St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 432- ما دام يسوع كان معروفًا لدى الجميع، يجلس معهم كل يوم في الهيكل ويعلمهم (مت 26: 55) فما حاجتهم ليهوذا ليعرفهم به، إلاَّ إذا كان بإمكانه أن يغيّر شكله وملامحه وصورته حتى لا يعرفه أحد، كما حدث مع المجدلية وتلميذي عمواس؟ وكيف يهرب تلاميذه ويتركون معلمهم فريسة للأعداء (مت 26: 56)؟ وهل هروبهم هذا يتفق مع عقيدتهم في المسيح أنه هو اللَّه الناصر المعين؟ وهل مضوا بيسوع من البستان إلى قيافا (مت 26: 57)، أم أنهم مضوا به إلى حنان (يو 18: 13)؟ وهل بطرس وحده هو الذي تبع يسوع (مت 26: 58)، أم بطرس ومرقس (مر 14: 51) أم بطرس ويوحنا (يو 18: 15، 16)؟ ولماذا وصف الإنجيل الشاهدين: "شَاهِدَا زُورٍ " (مت 26: 60) مع أنهم نطقا بما قاله السيد المسيح (يو 2: 19)؟ وهل هما اثنان بحسب متى أم قوم بحسب مرقس (مر 14: 57)؟ وهل يوحنا وهو حاضر المحاكمة لا علم له بشهود الزور؟

 

س432: ما دام يسوع كان معروفًا لدى الجميع، يجلس معهم كل يوم في الهيكل ويعلمهم (مت 26: 55) فما حاجتهم ليهوذا ليعرفهم به، إلاَّ إذا كان بإمكانه أن يغيّر شكله وملامحه وصورته حتى لا يعرفه أحد، كما حدث مع المجدلية وتلميذي عمواس؟ وكيف يهرب تلاميذه ويتركون معلمهم فريسة للأعداء (مت 26: 56)؟ وهل هروبهم هذا يتفق مع عقيدتهم في المسيح أنه هو اللَّه الناصر المعين؟ وهل مضوا بيسوع من البستان إلى قيافا (مت 26: 57)، أم أنهم مضوا به إلى حنان (يو 18: 13)؟ وهل بطرس وحده هو الذي تبع يسوع (مت 26: 58)، أم بطرس ومرقس (مر 14: 51) أم بطرس ويوحنا (يو 18: 15، 16)؟ ولماذا وصف الإنجيل الشاهدين: "شَاهِدَا زُورٍ " (مت 26: 60) مع أنهم نطقا بما قاله السيد المسيح (يو 2: 19)؟ وهل هما اثنان بحسب متى أم قوم بحسب مرقس (مر 14: 57)؟ وهل يوحنا وهو حاضر المحاكمة لا علم له بشهود الزور؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- ما دام يسوع كان معروفًا لدى الجميع، يجلس معهم كل يوم في الهيكل ويعلمهم (مت 26: 55) فما حاجتهم ليهوذا ليعرفهم به، إلاَّ إذا كان بإمكانه أن يغيّر شكله وملامحه وصورته حتى لا يعرفه أحد، كما حدث مع المجدلية وتلميذي عمواس..؟ يُسقِط الناقد ما بداخله على ما يقرأه، فمن منا قرأ الإنجيل ذات مرة وإستشف من بعيد أو قريب أن السيد المسيح كان يغيّر شكله وملامحه وصورته؟!!.. هذا لم يحدث قط، وإن كانت المجدلية لم تتعرَّف عليه لأن المنظر الأخير الذي إنطبع في ذهنها هو الإنسان الذي مات وأسلم الروح بعد أن جاز في العذابات الرهيبة وميتة الصليب البشعة وكُفّن ودُفِن، فلم يخطر على بالها أن تجده في كامل صحته، كما أن أعينها التي كانت تفيض بالدموع لم تميز ملامحه، ولكن بمجرد أن سمعت اسمها من فمه الطاهر يناديها "يا مريم" للوقت انفتح ذهنها وعرفته، وهكذا تلميذي عمواس اللذان سار بجواره في وقت غروب الشمس، ولم يفكرا قط أنهما سيرانه ثانية، هذا النبي المقتدر في القول والفعل، ولكنه صُلب ومات ودُفِن، كما أن اللَّه شاء أن تُمسَك أعينهما عن معرفته حتى يأخذا الدرس كاملًا على مدار نحو ساعتين وهما يستمعان له وهو يتكلم عن آلامه وموته وقيامته من أسفار موسى الخمسة وجميع الأنبياء كبار وصغار.

