St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 186- هل طبق متى الإنجيلي نبوة إشعياء (إش 7: 14) تطبيقًا خاطئًا على ولادة يسوع من عذراء (مت 1: 22، 23) لأن كلمة عذراء التي اقتبسها هنا من الترجمة السبعينية جاءت في الأصل العبري "عَلْما" أي "المرأة الشابة"، وليست "بتولًا" أي عذراء، وجاءت في الترجمة الإنجليزية المنقحة RSV طبعة 1952م "الشابة" Young Waman؟ وهل نبؤة إشعياء تخص وضع تاريخي حدث في حكم آحاز الملك، بعيدة عن المستقبل المسياني؟

 

س186: هل طبق متى الإنجيلي نبوة إشعياء (إش 7: 14) تطبيقًا خاطئًا على ولادة يسوع من عذراء (مت 1: 22، 23) لأن كلمة عذراء التي اقتبسها هنا من الترجمة السبعينية جاءت في الأصل العبري "عَلْما" أي "المرأة الشابة"، وليست "بتولًا" أي عذراء، وجاءت في الترجمة الإنجليزية المنقحة RSV طبعة 1952م "الشابة" Young Waman؟ وهل نبؤة إشعياء تخص وضع تاريخي حدث في حكم آحاز الملك، بعيدة عن المستقبل المسياني؟

يقول "علاء أبو بكر": "س219.. القصة في سفر إشعياء تتحدث عن قصة حدثت قبل عيسى عليه السلام بعدة قرون، حين تآمر رصين ملك آرام مع ملك مملكة إسرائيل الشمالية فقح بن رمليا على مملكة يهوذا الجنوبية وملكها آحاز، وقد جعل اللَّه من ميلاد الطفل عمانوئيل علامة على زوال الشر عن مملكة يهوذا، وإيذانًا بخراب مملكة رصين وفقح على يد الأشوريين، وموت الملكين المتآمرين.. (إش 7: 10 - 20).. وذلك إبان الغزو الأشوري لفلسطين، فقبل أن يكبر الصبي ويميّز بين الخير والشر يأتي ملك آشور فيسوق أعداء آحاز أسرى، وقد كان هذا.

وهذا النص الذي ذكره متى، وكذا النص الذي في إشعياء، قد تم تحريفهما عن الأصل ليصبحا نبوة عن يسوع وأمه العذراء، وكانت الترجمات القديمة للتوراة مثلًا ترجمة إيكوئلا وترجمة ثيودوسيون وترجمة سماخوس والتي تعود للقرن الثاني الميلادي، قد كتبت بدلًا من العذراء: المرأة الشابة، وهو يشمل العذراء وغيرها، وذلك أن اللفظ المستخدم بالعبرانية هو (علما) وليس (بتولًا).. والمُلاحظ للترجمات التي أوردتها يعرف مقدار تلاعبهم بالتراجم.. في كلمة (علما)، فهيَ تأتي مرة عذراء ومرة شابة، الأمر الذي ينفي إشارة هذه الفقرة إلى السيدة مريم العذراء.. النص حديث بين الرب وآحاز. والنبوة ستتحقّق في إشعياء كما سيأتي، وليس لها علاقة بعيسى عليه السلام لا من قريب ولا من بعيد، فكيف اقتطعوها من السياق وطبقوها على عيسى عليه السلام" (224).

ويقول "يوسف هريمة": "والنص المقتبس عند متى لم يكن مقتبسًا من النص الأصلي العبري، فهذا الأخير كان فعلًا يتحدث عن عذراء ( Virgin ) فتاة أو شابة لم تعرف رجلًا.. والكلمة التي ترجمتها النسخة السبعينية ونقل عنها متى، كلمة "عذراء" وباليونانية بارثينوس Parthenos، وهيَ بالعبرية " عَلَمْه " وتُنطق عَلَمه، وتعني معاني كثيرة وليس معنى محددًا من هذه المعاني:

امرأة شابة، وامرأة حديثة الزواج، وفتاة، وخادمة، وعذراء. ومن وسط المعاني الكثيرة للكلمة اختارت السبعينية كلمة عذراء "بارثينوس" Parthenos بصفتها ترجمة لهذه الكلمة وعنها نقل متى.

