St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 426- هل ألقوا القبض على المسيح في بستان جثسيماني كقول متى (مت 26: 36)، أم في جبل الزيتون كقول لوقا (لو 22: 39)، أم في وادي قدرون كقول يوحنا (يو 18: 1)؟ ولماذا اصطحب السيد المسيح معه بطرس وابني زبدي فقط إلى مكان صلاته (مت 26: 37)؟ وكيف يحزن الإله ويبكي ويكتئب ويصرخ؟ ومن الذي حزن ناسوته أم لاهوته أم الثلاثة آلهة الذين لا ينفصلون طرفة عين؟ وألاَّ يثبت هذا بأسطع البراهين أن عيسى ليس إلهًا، لأن عوارض الحزن والخوف والجذع لا تليق بعزة اللَّه وقدسيته؟ وإن كان المسيح جاء برضاه ليفدي البشرية فلماذا صرخ لله لينقذه من موت الصليب (مت 26: 39)؟ وإن كان اللَّه قد أنقذه كقول بولس الرسول (عب 5: 7) فهو إذًا لم يُصلَب؟ وهل لو صُلِب المسيح ومات، فمعنى هذا أنه لم يكن ابن اللَّه؟

 

س426: هل ألقوا القبض على المسيح في بستان جثسيماني كقول متى (مت 26: 36)، أم في جبل الزيتون كقول لوقا (لو 22: 39)، أم في وادي قدرون كقول يوحنا (يو 18: 1)؟ ولماذا اصطحب السيد المسيح معه بطرس وابني زبدي فقط إلى مكان صلاته (مت 26: 37)؟ وكيف يحزن الإله ويبكي ويكتئب ويصرخ؟ ومن الذي حزن ناسوته أم لاهوته أم الثلاثة آلهة الذين لا ينفصلون طرفة عين؟ وألاَّ يثبت هذا بأسطع البراهين أن عيسى ليس إلهًا، لأن عوارض الحزن والخوف والجذع لا تليق بعزة اللَّه وقدسيته؟ وإن كان المسيح جاء برضاه ليفدي البشرية فلماذا صرخ لله لينقذه من موت الصليب (مت 26: 39)؟ وإن كان اللَّه قد أنقذه كقول بولس الرسول (عب 5: 7) فهو إذًا لم يُصلَب؟ وهل لو صُلِب المسيح ومات، فمعنى هذا أنه لم يكن ابن اللَّه؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- هل ألقوا القبض على المسيح في بستان جثسيماني كقول متى (مت 26: 36)، أم في جبل الزيتون كقول لوقا (لو 22: 39)، أم في وادي قدرون كقول يوحنا (يو 18: 1)؟.. كلمة "جثْسَيْمَانِي" كلمة آرامية تعني "معصرة الزيت" ويقع بستان جثسيماني شرق أورشليم وراء وادي قدرون قرب سفح جبل الزيتون (راجع قاموس الكتاب المقدَّس). وقال القديس متى: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي" (مت 26: 36)، ونفس المعنى تحدد في إنجيل مرقس، وجاء في إنجيل لوقا: "وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُون" (لو 22: 39)، وحيث أن طبيعة جثسيماني على سفح جبل الزيتون، إذًا إن قال القديس لوقا أن يسوع مضى إلى جبل الزيتون فقوله صحيح، وإن قال كل من متى ومرقس أنه ذهب إلى ضيعة تُدعى جثسيماني فهذا أيضًا صحيح، لأن البستان على سفح الجبل. وهل إذا سألت إنسانًا أين يسكن فقال لك في الإسكندرية تارة، وقال تارة أخرى في منطقة سيدي بشر بالإسكندرية شارع كذا رقم كذا، فهل يوجد تعارض بين القولين..؟ بلا شك، لا يوجد أدنى تعارض. ويقع " وَادِي قَدْرُونَ" في الطريق من أورشليم إلى بستان جثسيماني، وهذا ما ذكره يوحنا الإنجيلي في قوله: "وَخَرَجَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ " (يو 18: 1) وهذا البستان هو بستان جثسيماني، وقوله " عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ" أي مرورًا بوادي قدرون، فكل من متى ومرقس ذكر اسم البستان بالاسم (جثسيماني) وذكر يوحنا كلمة "بستان" دون أن يذكر اسمه، وذكر لوقا المكان الأشمل وهو جبل الزيتون.