والجنود الرومان واليهود والغوغاء الذي ذهبوا للقبض عليه لم يخطر بذهن أحدهم أن يسوع من الممكن أن يتخفى بتغيير شكله وملامحه وصورته، لأن هذا لم يحدث من قبل، لا مع يسوع ولا مع غيره عبر التاريخ، فأي إنسان تغير شكله وتغيَّرت ملامحه في لحظة؟!، وقد إصطحب هذا الجمع يهوذا معهم ليدلهم على مكانه لا أكثر، وربما الجنود الرومان لم يكونوا يعرفونه، وربما في ظلام الليل يصعب عليهم أن يتعرفوا على ملامحه، وعندما سألهم من تطلبون، فقالوا يسوع الناصري، فأعلن لهم عن ذاته قائلًا " أَنَا هُوَ".

 

2- كيف يهرب تلاميذه ويتركون معلمهم فريسة للأعداء؟ وهل هروبهم هذا يتفق مع عقيدتهم في المسيح أنه هو اللَّه الناصر المعين..؟ ومن قال أنه التلاميذ كانوا يعتقدون أن يسوع هو اللَّه الخالق، ضابط الكل، مالئ كل زمان ومكان، وبيده نسمة كل حي؟!.. لم يكن التلاميذ يدركون أن يسوع هو اللَّه، من بداية دعوتهم وحتى قيامة المسيح من الموت، ولو أدركوا أنهم يتعاملون مع اللَّه المتجسد ما كانوا يتحملون قط أن يأنسوا إليه ويفتحون له قلوبهم، ولعجزوا تمامًا عن الاقتراب منه لئلا يحترقوا بجمر اللاهوت. إذا كان موسى وقف متعجبًا مندهشًا من منظر الشجرة الخضراء التي تشتعل فيها النيران ولم تحترق، وقال أميل لأنظر هذا المنظر العجيب، فكم وكم النظر إلى اللَّه المتأنس. والسيد المسيح ذاته لم يكشف لهم عن طبيعته دفعة واحدة، وقَبِل منهم أن يقبلونه على أنه المسيا الذي سيُحرّرهم من حكم الرومان ويرفعهم فوق مستوى الأمم، وكان يكشف لهم عن ذاته شيئًا فشيئًا عن طريق معجزاته ولا سيما معجزات الخلق، وبدأ يكشف لهم سلطانه على الطبيعة والأسماك والنباتات والموت، ومعرفته بكل شيء. وفي الصلاة الوداعية كشف الكثير عن أسرار علاقته مع الآب السمائي، ومع كل هذا " حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّة" (مت 26: 31). وحتى هذه اللحظة لم يكن التلاميذ يتوقعون قط أن معلمهم سيؤخذ منهم في تلك الليلة، ويُحاكم دينيًا ومدنيًا ويُعلق على صليب العار، بل حتى هذه اللحظة كانوا ينتظرون منه أن يُعلن مُلكه، ولذلك تجدهم منذ ساعات قليلة يتجادلون عمن هو الأعظم فيهم في مملكة المسيح المتوقعة.

ولذلك عند القبض على السيد المسيح صُدِم التلاميذ وخافوا وارتعبوا لأن حبال الموت أحاطت بهم -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- فهربوا وشكُّوا في شخصية معلمهم.. تُرى هل هو المسيا المنتظر؟!، ولو كان هو المسيا فكيف قووا عليه وأوثقوه وقيدوه ولا بد أنهم سيحكمون عليه بالموت؟!!. ووصل بهم الشك إلى أنهم أنكروا عليه ليس الألوهية، بل حتى المسيانية، ولو أن أحدهم يؤمن ويعتقد أن هذا هو اللَّه المتجسد، ما كان يفارقه لحظة.

