St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 356- ما المقصود بتقاليد الشيوخ (مت 15: 2)؟ وهل هيَ التقاليد الكنسية؟ ولماذا لم يغسل التلاميذ أيديهم قبل الأكل (مت 15: 2) ما دام غسل الأيدي تقليد حميد؟ وكيف يشيد السيد المسيح بوصية إكرام الوالدين (مت 15: 4) بينما قال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ.. فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26)؟ ومن الذي قال: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ " هل هو اللَّه (مت 15: 4) أم " مُوسَى" (مر 7: 10)؟

 

س356: ما المقصود بتقاليد الشيوخ (مت 15: 2)؟ وهل هيَ التقاليد الكنسية؟ ولماذا لم يغسل التلاميذ أيديهم قبل الأكل (مت 15: 2) ما دام غسل الأيدي تقليد حميد؟ وكيف يشيد السيد المسيح بوصية إكرام الوالدين (مت 15: 4) بينما قال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ.. فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26)؟ ومن الذي قال: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ " هل هو اللَّه (مت 15: 4) أم " مُوسَى" (مر 7: 10)؟ (راجع علاء أبو بكر - البهريز جـ 2 س423 ص 412، جـ 4 س367 ص 409، 410، س202 ص 194، ودكتورة سارة بنت حامد - التحريف والتناقض في الأناجيل الأربعة ص248، 249).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ اعتقد اليهود باستثناء الصدوقيين أن اللَّه أعطى موسى نوعين من الشريعة، أحدهما مكتوبة والأخرى شفاهًا، والشريعة الشفاهية سلمها موسى لتلميذه يشوع الذي سلمها للقضاة، والقضاة للأنبياء، وفي قولهم بالشريعة الشفهية اعتمدوا على ما جاء في سفر التثنية: "فَتَعْمَلُ حَسَبَ الأَمْرِ الَّذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ مِنْ ذلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ وَتَحْرِصُ أَنْ تَعْمَلَ حَسَبَ كُلِّ مَا يُعَلِّمُونَكَ" (تث 17: 10).. وبعد العودة من السبي بدأ المعلمون اليهود يجمعون التقاليد التي تخص الحياة اليومية وزادوا عليها، والحقيقة أن ليست جميع هذه التقاليد سيئة: "وكثير من هذه التقاليد لم يكن سيئًا في ذاته، فبعض التقاليد الدينية قد تثري الحياة وتضفي عليها معنى" (955). ولكن هذه التقاليد في مجملها كانت تفسيرات عثرة وجائرة على روح الشريعة فأثقلت كاهل الإنسان. انظر إلى الشروط العديدة التي وضعوها لحفظ السبت، وقال "الربي يوسيس": "إن الأكل بأيد غير مغسولة خطية عظيمة كخطية الزنا" (956). وحفظ اليهود ولا سيما الفريسيين هذه التقاليد الشفهية في القرن الأول الميلادي، ولذلك طالما وقفوا في وجه السيد المسيح متصوّرين أنه بعمل الخير كان يكسر السبت، وفي سنة 200م بدأت هذه التقاليد التي هاجمها السيد المسيح تُجمع في كتاب "المشناه" و"التلمود".

 

2ــ التقليد الكنسي يختلف تمامًا عن تقليد الشيوخ، فالتقليد الكنسي أقدم من أسفار العهد الجديد، فالأناجيل كُتبت بعد القيامة بنحو ربع قرن، كان الرسل ملأوا العالم كرازة وأسَّسوا كنائس مستقرة لها طقوسها وتقاليدها ومنهجها الروحي، ثم تحوَّل جزء من التقليد الشفاهي إلى الأناجيل المكتوبة الأربعة التي قبلتها الكنيسة بينما رفضت عشرات الأناجيل أبوكريفا التي لا تتفق مع التقليد السائد بين المؤمنين، والتقليد الكنسي لا يعارض الإنجيل إنما يتمشى مع روح الإنجيل، فأي تقليد يتعارض مع الإنجيل المقدس فهو مرفوض، وأسفار العهد الجديد أيدت التقليد المسيحي فأشارت إليه مرارًا وتكرارًا تحت اسم "تقليد" أو "تعليم" أو "تقليدات" أو "تعليمات" فعلى سبيل المثال:

(1) " وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا" (رو 6: 17).