وقارن الآباء بين بستان جنة عدن وبستان جثسيماني:

أ - في بستان عدن خدع الشيطان آدم الأول، وفي بستان جثسيماني رد السيد المسيح الضربة للشيطان إذ ظهر في صورة الضعف هذه.

ب - في بستان عدن سقط آدم في معصية اللَّه، وفي بستان جثسيماني أطاع المسيح الآب حتى الموت.

جـ - في بستان عدن بدأ شقاء البشرية وعبوديتها المُرة للشيطان، وفي بستان جثسيماني انتهى شقاء البشرية واستردت حريتها السليبة.

د - بخطية آدم طُردنا من بستان عدن، وأُغلق الباب، وبجهاد آدم الثاني فتح لنا اللَّه باب ملكوته السمائي.

 

ويقول "القس منسى يوحنا": "تعال بنا إذًا لندخل البستان ونتأمل في ذلك المنظر، فأننا لا نجده مفرحًا بل محزنًا. هناك تقع عيوننا على مشهد يجرح القلب ويذيب الفؤاد. هناك تبصر " آدم الجديد " في البستان يعمل لا لكي ينعم، كما كان آدم في جنة عدن، بل يجاهد ليحصل على الخلاص للبشر.

فما أعظم الفرق بين ذينك البستانين، فالأول توفرت فيه كل أسباب الراحة والسرور، والثاني أفعم بعلامات الحزن والكآبة. بستان خصب وبستان مجدب. بستان يستريح فيه المخلوق وبستان يتعب فيه الخالق. بستان ابتدأ فيه شقاء الإنسانية وبستان خرجت منه ينابيع السعادة لبني آدم. بستان فيه سقطنا وبستان فيه قمنا. بستان فيه دين آدم وبستان وفىَ يسوع عن دينه.

قال القديس أغسطينوس: "يالحكم اللَّه غير المُدرك. يخطئ الأثيم ويعاقب الكريم. يجرم الطالح ويُجلد الصالح. وما يرتكبه المنافق يتحمله الصديق وما يستقرضه العبد يدفعه الرب. وما يلقيه المخلوق يلقاه الخالق" (181).

 

2- لماذا اصطحب السيد المسيح معه بطرس وابني زبدي فقط إلى مكان صلاته..؟

أ - لأن بطرس أول من اعترف بلاهوته قائلًا: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه الْحَيِّ" (مت 16: 16).

ب - لأن هؤلاء الثلاثة هم الذين عاينوه وهو يقيم ابنة يايرس من الموت وكأنه يقيمها من النوم (مر 5: 37).

جـ - هؤلاء الثلاثة الذين عاينوا السيد المسيح في مجده على جبل التجلي وكان معهم موسى وإيليا (مت 17: 1).

د - هؤلاء الثلاثة أعلنوا استعدادهم للموت من أجل المسيح، فابني زبدي قال لهم يسوع: "أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا. قَالاَ لَهُ يَسْتَطِيعُ" (مت 20: 22)، وقال بطرس للسيد المسيح: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ" (مت 26: 35).

هـ - لأن الناموس إستلزم شهادة رجلين أو ثلاثة على كل حدث هام (تث 17: 6، مت 18: 16)، وهؤلاء الثلاثة رأوه وشهدوا أنه عانى من آلام نفسية لا حد لها.

 

3- كيف يحزن الإله ويبكي ويكتئب ويصرخ؟ ومن الذي حزن ناسوته أم لاهوته أم الثلاثة آلهة الذين لا ينفصلون طرفة عين؟ وألاَّ يُثبِت هذا بأسطع البراهين أن عيسى ليس إلهًا، لأن عوارض الحزن والخوف والجذع لا تليق بعزة اللَّه وقدسيته.