 

3- هل مضوا بيسوع من البستان إلى قيافا، أم أنهم مضوا به إلى حنان..؟ عندما قبض الجنود والغوغاء على يسوع قادوه الأول إلى حنان بحسب قول إنجيل يوحنا: "ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ وَالْقَائِدَ وَخُدَّامَ الْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلًا لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا الَّذِي كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَة" (يو 18: 12، 13). فقد تزوج قيافا من ابنة حنان التي رفضت أن تغادر قصر أبيها، فأقام قيافا مع زوجته في جناح من القصر، وحنان في جناح آخر، وبين الجناحين صالة متسعة خُصصت لاجتماعات السنهدريم، بعد أن أغلقت السلطات الرومانية مبنى السنهدريم الواقع جنوب قصر حنان، وقد حوى قصر حنان العديد من الحجرات المتسعة والصالات الفسيحة مما يدل على الغنى الفاحش، ويعد هذا القصر أهم مكان بالنسبة للإنسان اليهودي، بعد الهيكل، وإزدادت أهمية هذا القصر بسكنى كل من حنان وقيافا فيه. وكان حنان الرجل القوي الشخصية الواسع الحيلة، الذي يجمع كل خيوط اللعبة بين يديه، حتى بعد عزله من وظيفته، فكان الجميع يعمل له حسابًا، حتى بيلاطس البنطي، فلا تحدث صغيرة ولا كبيرة في أورشليم إلاَّ وحنّان صانعها، ولذلك عرضوا عليه يسوع أولًا قبل أن يذهبوا به إلى قيافا كنوع من الالتزام الأدبي، وقد سأله حنّان عن تلاميذه وتعاليمه، فأجابه يسوع بشجاعة قائلًا: له أنني كلمت العالم علانية، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء، لماذا تسألني أنا؟ أسأل الذين قد سمعوا؟ فاحتار حنان أمام هذه الشجاعة الفصيحة وقوة المحبة، حتى أن أحد الخدام أراد إنقاذ الموقف فلطم يسوع قائلًا له: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أما يسوع فقال له إن كنت تكلمت بالرديء فاشهد على الرديء، فهذا هو حقك وليس أكثر، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟ واللطمة التي وجهها هذا الخادم للرب يسوع هيَ في الحقيقة موجهة إلى حنان الذي عجز عن حفظ سلامة أسيره " وَكَانَ حَنَّانُ قَدْ أَرْسَلَهُ مُوثَقًا إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَة" (يو 18: 24).. أما القديس متى الذي عودنا على الاختصار فقد تجاوز محاكمة يسوع أمام حنان، لأنها محاكمة ليس لها صفة قانونية لأن حنان لم يكن رئيسًا رسميًا للكهنة، إنما رئيسًا سابقًا، وحدثنا القديس متى مباشرة عن محاكمة يسوع أمام قيافا قائلًا: "وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ" (مت 26: 57)، وأيضًا كل من القديس مرقس والقديس لوقا لم يذكر شيئًا عن محاكمة يسوع أمام حنان. وفي سنة 1900م عُثِر في حفريات "أبو الطور" كتابة: "يوسف بر قيافا" أي "يوسف الذي من عائلة قيافا" (راجع الخوري بولس الفغالي - إنجيل متى جـ 4 ص300).

وقد حُوكم السيد المسيح ثلاث محاكمات دينية وثلاث محاكمات مدنية، وتتمثل المحاكمات الدينية في:

1) محاكمته أمام حنان ليلة الجمعة.

2) محاكمته أمام قيافا والكتبة والشيوخ وبعض أعضاء السنهدريم ليلة الجمعة.

3) محاكمته أمام مجمع السنهدريم باكر الجمعة.

أما المحاكمات المدنية، فهيَ المحاكمة أمام بيلاطس البنطي ثم أمام هيرودس، ثم عودته لبيلاطس البنطي الذي حكم بموته صلبًا.

 

