St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 193- هل ولادة يسوع من عذراء بدون زرع بشر (مت 1: 23) ليست حقيقة، كقول "أدولف فون هارناك" Adolf Von Harnack، و"رودلف بولتمان" Rudolf Bultmann و"أميل برونر" E. Brunner، لأنها ضد العقل، ولم تذكر سوى في إنجيلين، وإن لم يكن يسوع بن يوسف بالطبيعة فلن يكون سليل داود وابن داود، كما أن كلمة "عذراء" التي اقتبسها متى الإنجيلي من الترجمة السبعينية جاءت في الأصل العبري "عَلْمَا" أي فتاة شابة؟

 

س193: هل ولادة يسوع من عذراء بدون زرع بشر (مت 1: 23) ليست حقيقة، كقول "أدولف فون هارناك" Adolf Von Harnack، و"رودلف بولتمان" Rudolf Bultmann و"أميل برونر" E. Brunner، لأنها ضد العقل، ولم تذكر سوى في إنجيلين، وإن لم يكن يسوع بن يوسف بالطبيعة فلن يكون سليل داود وابن داود، كما أن كلمة "عذراء" التي اقتبسها متى الإنجيلي من الترجمة السبعينية جاءت في الأصل العبري "عَلْمَا" أي فتاة شابة؟

وقال بعض النُقَّاد أن العهد الجديد أوضح أن يسوع هو ابن يوسف:

" هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ" (لو 2: 48).

" وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ وَيَقُولُونَ أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ" (لو 4: 22).

" وَقَالُوا أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ" (يو 6: 42).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: هذه البدعة قديمة، إذ نادى بها الأبيونيون وهم من أصل يهودي واعتنقوا المسيحية، وأنكروا الميلاد المعجزي للسيد المسيح بل أنكروا ألوهية المسيح، وإدَّعوا أنه وُلِد ولادة طبيعية من مريم ويوسف معتمدين في هذا على ترجمتي ثيؤدوسيون الأفسسي وأكويلا البنطي لنبؤة إشعياء (إش 7: 14) إلى فتاة صغيرة The young woman بدلًا من "عذراء" فجاءت الترجمة: "هوذا الفتاة تحبل وتلد ابنًا". فتصدت الكنيسة لهذه البدعة. وفي سنة 382م جاء "هيلفيدس" وجدَّد البدعة مدعيًا أن يسوع المسيح وُلِد ولادة طبيعية من أب وأم هما يوسف النجار ومريم وكتب كتابًا بهذا المعنى، ومع أن كتابه رُفِض وفقد لكن عُرِف محتواه من رد القديس جيروم عليه، وتبعه "جوفنياس" الذي مات نحو 405م وهو راهب مبتدع أيضًا حكم عليه القديس أمبروسيوس بالحرم، وكان قد أنكر سمو البتولية عن الزواج، وقال أن الصوم ليس أفضل من الأكل بشكر، ومن يقبل المعمودية بإيمان كامل لن يسقط في الخطية مطلقًا، وقد رد عليه القديس جيروم في كتابين، كما رد عليه أيضًا القديس أغسطينوس. وتبعهما "بونسيوس" أسقف Naissus بيوغسلافيا فحرمه مجمع كابوا Capua سنة 1391م (راجع القمص تادرس يعقوب - القديسة مريم في المفهوم الأرثوذكسي ص22) وعادت البدعة للظهور في بعض الفرق البروتستانتية من مؤسسي "مدرسة تاريخ الأديان" مثل "أدولف فون هارناك" (1851 - 1930م)، ومن مؤسسي "مدرسة نقد الشكل" مثل "رودلف بولتمان" (1884 - 1976م) (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س86، س87).

ولمثل هؤلاء يقول "القديس إيرينيؤس": "1ــ ولكن، أولئك الذين يؤكدون أنه كان مجرد إنسان، مولود من يوسف، فهم لا يزالون تحت عبودية العصيان القديم، وهم في حالة موت، ولم يرتبطوا بعد، بكلمة اللَّه الآب، ولا نالوا الحرية بالابن، كما يقول هو نفسه: " فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو 8: 36)، وهم إذ يجهلون ذاك الذي هو عمانوئيل من العذراء، يحرمون من عطيته التي هيَ الحياة الأبدية (رو 6: 23).. إذ يحتقرون تجسد كلمة اللَّه، يسلبون الطبيعة البشرية من نوال المجد في اللَّه، ويبرهنون أنهم غير شاكرين لكلمة اللَّه، الذي صار جسدًا لأجلهم" (ك 3 - ف 19: 1) (261).

ويقول "يوسابيوس القيصري": " إن اللَّه بالحقيقة تأنس، والرب نفسه خلصنا، معطيًا علامة العذراء، ولكن ليس كما يقول البعض ممن يتجرأون الآن على ترجمة الكتاب هكذا: هوذا شابة تحبل وتلد ابنًا (إش 7: 14) كما ترجمها ثيؤدوثيون الأفسسي وأكيلا البنطي، وهما من شيوخ اليهود. ويقول الأبيونيون الذين تبعوهما أنه وُلِد من يوسف" (ك 5 - ف 8: 10) (262).