أ - اللاهوت منزَّه عن الحزن والبكاء والاكتئاب والصراخ، وعندما كان يجوع السيد المسيح أو يعطش أو يحزن أو يتألم، كان كل هذا بحسب الناسوت وليس بحسب اللاهوت -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- مع أن اللاهوت لم يفارق الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين، وهذا أمر معقول ومقبول، فعندما يجوع الإنسان أو يعطش أو يتألم فإن هذه الأمور تخص الجسد ولا تخص الروح. أما عن إتهام الناقد بأننا نعبد ثلاثة آلهة غير منفصلين، فهو إتهام غير حقيقي، وبكل تأكيد أن الناقد لم يجد سند كتابي يسنده في إتهامه هذا، لأنه لو وجد سندًا كتابيًا واحدًا يشتم منه أننا نعبد ثلاثة آلهة لأورده وأبرزه وتشدَّق به. بل أن الناقد عندما يتهمنا بالشرك فأنه يضع نفسه في إشكاليات لا يستطيع الفكاك منها، إذ كيف نكون مشركين والقرآن يشيد بإيماننا مرارًا وتكرارًا ويضعنا في مصاف المؤمنين من المسلمين واليهود: "الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة 62)؟!!. وإن كنا مشركين كيف يأمر القرآن أن نقيم أحكام الإنجيل: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (المائدة 47)؟!!.. وإن كنا من المشركين فكيف تزوج محمد من ماريا القبطية التي ظلت على ديانتها، ولذلك لم يقم لها مكانًا مع بقية زوجاته حول المسجد، بل كان مكان سكناها مستقلًا بعيدًا عن المسجد، وكان يأكل من طعامها، وهيَ الوحيدة التي أنجبت له إبراهيم؟!!.

ب - السيد المسيح ليس إلهًا مجردًا، بل كما أنه إله كامل فهو أيضًا إنسان كامل، فهو اللَّه الظاهر في الجسد " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يو 1: 14)، وبالرغم من اتحاد الطبيعة البشرية مع الطبيعة الإلهيَّة، ظل محتفظًا بخواص كلا الطبيعتين، بحسب الطبيعة البشرية هو في احتياج للطعام والشراب والراحة والنوم والصوم والصلاة، وقد فعل كل هذا بمقتضى الطبيعة البشرية، فقد اتخذ لنفسه طبيعة بشرية كاملة، جسدًا بشريًا، روحًا بشرية، ونفسًا بشرية، والنفس البشرية مركز المشاعر، ولذلك قال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا".

ويقول "متى هنري": "أخبرهم بحقيقة الحال " نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ ".. هنا يخبرهم المسيح:

1) عن مركز الحزن. كانت نفسه هيَ الحزينة، وهذا برهان على أن السيد المسيح كانت له نفس بشرية، لأنه تألم لا في جسده فقط بل في نفسه أيضًا. أننا قد أخطأنا ضد أجسادنا وضد نفوسنا. لقد استعملت الأجساد والنفوس في الخطية، ولقد أسئ إلى الأجساد والنفوس بالخطية، ولهذا تألم المسيح عن النفس والجسد.

2) عن درجة الحزن " حَزِينَةٌ جِدًّا " أو " محاطة بالحزن من كل ناحية " كما يُفهَم من النص اليوناني. كان الحزن بالغًا أقصى درجاته " حَتَّى الْمَوْتِ ". كان حزنًا قاتلًا، كان حزنًا، إن تحمله أي إنسان، فلا بد أن يموت. كان مستعدًا أن يموت من الحزن. كانت الأحزان أحزان الموت.

