St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 326- كيف يكون المسيح هو ملك السلام ويدعو المؤمنين باسمه لصنع السلام، ثم يقول: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا" (مت 10: 34) كما يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37)؟

 

س326: كيف يكون المسيح هو ملك السلام ويدعو المؤمنين باسمه لصنع السلام، ثم يقول: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا" (مت 10: 34) كما يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37)؟ (راجع دكتور أحمد شلبي - مقارنة الأديان 2ــ المسيحية ص267، 268، ودكتور محمد توفيق صدقي - نظرة في كتب العهد الجديد وعقائد النصرانية ص144، 145، ونبيل نيقولا جورج - الأناجيل الأربعة لماذا لا يُعوَل عليها ص139، 140).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: قال السيد المسيح: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِه" (مت 10: 34 - 36). وقد سبق مناقشة هذا الأمر: كيف يكون المسيح ملك ورئيس السلام (إش 9: 6)، وهو السلام ذاته (أف 2: 14)، وقال: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّه يُدْعَوْنَ" (مت 5: 9) ثم يقول هنا أنه لم يأتِ ليُلقي سلامًا على الأرض بل سيفًا، وأوردنا سؤال الأديب الكبير توفيق الحكيم للبابا شنوده الثالث، ورد قداسته على التساؤل ردًا وافيًا كافيًا شافيًا، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - جـ3 ص254.

وللمزيد نقول نفس المعنى نجده في قول السيد المسيح: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ" (لو 12: 49)، بينما عندما طلب ابني زبدي منه أن تنزل نار من السماء لتفني أهل السامرة: "فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا. لأَنَّ ابْـنَ الإِنْسَـانِ لَـمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ" (لو 9: 55، 56). والحقيقة أن المسيحية في بداياتها كان بعض أفراد الأسرة يقبلون الكرازة بينما يرفض البعض الآخر، فالذين لم يؤمنوا كانوا يضطهدون الذين آمنوا، فيقع سيف الإضطهاد الذي تحدث عنه السيد المسيح من غير المؤمنين على المؤمنين.

وجاء في "الكتاب المقدَّس الدراسي": "صحيح أن المسيح جاء بالسلام سلام بين المؤمن واللَّه، وسلام بين البشر، غير أن النتيجة الحتمية لمجيء المسيح هيَ الصراع، صراع بين المسيح وضد المسيح، وبين الظلمة والنور، وبين أبناء المسيح وأبناء الشيطان يمكن أن يحدث هذا الصراع حتى بين أفراد العائلة الواحدة.. المقصود بالسيف أنه قد ينشأ خلاف حاد بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب إيمان بعضهم بالمسيح وعدم إيمان البعض الآخر" (839). فالخطأ ليس من المسيح رئيس السلام والداعي للسلام، ولا من الكارزين بملكوت اللَّه، فهم لم يلهبوا روح الصراع بين أفراد الأسرة الواحدة في البيت الواحد، ولكن الذي ألهب هذه الصراعات والانقسامات التعصب الأعمى للذين رفضوا الإيمان بالمسيح، فهم لم يؤمنوا ولم يدَعوا الذين آمنوا يعيشون في سلام. وكان على كل إنسان قَبِلَ الإيمان بالسيد المسيح أن يتخذ القرار الحاسم، فيتبع المسيح وينال الإكليل، أو يتراجع متمسكًا بأواصر الأخوة في الأسرة الواحدة، ويقول "وليم ماكدونالد": "لذلك سينبغى الاختيار بين المسيح والعائلة، ولن يُسمَح لربط الطبيعة أن تجعل تلميذ المسيح يحيد عن ولائه للرب، فينبغي أن يتقدم ليسوع المخلّص على الأب والأم والابن والابنة، فالضيق والنزاع والتغرب عن العائلة هيَ جميعًا تكاليف التلمذة. وغالبًا ما تكون هذه المعاداة أكثر مرارة من جميع المقاومات التي تواجه في سائر مجالات الحياة" (840).

فنتيجة إيمان بعض أفراد الأسرة: "يُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ وَالأَبُ وَلَدَهُ وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ" (مت 10: 21)، فهذه نتيجة طبيعية للتعصب الأعمى الذي يهزم المحبة الأخوية، ويقلب الحياة إلى موت، والسلام إلى سيف، فيفعل الإنسان ما لم تفعله الوحوش. حقًا أن محبة الوالدين والأخوة والأبناء والزوجة هيَ فضائل جليلة، ولكن إن كانت تقف عائقًا في تبعية المسيح فلا تُعد فضيلة بل رذيلة، لأنها تفصل الإنسان عن مصدر النور والحياة والحق، لذلك يجب أن يحتل الولاء للَّه، والثبات في عائلة اللَّه المركز الأول في حياة الإنسان، وهذا ما عبَّر عنه السيد المسيح قائلًا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 26) ومفهوم البغضة هنا المحبة الأقل، أي أن محبتنا للمسيح تفوق أي محبة أخرى. وكتبت الشهيدة بربتوا في يومياتها تقول: "جاءني والدي مع طفلي، اجتذبني إليه بحنان، وقال لي اذبحي للأوثان، اقبلي أن تنكري المسيح، ارحمي ابنك، وقال لي هيلاريون، النائب العام (في المحكمة): راعي أباكِ، راعي ابنك، اذبحي أمام تمثال الإمبراطور. أجبت: كلاَّ" (841).