 

وفيما يلي نعرض باختصار للحجج التي يعتمدون عليها في إنكارهم للميلاد المعجزي ليسوع المسيح:

 1ــ إن كان العقل لا يستوعب كيفية ولادة عذراء بدون زواج، ولاسيما أنها لم تحدث سوى مرة واحدة في التاريخ البشري وغير قابلة للتكرار على الإطلاق، فنحن نعلم أن العقل البشري قاصر، يسير بنا إلى حد معين ويعجز عن استكمال المسيرة، ولكن اللَّه أعطانا الإيمان الذي يستكمل معنا المسيرة للسماء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. نحن بعقولنا لا ندرك كيف تكون عذراء، وأم في آن واحد!!! لكننا نؤمن أن اللَّه إلهنا قادر على كل شيء، وأن كل ما جاء في الكتاب المقدَّس فهو صادق وأمين وحق، وليست هذه العقيدة هيَ العقيدة الوحيدة الفريدة التي يعجز العقل البشري عن إدراكها، بل كثير من الحقائق الإيمانية التي نؤمن بها هيَ فوق مستوى إدراك العقل، فهل يخبرنا أحد كيف يوجد اللَّه بالكامل في كل زمان وكل مكان، لا يخلو منه زمان ولا مكان؟!.. كيف نموت وتتحلَّل أجسادنا وتتحوَّل إلى ذرات من التراب أو تحترق بالنيران أو تلتهمها الوحوش أو الأسماك، ثم تعود صحيحة يوم القيامة العامة وترجع أرواحنا إليها، ويقف جميع البشر منذ آدم للمجيء الثاني أمام الديان العادل؟!! ماذا نعرف عن العالم الآخر، وكيف تعيش الملائكة والطغمات السمائية وكيف هيَ السماء؟!!.. فلماذا يقبل النُقَّاد هذه الحقائق الإيمانية وينكرون الميلاد المعجزي؟! أم أنهم ينكرون كل ما هو خارج من حدود حواسهم المادية؟!!.

 

2ــ لم تدون حقيقة الميلاد العذراوي إلاَّ في إنجيل متى وإنجيل لوقا، وهذا لا يضعف هذه العقيدة، فبعض الأمور لم ترد إلاَّ في إنجيل واحد أو موضع واحد بالكتاب المقدَّس.. هل ننكرها؟!.. كيف نؤمن أن كل الكتاب بلا استثناء، كل الكتاب في مجمله وفي تفصيلاته مُوحَى به من اللَّه ثم لا نصدق ما جاء في جزء منه؟!!.. لا يوجد في أي موضع في الكتاب المقدَّس ما ينقض أو ينفي هذه الحقيقة، بل أنه في العهد القديم وقبل الميلاد بأكثر من سبعمائة سنة تنبأ إشعياء النبي عن ولادة عمانوئيل اللَّه معنا من العذراء (إش 7: 14) وبعده تنبأ حزقيال النبي بدوام بتوليتها (حز 44: 2).

ويسجل "الدكتور القس حنا جرجس الخضري" فكر "كارل بارت" الذي دافع عن الميلاد العذراوي، فيقول: " فإن كانت الكتب الأخرى في العهد الجديد لم تتكلم عن هذا الميلاد العذراوي بوضوح أو لم تتكلم عنه بتاتًا، فإن هذا الصمت لا ينفي بأي حال من الأحوال الشهادتين الواضحتين والصريحتين عن الميلاد العذراوي في متى ولوقا. فإن كان العهد الجديد يقدم لنا شهادتين واضحتين وصريحتين تؤيدان الميلاد العذراوي، فأنه على عكس ذلك لا يقدم نصًا واحدًا ينفي هذه المعجزة، ولذلك فإن الميلاد العذراوي يعتبر جزءًا هامًا من الإيمان المسيحي"(263).

لقد قبلت الكنيسة هذه العقيدة منذ نشأتها، وكانت من الأهمية حتى أن مجمع نيقية سنة 325م أكدَّ عليها في قانون الإيمان: "هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومريم العذراء وتأنس". ولنا عودة لهذا الموضوع لمناقشته بالتفصيل في السؤال القادم.