3) عن مدة الحزن، نفسي حزينة جدًا طالما كانت في هذا الجسد، ولن أرى مناصًا من الحزن إلاَّ الموت. لقد بدأ وقتئذ يحزن، ولم يكف عن الحزن إلاَّ وقت أن قال " قَدْ أُكْمِلَ". لقد أكمل الحزن الذي بدأ في البستان. لقد تُنبئ عن المسيح بأن يكون " رَجُلُ أَوْجَاعٍ (أحزان) وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ " (إش 53: 3). وهكذا كان كل الأيام التي عاشها على الأرض، لم نقرأ عنه مرة أنه ضحك على أن أحزاننا كلها لا تقارن بهذا الحزن"(182).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": "إذ صار إنسانًا حقيقيًا كان لا بد لنفسه أن تضطرب أمام سحابة الآلام التي تحيط به. ولعله رأى خلال هذه السحابة خطايا البشرية كلها قد ظهرت أمامه لكي يحملها على كتفه، مقدمًا نفسه ذبيحة عن خطايانا"(183).

جـ - قصة حزن وبكاء وإكتئاب وصراخ يسوع في البستان ستظل قدس أقداس آلام الفادي، فها نحن نقف على أرض مقدَّسة نتطلع في وجل وخوف وتقوى وخشوع ووقار شديد إلى ذاك القدوس البار الطاهر، الذي كان عليه أن يواجه دينونة ونقمة العدل الإلهي.. الذي لم يعرف خطية قد صار خطية لأجلنا، وكان عليه أن يحمل اللعنة عوضًا عنا: "لأَنِّي مِنْ أَجْلِكَ احْتَمَلْتُ الْعَارَ. غَطَّى الْخَجَلُ وَجْهِي. صِرْتُ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ إِخْوَتِي وَغَرِيبًا عِنْدَ بَنِي أُمِّي" (مز 69: 7، 8).. " أَمَا إِلَيْكُمْ يَا جَمِيعَ عَابِرِي الطَّرِيقِ. تَطَلَّعُوا وَانْظُرُوا إِنْ كَانَ حُزْنٌ مِثْلُ حُزْنِي " (مرا 1: 12).. " وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْض" (لو 22: 44)، فقد تعرَّض السيد المسيح لضغوط نفسية رهيبة: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللَّهِ فِيه" (2 كو 5: 21)، وهذه الضغوط النفسية أدت إلى إنفجار الشعيرات الدموية الموجودة تحت الجلد، فتقاطر الدم مع العرق، وصار عرقه كقطرات دم، وهذه حالة طبية نادرة الحدوث.. أنه راعي الخراف الأعظم، الذي يضع نفسه عوضًا عن خرافه، ويبذل نفسه عن أحبائه.. يا لهذا الحب العظيم، ومن يستطيع أن يُعبّر عنه؟!!.. انظروه وهو يطلب من تلاميذه: "اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي" (مت 26: 38)، لم يقل لهم صلوا من أجلي أو صلوا عني، لأنه مكتوب: "قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ" (إش 63: 3).. لقد حمل تلك الآلام الكفارية وحده: "فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللَّهِ" (1 بط 3: 18).

 