وبالرجوع إلى النص العبري نفسه نجد اليهود قد ترجموا كلمة "علمه " بكلمة (شابة) التي تعني امرأة شابة سواء كانت متزوجة أو عذراء لم تتزوج. وهذه هيَ الترجمة من الموقع اليهودي الذي يورد نصوص العهد القديم والتلمود ( w.w.w.mechon-mamre.org/p/pt/pt1007.htm ).

وترجمة علماء اليهود إلى اللغة الإنجليزية هكذا:

Therefore the Lord himself shall give you a sign: behold, the yaung woman shall conceive, and bear a son, and shall call his name.

وكما هو واضح من الترجمة الإنجليزية، فالآية تتكلم عن امرأة شابة woman yaung.. ويلاحظ أن الترجمة العربية ترجمت كلمة (علمه) بأكثر من معنى فترجموا بكلمات متعددة: زوجة، وفتاة، وعذراء.

وكما هو واضح فإن إشعياء كان يتكلم على امرأة شابة ستحبل وتلد ابنًا، وليس في هذا أي شيء معجز أو خارق لطبيعة الحمل والولادة. أما متى فقد اعتبر هذه العذراء أو المرأة الشابة هيَ مريم أم يسوع التي حبلت به من الروح القدس. فإذا رجعنا إلى نص إشعياء نجده يتحدث عن امرأة شابة ستلد ابنًا وهيَ بنفسها ستسميه عمانوئيل..

انتزع متى النص من سياقه الوارد في سفر إشعياء، وقرأه في سياق آخر لا علاقة له بالنص، إلاَّ تأكيد الولادة العذراوية التي تأثر بها وأراد أن يحمل من خلالها رسالة إلى اليهود، بأن هذا المولود هو مسيحهم المنتظر غير أن السياق يأبى إلاَّ أن يرد عليه هذا التجاهل الخطير لسياق النص، الذي أكد بأن المولود من العذراء تلك الفتاة الشابة كما رأينا سابقًا، كان معاصرًا لزمن آحاز، وكان مجرد علامة ( Sign ) على انتصار يهوه على أعدائه" (225).

(راجع أيضًا ع.م جمال الدين شرقاوي - هاروني أم داودي ط 2006م ص47، 48، وعلاء أبو بكر - البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ2 س26 ص33 - 39، ويوسف هريمة - ولادة المسيح وإشكالية التثاقف الديني اليهودي والمسيحي ص183 - 186).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ تتلخص اعتراضات النُقَّاد في نقطتين رئيسيتين:

أ - إن القصة في سفر إشعياء تتعلق بتآمر رصين ملك آرام وفقح ملك إسرائيل على آحاز ملك يهوذا، وجعل اللَّه من ميلاد الطفل عمانوئيل علامة على زوال مملكتي آرام وإسرائيل، وقد حدث هذا إبان الغزو الأشوري لفلسطين وسوريا، فالنص يمثل حديث الرب لآحاز، وليس له علاقة بعيسى لا من قريب ولا من بعيد.

ب - اقتبس متى الإنجيلي كلمة "عذراء" من الترجمة السبعينية، بينما جاءت الكلمة في الأصل العبري "عَلْما" أي "شابة" وليس "بتولًا" أي "عذراء"، كما أن الترجمات اليونانية القديمة أكويلا (129م) وثيؤدوسيون (175م) وسيماخوس (200م) استخدمت لفظة "المرأة الشابة" بدلًا من عذراء.