4- هل بطرس وحده الذي تبع يسوع (مت 26: 58)، أم بطرس ومرقس (مر 14: 51)، أم بطرس ويوحنا (يو 18: 15، 16)؟.. قلنا مرارًا وتكرارًا أن هناك قاعدة في الرياضيات وهيَ حيثما وُجِد اثنان وُجِد واحد بالضرورة. فإذا ذكر القديس متى أنه كان هناك مجنونان في كورة الجدريين أو أعميان في أريحا، وذكر مرقس ولوقا مجنون واحد، وهو الأكثر خطورة، أو أعمى واحد وهو الأكثر شهرة ودعاه مرقس بالاسم بارتيماوس بن تيماوس فلا يُعد هذا تناقضًا كما شرحنا ذلك من قبل (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ4 س303، س384) وفي حادثة القبض على السيد المسيح في البستان وقيادته إلى دار رئيس الكهنة، نلاحظ أن مرقس الرسول ذكر قصته، فهو كان الشاب الذي هرب عريانًا، فقال: "فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا. وَتَبِعَهُ شَابٌّ لاَبِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ. فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا" (مر 14: 50 - 52)، وقد حدث هذا في البستان، وقبل الوصول إلى دار رئيس الكهنة، إذًا لم يتبع القديس مرقس يسوع المسيح إلى المحاكمات - فلا يُوجد أي تعارض بين ما جاء في إنجيل مرقس وإنجيل متى. وأيضًا تبع بطرس السيد المسيح من بعيد: "وَكَانَ بُطْرُسُ قَدْ تَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَاخِلِ دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَكَانَ جَالِسًا بَيْنَ الْخُدَّامِ يَسْتَدْفِئُ عِنْدَ النَّارِ" (مر 14: 54) وذكر القديس يوحنا أنه توسط لبطرس ليدخل إلى داخل الدار: "وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ وَكَانَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ.. وَكَلَّمَ الْبَوَّابَةَ فَأَدْخَلَ بُطْرُسَ" (يو 18: 15، 16) فلا يُعد هذا تناقض مع ما ذكره القديس متى الذي لم يُنفي وجود يوحنا الحبيب في المشهد، فقد اكتفى القديس متى بالحديث عن إنكار بطرس الرسول، بل أنه لم يذكر سقوط الجنود الرومان وحرس الهيكل ورؤساء الكهنة أمام السيد المسيح، حتى لا يزيد من عدائهم للمسيحيين. ومما يُلفت الأنظار هنا محبة بطرس لمعلمه حتى أنه خاطر بحياته فبعد أن هرب عاد، وتتبع الموكب، ووصل بيت رئيس الكهنة.

 

5- لماذا وصف الإنجيل الشاهدين: "شَاهِدَا زُورٍ" مع أنهم نطقا بما قاله السيد المسيح؟ وهل هما اثنان بحسب متى أم قوم بحسب مرقس؟ وهل يوحنا وهو حاضر المحاكمة لا علم له بشهود الزور..؟ قال الإنجيل عن هذين الشاهدين: "وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ. وَقَالاَ هذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللَّهِ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيه" (مت 26: 60، 61)، وهما في الحقيقة شاهدي زور لأنهما لم يشهدا بالحق والأمانة، بل حوروا وغيروا وزورا في أقوال السيد المسيح، فعندما طلب اليهود منه أن يريهم آية: "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" (يو 2: 19):

1) لم يتحدث السيد المسيح عن هيكل أورشليم، إنما تحدث عن هيكل جسده الذي سيُعلّق على الصليب ويسلّم الروح، بينما إتهماه هذان الشاهدان بأنه قال: "إني أقدر أن أنقض هيكل اللَّه" وهو لم يذكر "هيكل اللَّه" قط في هذه المناسبة، ويقول القديس يوحنا: "وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِه" (يو 2: 21).

2) قال السيد المسيح لليهود " انْقُضُوا" أي انقضوا أنتم فهم الذين يريدون أن ينقضوا هذا الجسد، وهم الذين يفكرون في قتله، ولم يقل " إني أقدر أن أنقض" بحسب شهادة الزور، واقتنع اليهود بشهادتهم حتى أنه عندما عُلّق على الصليب: "وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ" (مت 27: 39، 40).

3) شاهدا الزور إتهما السيد المسيح بأنه قال: "إِنِّي أَنْقُضُ هذَا الْهَيْكَلَ الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِي آخَرَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِأَيَاد" (مر 14: 57)، وهو لم يقل " الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي" لأنه كان يتكلم عن هيكل جسده الذي لم يصنع بالأيادي، وهو قال عنه أنه: "وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ" أي أقيمه من الموت، أما هم فأتهموه كذبًا بأنه قال " أبنيه" (مت 26: 6) أو " أبني آخر" (مر 14: 58)، والأمر العجيب أن رؤساء الكهنة أنفسهم كانوا يفهمون هذه الحقيقة جيدًا، بدليل أنهم ذهبوا إلى بيلاطس يوم السبت قائلين له: "يَا سَيِّدُ قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ" (مت 27: 63).