4- إن كان المسيح جاء برضاه ليفدي البشرية فلماذا صرخ للَّه لينقذه من موت الصليب (مت 26: 39)؟ وإن كان اللَّه قد أنقذه كقول بولس الرسول (عب 5: 7) فهو إذًا لم يُصلَب..؟ ما جاز فيه السيد المسيح من آلام نفسية عاصفة تثبت إنسانيته، فهو ليس إلهًا مجردًا، إنما هو اللَّه المتجسد المتأنس من أجل خلاص جنس البشر، وقد صلى السيد المسيح بصراخ شديد كقول بولس الرسول: "الَّذِي فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ " (عب 5: 7)، فصراخه كان ناجمًا من جبال الخطايا والآثام التي لاحت أمام عينيه، وكان عليه أن يحمل عقاب جميع خطايا العالم في كل زمان ومكان، ولهذا قال: "اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ" (يو 12: 27)، وفي البستان قال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْت" (مت 26: 38) أن الآلام النفسية التي جاز فيها في البستان، وهيَ آلام نفسية فقط وليست جسدية، لأنه إلى هذه اللحظة لم يتعرَّض للإيذاء البدني، كانت كافية بالقضاء عليه.. كم كان حزنه من أجل ما آلت إليه البشرية من فساد
(رو 5: 12، 8: 22)، وحزنه من أجل بشاعة الخطايا التي كان ينبغي أن يحملها وهو الطاهر القدوس: "
مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا.. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 5، 6)، وحزنه لأجل الجحود، إذ جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله، ورؤساء كهنته حكموا عليه ظلمًا وسلموه إلى بيلاطس ليصلبه، وحزنه من أجل يهوذا الذي خانه ومن أجل بطرس الذي أنكره، ومن أجل تلاميذه الأخصاء الذي شكُّوا فيه، وحزنه من أجل الذين جال يصنع لهم خيرًا وهم سيهتفون ضده: "اصْلِبْهُ اصْلِبْهُ". ويقول "وليم ماكدونالد": "فمن المؤكد أن هذا الحزن كان ناتجًا عن الهيجان العميق الذي ألمَّ بنفسه القدوسة وهو ينتظر صيرورته ذبيحة خطية من أجلنا. فنحن الخطاة عاجزون عن إدراك معنى أن يصير الذي لم يعرف الخطية خطيئة لأجلنا (2 كو 5: 21)" (184).

تصوَّر يا صديقي كيف كان يحمل هذا الحمل الذي بلا عيب، كل خطايا العالم، فيظهر وكأنه قاتل زاني فاسق سكير عربيد خائن كذاب متكبر أناني.. إلخ فكم يكون حزنه؟ وكم يكون صراخه؟!! ألم يتحد بالطبيعة البشرية النقية التي تنفر وتشمئز من هذه الخطايا وتلك الآثام.. حقًا لقد تجمعت وتشابكت كل خطايا البشرية منذ بداية سقوط البشرية وحتى نهاية الأيام، ووضعت عصارتها في كأس، وكان على القدوس الطاهر أن يتجرَّعها حتى الثمالة، ويقول "وليم باركلي": "لقد حزن المسيح واكتئب وصلى وهو يخوض معركة الألم أمام شبح الصليب الرهيب. لكي يلتقي الإنسان بالموت، فهذا أمر ليس مقبولًا على الإطلاق، وأن يموت في عنفوان شبابه أمر بغيض، وأن يموت على الصليب أمر قاسي.. لقد كان الصليب يعني أحمال البشرية وذنوبها وعارها منذ بدء الخليقة وإلى نهاية الأجيال. وكما قال المرنم بروح النبؤة {الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ}. لقد كان الصليب أكثر من ميتة قاسية مُرَّة، لقد كان يعني العار والخزي واحتجاب وجه الآب" (شرح بشارة يوحنا جـ 2 ص255) (185).

ولم يكن صراخ المسيح في البستان محاولة للاستعفاء من الصلب والموت بدليل أن بطرس عندما نهاه عن الصليب، قال له السيد المسيح: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (مت 16: 23)، وقال السيد المسيح: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَاف" (يو 10: 11)، وعندما اقتربت الجموع لتقبض عليه لم يخف ولم يرتعب إنما سار نحو موكب الموت بخطى ثابتة: "خَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ مَنْ تَطْلُبُونَ؟ أَجَابُوهُ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ. قَالَ لَهمْ أَنَا هُوَ" (يو 18: 4، 5) فسقطوا على وجوههم، وهو لم يهرب، بل ظل ثابتًا رابط الجأش، فانتظرهم حتى نهضوا وسلم لهم ذاته بعد أن اشترط عليهم أن يطلقوا تلاميذه (يو 18: 6 - 8) وتحقق قوله عن نفسه: "أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي" (يو 10: 18). وشهد بشجاعته "بيلاطس البنطي" في الرسالة الثانية والعشرين لمعلمه سينيكا، حيث قال: ".. وكانت إجابات يسوع المقتضبة تُفيد أنه يعلم أننا راغبون في إلصاق التهمة به، وكان يتكلم في جرأة بالغة ودون أدنى خوف أو إضطراب.. ورغم أنه كان يرى نفسه مُحاطًا بأعداء قد أعدوا العدة لقتله، رغم هذا كان يقف صامدًا جامدًا كالصخر لا يلين.." (186).