(2) " فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِـي كُلـِّ شَيْءٍ وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ" (1 كو 11: 2).

(3) " وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا" (1 كو 11: 34).

(4) " وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ وَتَسَلَّمْتُمُوهُ وَسَمِعْتُمُوهُ وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ فَهذَا افْعَلُوا" (في 4: 9).

(5) " ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2 تس 3: 6).

(6) " يَاتِيمُوثَاوُسُ احْفَظِ الْوَدِيعَةَ مُعْرِضًا عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ" (1 تي 6: 20).

(7) " وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2 تي 2: 2).

(8) " وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ تَبِعْتَ تَعْلِيمِي وَسِيرَتِي وَقَصْدِي وَإِيمَانِي وَأَنَاتِي وَمَحَبَّتِي وَصَبْرِي" (2 تي 3: 10).

(9) " وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ" (2 تي 3: 14).

(10) " إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُنَا كَامِلًا" (2 يو 12).

(11) " وَكَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَهُ لكِنَّنِي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِحِبْرٍ وَقَلَمٍ.وَلكِنَّنِي أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ عَنْ قَرِيبٍ فَنَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ" (3 يو 13، 14).

أما تقليد الشيوخ فقد دعاه بولس الرسول بتقليدات الناس وحذرنا منه: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ" (كو 2: 8).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": "في دراستنا للتقليد رأينا تمييزًا واضحًا بين نوعين من التقليد:

أولًا: تقليد هو وصايا الناس، يتعارض مع الوصية الإلهيَّة لهدف أو آخر، كالمثال الذي قدمه السيد المسيح. فلأجل المنفعة الشخصية وضع قادة اليهود وصية تحمل مظهر العطاء الظاهري وتُخفي كسر للناموس الإلهي. كأن يستطيع الابن أن يحرم والديه من حقوقهما فلا يعولهما بحجة أن ما يدفعه لهما يقدمه قربانًا للَّه، فيكسر وصية إكرام الوالدين..

ثانيًا: تقليد حي حفظ لنا أسفار العهد القديم وقدم لنا تفسيرًا لنصوصها، كما أعلن لنا الحياة مع اللَّه خلاف العبادة والسلوك، وحفظ لنا بعض المعرفة شفاهة أو كتابة. الأمر الذي يرفضه العهد الجديد، لأنه غير مخالف للوصية الإلهية بل خادم لها، وقد استخدمه العهد الجديد نفسه، نذكر على سبيل المثال:

أ - عند التقليد اليهودي عرف الرسول بولس اسمي الساحرين المقاومين لموسى النبي (2 تي 3: 8).

ب - عنه نقل يهوذا الرسول مخاصمة ميخائيل رئيس الملائكة إبليس مُحاجًا عن جسد موسى بروح متواضع بغير إفتراء (يه 9).

جـ - ذكر العهد الجديد ما ورد في التقليد اليهودي أن إستلام الشريعة كان بيد ملائكة.

د - في أكثر من موضع أكد الرسول بولس ضرورة الإهتمام بالتقليد، أو التسليم (1 كو 11: 34، 2 تي 1: 5، 2 تس 3: 6)" (957).

وقد سبق مناقشة موضوع النقد الكتابي وإنكار التقليد، وأجبنا على التساؤل الهام: هل الكتاب المقدَّس وحده "Sola Scriptura" يكفي؟ فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم - مقدمة (1) من س50 - س51 - س52 - س53.