وحسنًا أن تبدأ الإجابة بسؤال هؤلاء النُقَّاد: هل أقرَّ الإسلام الميلاد المعجزي للسيد المسيح؟.. نعم وبكل تأكيد (راجع سورة آل عمران 3: 46، 47).. فما بال هؤلاء النُقَّاد يعترضون؟!.. علآم يعترضون فيما يعتقدون به؟!.. لقد أوضحت الأناجيل النبؤات التي جاءت في أسفار العهد القديم عن يسوع المسيح المسيا المنتظر، فراح اليهود يفسرون هذه النبؤات بطريقة تُخرِجها عن كونها تنطبق على يسوع المسيح، وللأسف الشديد راح هؤلاء النُقَّاد يمالئون هؤلاء اليهود الذين ينكرون الميلاد العذراوي للسيد المسيح.. أليس هذا دليل واضح على أن هؤلاء النُقَّاد "أحادي النظرة"، فقد وضع كل منهم نصب عينيه هدفًا محددًا وهو نقض الكتاب المقدَّس، حتى لو هاجموا ما يعتقدون به.

 

2ــ الذي نطق بهذه النبوة هو إشعياء النبي في الأصحاح السابع من سفره، وعاصر إشعياء عدة ملوك من ملوك يهوذا، وفي عصر الملك آحاز بن يوثام تآمر على مملكة يهوذا فقح بن رمليا ملك إسرائيل مع رصين ملك آرام، إذ أراد استئصال مُلك داود، وإقامة ملكًا أجنبيًا هو "ابن طبئيل"، وعندما علم آحاز بهذا رجف قلبه هو وشعبه، وإذ أراد اللَّه أن يطمئنه أرسل إليه إشعياء النبي مصطحبًا معه ابنه شآرياشوب، وقابل آحاز عند طرف قناة البركة العليا، وقال له: " اِحْتَرِزْ وَاهْدَأْ. لاَ تَخَفْ وَلاَ يَضْعُفْ قَلْبُكَ مِنْ أَجْلِ ذَنَبَيْ هَاتَيْنِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ بِحُمُوِّ غَضَبِ رَصِينَ وَأَرَامَ وَابْنِ رَمَلْيَا.." (إش 7: 4 - 9)، وأخبر إشعياء آحاز بإنتهاء مملكة إسرائيل نهائيًا بعد خمسة وستين سنة، وأن هذين الملكين لن يتمكنا منه، فقط عليه أن يؤمن باللَّه ويضع ثقته فيه: " إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلاَ تَأْمَنُوا" (إش 7: 9).. " ثُمَّ عَادَ الرَّبُّ فَكَلَّمَ آحَازَ. قَائلًا اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق. فَقَالَ آحَازُ لاَ أَطْلُبُ وَلاَ أُجَرِّبُ الرَّبَّ" (إش 7: 10 - 12)، فأخبر إشعياء آحاز برسالة الرب له: " وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش 7: 14). فهذه الولادة العجيبة تعد دليلًا على خلاص اللَّه لشعبه من قبضة الشيطان. كما طمأنه من جهة ملكي آرام وإسرائيل إذ نطق إشعياء بنبؤة ثانية إذ قال عن ابنه شآرياشوب " زُبْدًا وَعَسَلًا يَأْكُلُ" (إش 7: 15)، فأورشليم لن تُمس ولن ينقطع الخير عنها، و" قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا" (إش 7: 16). ثم أكد هذه النبوة إذ عندما وُلِد طفل آخر لإشعياء: " فَقَالَ لِي الرَّبُّ ادْعُ اسْمَهُ مَهَيْرَ شَلاَلَ حَاشَ بَزَ. لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَدْعُوَ يَا أَبِي وَيَا أُمِّي تُحْمَلُ ثَرْوَةُ دِمَشْـقَ وَغَنِيمَةُ السَّامِرَةِ قُدَّامَ مَلِكِ أَشُّورَ" (إش 8: 3، 4). وفعلًا قتل هوشع ابن أيله فقح: " وَفَتَنَ هُوشَعُ بْنُ أَيْلَةَ عَلَى فَقْحَ بْنِ رَمَلْيَا وَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ عِوَضًا عَنْهُ" (2 مل 15: 30)، وأيضًا قتل ملك آشور رصين: " وَصَعِدَ مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى دِمَشْقَ وَأَخَذَهَا وَسَبَاهَا إِلَى قِيرَ وَقَتَلَ رَصِينَ" (2 مل 16: 9).