ويقول "القس منسى يوحنا": "أتى ليموت فكيف يُريد التخلص من الموت؟ لقد جاء إلى الصليب فكيف يرغب أن يفلت منه..؟ لقد أعطانا أنموذجًا حسنًا نتصرف به في ضيقاتنا. فهو إذًا لم يتنحى بل أراد بذلك أن يعلمنا درسًا هامًا.. لم يكن يسوع إذًا في طلبه من أبيه خائفًا من أمر غير منتظر، بل قد مرت به جميع مناظر الصليب واجتازها بالثبات المهيب عالمًا أنه ينبغي أن يكون هكذا.. أن يسوع لم يضل الطريق بل سار بثبات إلى غرضه، فلم يكن فريسة الصدفة بل كان في كل خطوة يخطوها يعمل شيئًا أُنبئ به سابقًا، شيئًا حتمته مشيئة اللَّه وجعلته أمرًا ضروري الوقوع.." (187).

وقبول السيد المسيح الصليب بفرح وسرور لا يتعارض مع ما في الصليب من حزن ومرارة وألم وكآبة، فيقول "عوض سمعان": "من الناحية الناسوتية كان يحس بالألم كما نحس به نحن، ومن ثم كان يأبى عليه طهره الفائق أن تحسب عليه خطايانا، ومركزه الرفيع أن ينحني ليحمل في نفسه قضاءها وعقوبتها، ومجده العظيم أن تحل به لعنتها وفضيحتها، وإحساسه الرقيق أن يذوق مرارتها التي تفوق العلقم بما لا يُقاس. ولكن لأنه لا يمكن أن يتمجد اللَّه ويخلص الناس دون تجرُّع المسيح لكأس الصليب، لذلك فأنه بسبب كماله المُطلّق أيضًا رضى بها عن طيب خاطر إتمامًا لمشيئة اللَّه الصالحة..

ومن جهة تسليم المسيح الأمر لإرادة الآب، فليس دليلًا على قبولها مرغمًا، بل دليلًا على أنه جعل إرادته الإنسانية بما لها من مطالب خاصة، طبق الأصل من إرادة الآب" (188).

وقال بولس الرسول أن اللَّه سمع لصراخ السيد المسيح لأجل تقواه.. فما معنى " سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ"..؟ المعنى الأول لهذه العبارة أن الحزن كاد يقضي على السيد المسيح وهو في البستان قبل أن يكمل ذبيحته على الصليب، فوهبه اللَّه قدرة تسنده حتى يستكمل مشوار الصليب حتى النهاية (راجع كتابنا: أسئلة حول الصليب من س24 ص268، 269)، وأرسل له ملاكًا ليقويه أي ليسبحه قائلًا له: لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين يا عمانوئيل إلهنا وملكنا.. والمعنى الثاني لهذه العبارة أن اللَّه سمع له أي أقامه من الأموات منتصرًا وقد أحرز النصرة على الموت والخطية والشيطان. والذي يحتج بعبارة بولس الرسول " وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" لينكر صلب المسيح، لماذا لم يسأل نفسه ما هو اعتقاد بولس الرسول في الصليب؟!!.. هل يجرؤ ويقول أن بولس لم يعتقد بصلب المسيح؟!!.. وما هو تعليله لمحبة وافتخار بولس الرسول بالصليب:

† " مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل 2: 20).

† " فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل 6: 14).

† " وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ رَبَّنَا يَسُوعَ بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ" (عب 13: 20).

وللمزيد من الإجابة على هذه التساؤلاءت يُرجى الرجوع إلى كتابنا "أسئلة حول الصليب".