وكان من المفروض أن رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب في مجمع السنهدريم أن يفحصوا الشهود ويتأكدوا من صدقهم وحُسن نواياهم، ونصت الشريعة أنه لو ثبت كذب الشهود فأنهم يحكمون عليهم بنفس العقوبة التي كانت ستُوقَّع على المتهم (تث 19: 16 - 19)، ولكن للأسف فإن هؤلاء القادة العميان كانوا يبحثون بأنفسهم عن شهود زور: "وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ. فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ لَمْ يَجِدُوا" (مت 26: 59، 60)، وهؤلاء القادة اجتمعوا ليلًا وهم يعلمون أن أحكام الشريعة وأحكام القضاء تُحرم المحاكمة التي قد يترتب عليها حكم إعدام ليلًا، واجتمعوا في فترة الأعياد ومن المعروف أن المحاكمات التي يترتب عليها حكم الإعدام لا تجرى في الأعياد، بل أن في عيد الفصح كان الوالي يطلق لهم أسيرًا من المحكوم عليه، وأصدروا الحكم بالموت في ذات الليلة مع أنه في الأحكام الخاصة بالإعدام كان النطق بالحكم يأتي في اليوم التالي. وما حافظوا عليه أن يكون هناك شاهدان حتى لو شهدا بالزور، لأن الشريعة تمنع صدور حكم بالإعدام على فم شاهد واحد: "كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَعَلَى فَمِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ. وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ لاَ يَشْهَدْ عَلَى نَفْسٍ لِلْمَوْتِ" (عد 35: 30)، ومع شهود الزور تحقَّقت نبؤة داود النبي: "لأَنَّهُ قَدْ قَامَ عَلَيَّ شُهُودُ زُورٍ وَنَافِثُ ظُلْمٍ" (مز 27: 12)، كما تحقَّقت نبؤة هوشع النبي: "أَنَا أَفْدِيهِمْ وَهُمْ تَكَلَّمُوا عَلَيَّ بِكَذِبٍ" (هو 7: 13).

وإن كان القديس متى حدد عددهم باثنين، بينما قال القديس مرقس: "ثُمَّ قَامَ قَوْمٌ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا قَائِلِينَ. نَحْنُ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ إِنّي أَنْقُضُ هذَا الْهَيْكَلَ.." (مر 14: 57، 58) ومن المعروف من الناحية اللغوية أنه يمكن أن نتحدث عن الاثنين بأسلوب الجمع، مثلما ما جاء في القرآن: "هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" (الحج 22: 19).. " فقال لها وللأرض أئتيًا طوعًا أو كرهًا قالتا آتينا طائعين" (فصلت 41: 11).. " فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ" (النمل 27: 45).

والقديس يوحنا، وقد حضر المحاكمات لم يذكر أقوال شهود الزور، فقد اكتفى بما ورد عنهما في إنجيل متى (مت 26: 60، 61) وإنجيل مرقس (مر 14: 57، 58)، وكثير مما ورد في الأناجيل الأزائية لم يذكره القديس يوحنا، وركز في إنجيله على ما لم يرد في الأناجيل الأزائية ولا سيما ما يدور حول ألوهية المسيح، حتى أنه انفرد بأحداث تمثل 92% من إنجيله لم تُذكر في الأناجيل الأخرى. فعدم ذكره بعض ما جاء في الأناجيل الأزائية لا يعني على الإطلاق أنه ينفي حدوثه، وعدم ذكره أقوال شهود الزور لا يعني أيضًا أنه لم يكن حاضرًا تلك المحاكمات، ويقول "القس صموئيل وهبه": "وفي رواية الإنجيلي يوحنا نلاحظ أن الكاتب قد أغفل الحديث عن المجمع، على الرغم من حقيقة أنه هو نفسه كان حاضرًا لجلسات المجمع وشاهد عيان على المحاكمة (انظر يو 18: 15). وهذا الإغفال ربما يرجع إلى أن يوحنا قد فهم من البداية أن القرار النهائي هو في يد رئيس الكهنة، وأن رئيس الكهنة قيافا كان ومن فترة يتحرك بنية العداوة تجاه المسيح، بل وقد قرَّر بالفعل التخلص منه (انظر يو 11: 49، 50) وبالتالي فإن دعوة المجمع للانعقاد لم يكن إلاَّ أمرًا شكليًا" (230).

وموضوع تكامل وتوافق الأناجيل أمر شغل ذهن الكنيسة منذ القدم، حتى أن القديس أُغسطينوس وضع في القرن الرابع الميلادي مؤلَّفًا أسماه "اتفاق الأناجيل" Hermony of the Gaspels "، وفي القرن التاسع عشر وضع القس سمعان كلهون (1804 - 1876م) كتابًا دعاه "اتفاق البشيرين".

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (230) صلاة المسيح في البستان والقبض عليه ص95.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/432.html