 

3ــ الذين يقولون إن لم يكن يسوع ابن يوسف بحسب الولادة الطبيعية فلن يكون سليل وابن داود، لم يلتفتوا إلى أن اللذين ذكرا الميلاد المعجزي القديسين متى ولوقا، هما اللذان ذكر كل منهما سلسلة أنساب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم، فكل من القديس متى والقديس لوقا يدرك جيدًا أنه ليس ثمة تعارض بين هذه وتلك. أورد القديس متى سلسلة أنساب يوسف النجار، وقد سجل صراحة أنه خطيب العذراء، وأنه ابن داود (مت 1: 19) وهو الذي نُسب إليه يسوع بالتبني، فعُرِف لدى الجميع أن يسوع هو ابن يوسف، ولعل الآيات التي أوردها بعض النُقَّاد (لو 2: 28، 4: 22، يو 6: 42) خير شاهد على هذه الحقيقة، فيوسف النجار هو والد يسوع بالتبني، وهو المختار من اللَّه لهذه الخدمة المقدَّسة، لذلك دُعي "حامي الحبل الإلهي"، فلولا قبوله العذراء مريم كزوجة بحسب وصية الملاك له، لانتهت حياتها بالرجم قبل أن تضع وليدها. وجاءت سلسلة أنساب لوقا على الأرجح تخص العذراء مريم ابنة داود، والعذراء مريم هيَ التي أعطت الطبيعة البشرية لابنها، فصار ابنًا لداود ووارثًا لعرشه، وقد سبق شرح هذا الموضوع بشيء من التفصيل فيُرجى الرجوع إلى س158.

 

4ــ قال بعض النُقَّاد أن كلمة "عذراء" التي اقتبسها القديس متى من الترجمة السبعينية، جاءت في الأصل العبري "عَلْمَا" أي فتاة شابة يمكن أن تتزوج وقد سبق أن ناقشنا هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى س186.

وحتى لو كانت الكمة العبرية "عَلْمَا" أي سيدة شابة، فيقول "بونارد" Bonnard أن ما جاء في (إش 7: 14): " ليس هو مصدر قصة الميلاد (العذراوي) ولكن شرح لها، وهذا القول صحيح لأن "متى" لا يبحث عن مادة لكي يؤلف بها قصة غير واقعية فيرجع إلى إشعياء، لكي يثبت روايته ويدعمها بهذا النص (إش 7: 14)، ولكن عندما وجد "متى" نفسه أمام هذه الحقيقة الواقعية (أي الميلاد العذراوي) حاول تفسير أو شرح هذه الظاهرة الحقيقية بنص من النبؤات.

ومن المُسلّم به أن "متى" كتب إنجيله إلى الكنيسة الأولى في فلسطين أي إلى كنيسة أغلبيتها من اليهود، واليهود لم ينتظروا في كل تاريخ انتظاراتهم المختلفة المتنوعة مسيًَّا فائقًا للطبيعة، بل كانوا يتوقعون ظهور المسيَّا وولادته كإنسان بطريقة طبيعية، فقوله: ".. لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 1: 18) يعتبر جديدًا بل غريبًا جدًا على الفكر اليهودي. وبالرغم من غرابة هذا الأمر وبالرغم من أن الكنيسة الأولى التي كُتِبَ لها هذا الإنجيل كانت متأثرة تأثرًا كبيرًا بالفكر اليهودي الذي خرجت منه، بالرغم من هذا كله يكتب "متى" قصة الميلاد العذراوي لأنها حقيقة متأكد من صحتها وحدوثها" (264).

كما أن قول إشعياء: "سيدة شابة" لا يعني بالضرورة أنها متزوجة وعرفت رجلًا، بل أن هناك احتمال أن تتزوج واحتمال أن لا تتزوج، إذًا لا يمكن الجزم بأن كل شابة قد عرفت رجلًا. ثم أن مفتاح هذه النبؤة كما رأينا من قبل في كلمة "آية": " وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً"، فلو أن هذه السيدة الشابة ولدت ولادة طبيعية بعد زواجها، فما هو وجه الإعجاز في هذا؟!، وما هيَ الآية في أمر عادي يحدث دائمًا وأبدًا؟.. إنما الآية تصير عندما يحدث أمر عجيب غير متوقع، " وكأني بإشعياء النبي يقول أن السيد سيعمل معجزة بينكم، سيصنع آية، والمعجزة هيَ أن سيدة شابة (عذراء) ستحبل وستلد ابنًا. أنه أمر غير طبيعي، ولكن السيد نفسه هو الذي سيعمل هذا العمل، هو نفسه مصدر هذه الآية، وما دام اللَّه هو العامل وهو المصدر فهو الذي يملك هذا السلطان بأن يقول للشيء كن فيكون.. " وَقَالَ اللهُ لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ" (تك 1: 3)" (265).. أن يسوع المسيح شخص وحيد فريد، هو عمانوئيل اللَّه معنا، وهو ابن الإنسان، لذلك فمن المقبول جدًا أن يكون دخوله إلى العالم دخولًا فريدًا.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(261) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - ضد الهرطقات جـ 2 ص95.

(262) ترجمة القمص مرقس داود ط 1960م، ص223، 224.

(263) تاريخ الفكر المسيحي جـ 1 ص178.

(264) تاريخ الفكر المسيحي جـ1 ص183، 184.

(265) أورده الدكتور القس حنا جرجس الخضري - تاريخ الفكر المسيحي جـ 1 ص185.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/193.html