 

5- هل لو صُلِب المسيح ومات، فمعنى هذا أنه لم يكن ابن اللَّه..؟ لو قلنا أن اللاهوت هو الذي مات لكان يحق للناقد تساؤله، ولكننا قلنا مرارًا وتكرارًا أن جميع الآلام التي جاز فيها السيد وموته على الصليب كان خاصًا بالطبيعة البشرية، أما اللاهوت فهو منزَّه تمامًا عن الألم والموت، ولهذا إتخذ الكلمة الذي لا يموت جسدًا قابلًا للموت، ليموت نيابة عنا. يقول "القديس أغناطيوس الأنطاكي": "نحن نؤمن أن اللَّه تألم بالجسد كالإنسان، وهو غير متألم كالإله، وذاق الموت بالجسد وهو غير مائت كالإله. فإذا سمعت أن اللَّه تألم عنا وأن المسيح اللَّه الكلمة مات لأجلنا، فافهم أننا نؤصّل الطبائع إلى وحدانية اللاهوت والناسوت، ونسميها بهذا الاسم الواحد اللائق باللَّه، كما أنك أنت أيضًا طبيعتين هيَ نفس (روح) وجسد، وتُسمى بهذا الاسم الواحد اللائق بالإنسان، ونفسك غير مائتة بالطبع.. حقًا وُلِد المسيح، نما حقًا، أكل وشرب حقًا، صُلب حقًا، تألم ومات وقُبر، وقام من الأموات. من آمن بهذا أنه هكذا فهو مغبوط، ومن أذدرى بهذا فهو غريب عن الحياة المغبوطة" (189).

ويقول "القديس كيرلس الكبير": "نحن يا سادة نؤمن بالاتحاد بين الكلمة والناسوت، ونرى أن الآلام تخص الناسوت، ولكنه غير قابل للألم كإله. وإن كان قد تجسَّد وصار مثلنا إلآَّ أننا نعترف بألوهيته ومجده الفائق وعطاياه الإلهيَّة.. هو نفسه إله متأنس، والآلام تخص الناسوت أي تخصه هو، لكن من حيث هو إله هو غير قابل للآلام، هذا هو الاعتقاد الصحيح الذي يجعلنا أتقياء، وهيَ هيَ تعاليم الأرثوذكسية التي تجعلنا نتقدم وننمو" (190).

ويقول "البابا أثناسيوس الرسولي": "فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يقضي على فساد البشرية بأي طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت، ولهذا إتخذ لنفسه جسدًا قابلًا للموت حتى أنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به.. لذلك قدم للموت ذلك الجسد الذي إتخذه لنفسه كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فأنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر" (191).

كما يقول "البابا أثناسيوس الرسولي" أيضًا: "أنا أعرفه أنه إله بالحقيقة من السماء غير متألم، وأنا أعرفه أنه من زرع داود بالجسد الناسوتي من الأرض المتألم، ولا أسأل بأي مثال هو متألم وغير متألم، هذا هو الواحد فقط هو اللَّه وهو إنسان" (192).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (181) يسوع المصلوب ط 1987 ص20، 21.

 (182) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ2 ص431، 432.

(183) تفسير إنجيل يوحنا جـ2 ص844.

 (184) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ 1 ص167.

 (185) أورده د. فريز صموئيل - موت المسيح بين الحقيقة والإفتراء ص48 - 49.

(186) رسائل من بيلاطس البنطي إلى سينيكا - نقلها عن الإنجليزية جاد المنفلوطي ص106.

(187) يسوع المصلوب ص22، 23.

 (188) كفارة المسيح ص202.

 (189) اعترافات الآباء - طبعة دير المحرق 2002م ص24، 25.

(190) شرح تجسد الابن الوحيد ص70.

(191) تجسد الكلمة (9: 11) ترجمة د. جوزيف موريس فلتس ص23، 24.

(192) اعترافات الآباء ص49.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/426.html