 

3ــ غسل الأيدي قبل الأكل عادة صحية ونوع من النظافة العامة، ولكن هؤلاء الكتبة والفريسيون قد جاءوا من أورشليم للجليل لكي يراقبوا تعاليم المسيح وتصرفاته ليمسكوا عليه أي خطأ، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فهؤلاء الكتبة الذين أؤتمنوا على كلمة اللَّه، والفريسيون الذين أؤتمنوا على تفسير كلمة اللَّه، عندما جاء المسيح كلمة اللَّه متجسدًا قاوموه بشدة، وقد جاءوا من أورشليم التي قال عنها إشعياء النبي: "كَيْفَ صَارَتِ الْقَرْيَةُ الأَمِينَةُ زَانِيَةً" (إش 1: 21).. أورشليم النبع الصافي صارت مستنقعًا كريهًا للزنى الروحي، وعندما سألوه " لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا" (مت 15: 2) لم يقصدوا الاغتسال كعادة صحية يجب الإلتزام بها، إنما كانوا يقصدون الاغتسال كتقليد تسلموه من الشيوخ يجب أن يُتبع للتطهير لئلا يكونوا قد سلَّموا على أحد من الأمميين فتنجسوا، ويقول "القس بيشوي فؤاد" عن هذا الاغتسال: "لم يكن يتم بهدف صحي، وإنما كإجراء طقسي، وبهدف التطهير لئلا يكونوا قد تنجسوا من الأمم، وكان يتم بطريقة حرفية متزمتة متشددة كالآتي:

ــ حُدّدت أقل كمية لغسل الأيدي بما يملأ قشرة بيضة ونصف.

ــ ويوضع الماء في إناء حجري طاهر طقسيًا.

ــ ويُصب الماء في الكفين والأصابع مرتفعة إلى أعلى قليلًا، فينساب إلى أسفل الكفين إلى منتصف الذراع، ولا يجوز أن يرجع إلى الأصابع ثانية لئلا يعيد إليها النجاسة.

ــ ثم تخفيض الأيدي إلى أسفل ويُصب كمية أخرى من الماء إلى المعصمين، لينزل إلى الأصابع. وكان المعتقد أنه بدون ذلك، يملك الشخص روح نجس، ثم يُصاب بالفقر والهلاك" (958).

ويقول "دكتور وليم إدي": "فلهذا كان الاغتسال عندهم من ضروريات الدين، وكثيرًا ما مدحت كتبهم أحد الربانيين (الرابي أكيبا) بأنه حين سُجن ولم يُسمَح له من الماء إلاَّ ما يحتاج إلى شربه، اختار أن يموت عطشًا على أن يأكل بيدين غير مغسولتين.. المسيح لم يذم الغسيل ولكنه ذم فرضه شرعيًا، وأن اللَّه يُوجِبه، وهم جعلوه أسمى مما أُمر به في الشريعة" (959).

 

4ــ قال السيد المسيح: "فَإِنَّ اللَّه أَوْصَى قَائِلًا أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا" (مت 15: 4)، وهذا ما جاء في الوصية الخامسة من الوصايا العشر: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ" (خر 20: 12). كما جاء في سفر اللاويين: "كُلُّ إِنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْه" (لا 20: 9) (راجع أيضًا تث 27: 16، أم 20: 20، أف 6: 2). وعندما قال السيد المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26)، أي من يحب أي إنسان أكثر من محبته للَّه فلا يستحقه: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37)، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديدـ جـ3 س254، جـ4 س326.

والحقيقة أن اليهود كانوا يعبّرون عن المحبة الأقل وكأنها بغضة، فمثلًا عندما قال الكتاب: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ لَيْئَةَ مَكْرُوهَةٌ" (تك 29: 31) أي مكروهة من زوجها، بمعنى أن محبة يعقوب زوجها لراحيل كانت أكثر من محبته لها، فقد ذكر الكتاب عن يعقوب: "وَأَحَبَّ أَيْضًا رَاحِيلَ أَكْثَرَ مِنْ لَيْئَةَ" (تك 29: 30)، فيعقوب لم يكره ليئة ولكنه أحبها محبة أقل من محبته لراحيل، فقال عنها الكتاب أنها " مَكْرُوهَةٌ "، فمحبة يعقوب لليئة التي هيَ أقل من محبته لراحيل أُحتسبت بغضة، وعندما كان أحد الوثنيين يؤمن بالمسيحية كان أهله وأقاربه وأصدقاءه يعتبرونه أنه مبغضًا لهم، لأنه أحب المسيح أكثر من محبته لهم.

