكن تسكن الأصنام فقط بل كانت تملأ أجواء الأرض نفسها، وتتحكم في كل أوجه حياة الناس، لقد جلسوا على العروش وأحاطوا بكل مهد، فأضحى العالم جحيمًا ضخمًا" (238). ولكن بعد أن وُلِد المخلص وفشل الشيطان أن يسقطه في أي خطية كانت بالفعل أو بالقول أو بالفكر، وعجز عن فهم هوية هذا الكائن العجيب، وهُزِم أمامه على جبل التجربة، وأمام هيبة يسوع شعر الشيطان أن مملكته تهتز، فقد جاء الأقوى منه. وخدمة يسوع الجبارة زلزلت مملكة الظلمة، مما أثار الأرواح الشريرة أكثر فأكثر، ولا سيما في مناطق خدمة الرب يسوع، الذي كان يعلّم كمن له سلطان، ليس سلطان مدني ولا سلطان عسكري، ولا بسطوة وسيطرة، إنما كان يعلم تعاليم حيَّة تنفذ إلى القلب والفؤاد تغير الحياة وتنير الأذهان وتطرد الظلمة، فكلمته حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدين.

ويقول "وليم باركلي": " لقد كانت تعاليم يسوع ترتكز على سلطانه الشخصي لقد تكلم بكلمة الله من أختياره هو.. كان هو بنفسه صوت الله الآتي إلى الناس، فأنصت الناس إلى صوت السماء مباشرة، وكانت نبرته الإيجابية الفعالة أكبر عامل على جذب الناس إليه وإصغائهم بفرح إلى صوته وتعليمه" (239). وكانت أعمال السيد المسيح تثبت صحة أقواله، كما كان وقته كله مكرسًا للخدمة. أنظر فأن مرقس البشير يقدم يومًا واحدًا من أيام خدمة الرب يسوع فتجده يدخل المجمع ويعلّم كمن له سلطان حتى بُهتوا من تعليمه الذي بلا شك استغرق وقتًا ليس بالقليل، ثم صار يشفي المتسلط عليهم إبليس ودخل بيت بطرس حيث أقام حماته من الحمى، وعند الغروب شفى جميع السقماء والمجانين الذين قدموهم إليه. وحيثما يتجلى عمل الله تكثر مقاومات عدو الخير: " فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ مَعَ السَّلاَطِينِ مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أف 6: 12). وبعد أن انتصر السيد المسيح على الشيطان نصرة ثلاثية على جبل التجربة صار الشيطان مهزومًا مكسورًا أمام قوة السيد المسيح، وكثيرًا ما صرخ الشيطان: " آهِ مَا لَنَا وَلَكَيَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا" (مر 1: 24) وقول الشيطان " يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ" يقصد به التحقير والتشكيك في مسيانيته لأنه قيل: " أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ" (يو 1: 46)، فبالرغم أن رهبة يسوع أفزعت الشيطان فلم يحتمل المواجهة وصرخ " آهِ مَا لَنَا" لكن بطبيعته الخبيثة حاول أن ينال من شخصية يسوع بأي طريقة كانت لذلك قـال " يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ" بينما من المعروف أن المسيا يأتي من بيت لحم اليهودية، وبهذا قصد بخبث أن يطعن في مسيانية المسيح.. لقد جاء الأقوى ليقيد القوي ويسلب بيته فكان من الطبيعي أن القوي يدافع عن بيته، ولذلك طالما حاولت الأرواح النجسة أن تكون سبب إزعاج وشوشرة على خدمة المسيح الأقوى، ولكن جميع محاولاتها باءت بالفشـل. ويقـول "جراهام سويفت": " وكانت ظاهرة تسلط الأرواح النجسة على الناس قد اقترنت بصورة خاصة بمدة وجود الرب على الأرض.. وهيَ متميزة تمامًا عن الخلل العقلي" (240).

وقد يتساءل البعض إن كان الروح النجس قد شهد للسيد المسيح على أنه قدوس الله فلماذا أخرسه يسوع؟.. ذلك لأن شهادة الروح النجس لا تنبع من الإيمان الحقيقية، إنما هيَ من قِبل محاولة تحديد هوية يسوع التي احتار الشيطان فيها، ولهذا كان يسوع يرفض شهادة الشيطان ويخرسه (مر 1: 25، 34). ويقول "البابا أثناسيوس الرسولي": " لقد كم أفواه الشياطين عندما صرخت من أعماق القبور. ما قالته كان صحيحًا، أنها لم تكذب في قولها "أَنْتَ ابْنُ الله" و"أَنْتَ قُدُّوسُ الله". أما هو فلم يشأ أن يخرج الحق من أفواه نجسة" (241). لقد أراد يسوع أن يؤمن به الناس أنه المسيا ابن الله بسبب أقواله وأفعاله، وليس بسبب شهادة الشياطين له، ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " الحق لا يحتاج إلى شهادة أرواح نجسة.. ليتنا لا نصدق الشياطين حتى إن أعلنوا الحق " (242).

وأيضًا معرفة الشيطان بالمسيح هنا " أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوسُ الله" (مر 1: 24).. " وَلَمْ يَدَعِ الشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ" (مر 1: 34) معرفة متشكّكة وليست معرفة يقينية، لأن السيد المسيح أخفى مجده وأخلى ذاته، وتواضع حتى أنه أخذ شكل العبد، وُلِد في مزود وعاش فقيرًا بلا مأوى ولا وظيفة. هذا التواضع العظيم الذي اُستشكل تمامًا على ذهن الشيطان المتكبر، فجهل تمامًا سر التجسد الإلهي، ويقول "القديس أغسطينوس": "عرفته الشياطين بالقدر الذي سمح الله لهم أن يعرفوه، لكنهم لم يعرفوه كما يعرفه الملائكة القديسون الذي ينعمون بشركة أبدية بكونه كلمة الله" (243). وعن إخفاء السيد المسيح لاهوته عن الشيطان يُرجى الرجوع إلى كتابنا: أسئلة حول الصليب س 19.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/493.html