إذًا حديث إشعياء مع آحاز ملك يهوذا شمل نبؤتين:

أ – نبؤة في الزمن البعيد: عن الخلاص من قبضة الشيطان عندما تحبل العذراء وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل.

ب - نبؤة في الزمن القريب: عن خلاص مملكة يهوذا من خطر ملكي آرام وإسرائيل، ورأينا تحقُّق هذه النبؤة في وقت وجيز.

ويقول "ر. ت. فرانس": " الاعتراض الثاني ينصب على أن (إش 7: 14) يعد بمعجزة تشير بصفة خاصة إلى الوضع التاريخي المباشر إبان حكم آحاز، وليس إلى المستقبل المسياني البعيد والإشارة التاريخية المباشرة واضحة في (إش 7: 14 - 17)، بيد أنه واضح أيضًا في المفهوم الأوسع أن فكر النبي كما هو الحال في نبؤات العهد القديم، لم يكن محصورًا في نطاق هذه الإشارة الأولية. وإعادة ذكر "عمانوئيل" في (إش 8: 8، 10) والموضوع المتكرر عن ولادة طفل سيكون مخلصًا (إش 9: 6 - 7، 11: 1 وما بعده) يدل على أن ما جاء في (إش 7: 14) يجب أن يُنظَر إليه على أنه إعداد الطريق لموضوع مسياني متطوّر (متعلق بالمسيح المخلص) في هذا المقطع من سفر إشعياء. ومن الواضح أن مترجمي الترجمة السبعينية باستخدامهم المذهل لكلمة بارثينوس (العذراء) فهموا أنها تشير إلى ما هو أكثر من ولادة عادية، وإختيار كلمة "الما" alma في اللغة العبرية علاوة على الاسم الرمزي " عمانوئيل " تُوحي بأنهم كانوا على صواب في ترجمتهم" (226).

 

3ــ أوضح الشهيد يوستين أن اليهود شكَّكوا في الآيات التي وردت في الترجمة السبعينية التي استخدمتها الأناجيل، فيقول "الشهيد يوستين" في الفصل الحادي والسبعين من حواره مع تريفو اليهود: " إنني بالتأكيد لا أثق في معلميكم إذ لا يعترفون بصحة ترجمة الأسفار المقدَّسة التي قام بها السبعون شيخًا في بلاط بطليموس ملك مصر ويحاولون عمل ترجمة أخرى خاصة بهم. ويجب أن تعلموا أيضًا أنهم حذفوا أجزاء كثيرة من النسخة التي ترجمها هؤلاء الشيوخ الذين كانوا مع بطليموس، تلك الأجزاء التي تشير بوضوح إلى أن المصلوب هو إله وإنسان وأنه سيُصلب ويموت.." (227).

كما يقول "الشهيد يوستين" في الفصل (68): " قلت: وإن أثبت لكم حقيقة أن نبؤة إشعياء هذه تتحدث عن مسيحنا وليس عن حزقيا كما تدعون، هل تشكُّون في معلميكم الذين يتجاسرون على القول بأن ترجمة الأسفار المقدَّسة التي قام بها سبعون من شيوخكم في بلاط الملك بطليموس هيَ غير دقيقة في بعض الأحيان؟ لأنه عندما يظهر في الأسفار المقدَّسة نقض واضح لما يعتقدونه في غباء وكبرياء، يبادرون بالتأكيد على أن هذا الكتاب لم يُكتب هكذا في النص الأصلي. ويتآمرون على تحوير عبارات أخرى لتتواءم مع أعمال بشرية مُدَّعين أنها لا تشير إلى مسيحنا يسوع.. فعلى سبيل المثال، هم علموكم أن هذه النبؤة التي نتحدث عنها تشير إلى حزقيا، ولكني سأثبت لكم أن هذا خطأ كما دعوت.." (228).