وجاء في "كتاب الهداية": "ومراد المسيح بذلك (لو 14: 26) أن محبة اللَّه يلزم أن تكون مقدَّمة على كل شيء في الدنيا بحيث لا تساويها ولا توازيها محبتنا للأب أو الأم أو الزوجة أو غيرها. وثانيًا: أن الواجب أن نفضل الإذعان للمولى سبحانه وتعالى على أي شيء غيره، فإذا كانت طاعة اللَّه تستلزم بغض الأنسباء والأقرباء وعدم الانقياد لغواياتهم وجب أن نخالفهم ولا نشاكلهم.. بل قد حث رسول الإسلام على إظهار العداوة والبغضاء للأهل واستشهد بما فعله إبراهيم والذين معه إذ قال أن إبراهيم تبرأ من أهله وأنسبائه وأقربائه، بل تمكنت بينهم العداوة والبغضاء كما هو صريح لفظ القرآن، فقال في (سورة الممتحنة 60: 4): "قدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " قال المفسرون فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة..

إذا كان الأب يدخل بيننا وبين عبادة خالقنا وجب نبذه ظهرنا فإن اللَّه هو خالقنا ورازقنا وحافظنا وبيده نسمة حياتنا ونحن له وليس لأنفسنا، وحقوقه علينا أهم وأعظم من حقوق الأب والأم والأخ والأولاد علينا، وهذا لا ينافي وجوب إكرام الوالدين، فالدين المسيحي يحضنا على إكرام الوالدين وتقديم الطاعة لهم، ولكنه يعلمنا في آن واحد أن إكرام الوالدين لا يجوز أن يعبث بحقوق خالقنا علينا أو يحول بيننا وبين محبتنا لخالقنا.

ورد في القرآن أن نفس الإنسان هيَ من أعدائه فقال أن النفس لأمارة بالسوء. وقال في القرآن: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 64: 14). وورد في الحديث ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك اللَّه في قتله وإن قتلك أدخلك الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وامرأتك التي تضاجعك وأولادك الذين من صُلبك قال الراغب الأصفهاني وجعل محمد هؤلاء أعداء الإنسان لما كانوا سببًا لإهلاكه الأخروي" (960).

ويرى "عباس محمود العقاد" إن السيد المسيح جاء بتعاليم تخالف تعاليم المجتمع وقضاء الأفكار السائدة، فمن يريد أن يسير في طريق المسيح عليه أن يقبل هذه التعاليم، فيقول: "نعم. وإن تهالكت أمم العالم على الطعام والشراب وقلق العيش فاطلبوا أنتم ما هو أفضل وأبقى.. أطلبوا كنوزًا لا تنفذ من سماواتها حيث لا تنالها يد السارق ولا يبليها السوس.. وعلى هذا الوجه يفهم السامع رسول الرحمة حيث يقول: "ما هو بقادر أن يكون لي تلميذًا من لا يقدر أن يبغض أباه وأمه وامرأته وبنيه وأخوته، بل يبغض نفسه ". " وما هو بقادر أن يكون لي تلميذًا من لا يقدر على أن يحمل صليبه ويتبعني في طريقي ".

قائل هذا هو القائل:

" أيها السامعون: أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيك. أدعوا لمن يسيئون إليكم. من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر، ومن أخذ رداءك فامنحه ثوبك، وكل من سألك فأعطه، ومن أخذ ما في يدك فلا تطالبه، وما تريدون أن يصنعه الناس لكم فاصنعوه لهم أنتم. وأي فضل لكم إن أقرضتم من يريدون قرضكم؟ إن الخطاة يقرضون من يقرضهم. بل تحبون أعداءكم وتحسنون وأنت لا ترجون أجركم..".

وقائل هذا هو القائل:

" إن أخطأ أخوك فوبخه. وإن تاب فاغفر له. وإن أخطأ إليك سبع مرات وتاب إليك سبع مرات فتقبل منه توبته ".