 

ومن الأسباب التي أشهرت سيف الإضطهاد على المسيحيين عند نشأة المسيحية:

1ــ إيمان بعض اليهود بالمسيح، بينما اعتبره البعض الآخر ضالًا ومضلًا، فرجموا اسطفانوس، وفعل شاول ما فعل بالمسيحيين، وبعد إيمانه لاقى إضطهادًا مريرًا من اليهود، كما أثاروا ضده الحكام والأمم.

2ــ إيمان كثير من الوثنيين الذي هجروا معابدهم، وتركوا أسرهم بسبب الإضطهاد المرير الواقع عليهم، وراح الوثنيون يتهمون المسيحية بأنها تقود للتفكك الأسري وأنها ضد السلام الاجتماعي. كما أن الذين كانوا يتربحون من العبادات الوثنية مثل ديمتريوس والصنَّاع الذين معه في أفسس تأذوا في أرباحهم، فهاجوا ضد بولس وأعوانه، وشعر الحكام أيضًا أن ديانتهم في خطر، فحاولوا وقف الزحف المسيحي الذي دخل البيوت والقصور، وكتب "بليني" حاكم بثينية للإمبراطور تراجان (رسائل بليني) يخبره عن الإجراءات العنيفة التي إتخذها لوقف نمو المسيحية، حتى يعود للمعابد روادها واحتفالاتها ورونقها.

3ــ رفض المسيحيون تأليه الإمبراطور، فاتهمهم الأباطرة بالخيانة وعدم الولاء للإمبراطورية التي تحميهم من غزوات البربر، كما حامت الشكوك حول اجتماعات المسيحيين السرية في السراديب والمقابر والأماكن المهجورة، فأُتهموا بتدبير المؤامرات ضد الأباطرة والحكام، وأشاع البعض عنهم أنهم يذبحون الأطفال ويشربون دمائهم.

4ــ اعتبر المسيحيون العبيد بشر مثلهم مثل الأحرار، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وكان هذا ضد نظرة المجتمع للعبيد، حيث يعتبرون العبد آلة أو شيء وليس إنسانًا، وليس له أي حق من حقوق الإنسان، والسيد يفعل بعبيده ما يشأ، أما الكنيسة فقد أنصفت العبيد، فقال القديس أكليمنضس السكندري أن العبد إنسان مثلنا تمامًا ويجب أن نطبق عليه القانون الذهبي، وقال لأكتانتيوس أن العبيد أخوة لنا في الروح، واعتبر بولس أنسيموس العبد الهارب من سيده فليمون أنه ابنه، وصار أنسيموس أسقفًا في القرن الأول الميلادي، وصار كاليستوس وبيوس أساقفة في القرن الثاني الميلادي، وفي سنة 220م أعلن كاليستوس أنه يجوز للعبد المتحرّر الزواج من فتاة حرة، مع أن القانون الروماني لم يكن يعترف بمثل هذا الزواج، ونظرة الكنيسة للعبيد كانت ضد نظرة المجتمع لهم.

 

ولذلك كان من الطبيعي أن يضطهد المجتمع الإنسان المسيحي، وهذا لم يكن يمثل مفاجأة للإنسان المسيحي لأنه عرف ذلك مسبقًا، إذ قال السيد المسيح: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلكِنْ ثِقُوا أَنَا قَدْ غَلَبْــتُ الْعَالَــمَ" (يو 16: 33). ويقول "ماكولاي" J. C. Macaulay: "إننا نتشارك في احتمال البعض من العالم.. وينبغي ألا يتوقع خادم الرب أن يعامله العدو بشكل أفضل مما لقيه الرب نفسه. وإن لم يكن للعالم ما يقدمه ليسوع أفضل من الصليب، فلن يقدم عربة ملوكية لأتباعه، فإذا كانت له الأشواك فلن تكون لنا أكاليل الزهور.. إنما دعونا نحرص أن تكون بغضة العالم لنا حقًا "من أجل المسيح" وليس بسبب قباحات فينا أو أشياء لا تليق بالرب الكريم الذي نمثله" (842). وبينما كان المسيحيون يتأوهون تحت وطأة العذابات كان باب الإيمان يُفتح أمام المُضطهِدين، وثبات المسيحيون وتمسكهم بإيمانهم ورضائهم بكل ما يأتي عليهم من سيف المُضطهِدين فتح أعين المُضطهِدين على حقيقة الملكوت السمائي، ولم تكن محبة الإنسان المسيحي للمسيح يومًا تتعارض مع محبته للآخرين، بل أن محبة المسيح هيَ التي زرعت في قلب الإنسان محبة الجميع حتى الأعداء.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(839) الكتاب المقدَّس الدراسي ص2278، 2279.

(840) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - تفسير العهد الجديد جـ1 ص82.

(841) أورده الخوري بولس الفغالي - من القراءة إلى التأمل مع القديس متى ص56، 57.

(842) أورده وليم ماكدونالد - تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ1 ص78.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/326.html