وهذا نقيض ذاك.

هذه الرحمة التي تعم الأعداء والأحباب نقيض البغضاء التي تشمل بها أحب الناس إلى الناس: الآباء والأمهات والأبناء وذوي الرحم والقربى.

أنهما تتناقضان غاية التناقض إلاَّ على وجه واحد، وهو توجيه النظر إلى قبلة غير القبلة ووجهة غير الوجهة، وغاية قصوى غير تلك الغاية القصوى التي نستدبرها. وإن إفترقت الطريقان وجب عليك أن تمضى هنا أو هناك، فلا جناح عليك أن تمضي حيث سددت خطاك ولو كرهت نفسك وحملت صليبك وإنقطعت عن ذويك.

وما من أحد يأبى أن يحب ذويه إذ يحبه ذووه إذ ساروا حيث سار واستقاموا معه حيث استقام وفليس عن هذا يجري الحديث ولا في هذا موضع للتضحية والتفضيل، وإنما يجري الحديث ويستمع النصح حيث يتعارض الطريقان ويتناقضان" (961).

 

5ــ كما قلنا مرارًا وتكرارًا أن كلمة اللَّه نتاج عمل إلهي بشري، فهيَ ذات طبيعة مزدوجة، طبيعة إلهية كاملة وطبيعة بشرية كاملة، ولا يمكن تقسيم الكتاب المقدَّس إلى أجزاء إلهيَّة وأخرى بشرية، أنها جميعًا إلهيَّة وبشرية في آن واحد، إلهيَّة لأنها كُتبت جميعها بوحي من الروح القدس، وبشرية لأنها كُتبت بأيدي البشر، فهيَ كلمة اللَّه التي عبرت بالذهن البشري، فاكتسبت ثقافة وعلم ولغة وشخصية الكاتب، ومن هنا إن دعونا السفر كلام اللَّه فهذا صحيح، وإن دعوناه بِاسم كاتبه إشعياء أو إرميا أو ملاخي، أو متى، أو لوقا فهذا صحيح أيضًا. وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد ــ مقدمة (1) س35، س38.

والوصايا العشر قد أعطاها اللَّه للإنسان عن طريق موسى النبي، فإن قال السيد المسيح " فَإِنَّ اللَّه أَوْصَى" (مت 15: 4) وإن قال: "لأَنَّ مُوسَى قَالَ" (مر 7: 10) فإن كلًا من القولين صحيح، اللَّه أوصى لأنه مصدر الوصايا، وموسى قال لأنه نقل وصايا اللَّه لنا. والرب يسوع نسب التوراة لموسى، ففي (يو 7: 22) نسب سفر التكوين لموسى، وفي (مر 7: 10) نسب سفر الخروج لموسى، وفي (مر 1: 44) نسب سفر اللاويين لموسى، وفي (يو 4: 14) نسب سفر العدد لموسى، وفي (يو 7: 19) نسب سفر التثنية لموسى النبي. ودُعيت الشريعة، وهيَ شريعة اللَّه بشريعة موسى في العهد القديم والجديد (راجع يش 1: 7، 8: 31، 23: 6، 2 مل 14: 6، عز 3: 2، 6: 18، نح 1: 7، 8: 1، دا 9: 13، ملا 4: 4، مر 12: 19، 26، يو 5: 46، لو 24: 27، يو 1: 45، أع 7: 38، 13: 39، 15: 21، 28: 13، رو 10: 5، 19، 1 كو 9: 9، 2 كو 3: 15، رؤ 15: 3، راجع مدارس النقد - عهد قديم - مقدمة (1) س28).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(955) التفسير التطبيقي ص1921.

(956) أورده متى هنري - ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص8.

(957) تفسير إنجيل متى ص343، 344.

(958) دراسة موسعة في إنجيل متى ص225.

(959) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ 1 شرح بشارة متى ص245.

(960) الهداية جـ 2 ص289، 290.

(961) حياة المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث ص123، 124.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/356.html