وأيضًا ذكر يوستين أن تريفون اعترض على لفظة "العذراء" مدَّعيًا أن ما جاء في النص هو "شابة"، كما ادعى أن ولادة مخلص من العذراء من الأساطير اليونانية، فقال "الشهيد يوستين": " فقال تريفون معترضًا: "إن النص ليس هوذا العذراء تحبل وتلد إبنًا بل هوذا الشابة تحمل وتلد ابنًا إلى آخر النص كما ذكرته. غير أن النبؤة ككل تشير إلى حزقيا لأن الأحداث المذكورة تحققت في هذا الملك" (229). أما يوستين فقد أكد على صحة لفظة "عذراء" التي جاءت في الترجمة السبعينية، فقال: " إذ كنتُ أُثبت لهم أن المسيح وُلِد من عذراء وأن إشعياء قد تنبأ بذلك، وكررت لهم كلمات النبوة كما وردت: ".. وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ.." (إش 7: 10 - 17). وأضيف قائلًا: " الكل يعرف أنه من بين جميع نسل إبراهيم بالجسد لم يُولَد أحد من عذراء قط، أو حتى ادَّعى أنه وُلِد هكذا سوى مسيحنا" (ف 66) (230).

ويقول "ر. ت. فرانس": " قيل أن متى إعتمد على الكلمات اليونانية "العذراء" Parthenos بينما الكلمة العبرية " alma " لا تعني سوى "شابة"، وكلمة "alma " في الواقع لم تستعمل سوى سبع مرات في العهد القديم، عن فتيات أو شابات منهما اثنتان على الأقل لم تكونا متزوجتين (تك 24: 43، خر 2: 8)، ولم تستخدم في أي موضع آخر في علاقة مع الولادة (أو حتى مع الزواج)، ولذلك فإن إستعمالها في (إش 7: 14) يُعد أمرًا مذهلًا.. ربما كان هذا مادار بخلد إشعياء وهو يفكر في ميلاد خارج عن المألوف عادة في الزواج مما جعل الترجمة السبعينية تستعمل كلمة بارثينوس (parthenos) وهيَ ترجمة معقولة" (231).

 

4ــ تنبأ إشعياء النبي قائلًا: " وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش 7: 14) فلو كان المقصود شابة متزوجة تحبل وتلد.. فما هو وجه الإعجاز في هذا؟!.. أين الآية (المعجزة) في هذا؟!.. يقول "مارديونسيوس يعقوب ابن الصليبي": " يقول بعض المفسرين اليهود أن النبي لم يذكرها "بتولًا" بل شابه وصبية، فنقول أن هذا الزعم باطل لأنه لا يوافق ترجمة الاثنين وسبعين شيخًا التي هيَ أصح جميع الترجمات. أولًا: بكثرة مترجميها ومطابقة آياتهم. ثانيًا: لأنهم ترجموها قبل مجيء المسيح بمدة، على أن قوله: "هوذا العذراء تحبل" هو علامة كان قد أعطاها الرب لآحاز. فإن كانت شابة مزمعة أن تلد من زواج فكيف تكون آية أو علامة. لأن الآية هيَ فعل فوق الطبيعة. وقد جرت عادة الكتاب أن يسمي العذراء شابة وصبية كقوله خرجت الصبية لتستقي ماء (تك 24: 14، 16، 57)" (232).

ويقول "متى هنري": " وكلمة " عذراء " تحمل كل ما فيها من معنى العذراوية ولا يمكن أن تعني إلاَّ عذراء لم تعرف رجلًا كما قالت مريم عن نفسها (لو 1: 43)، ولو كانت النبؤة لم يقصد بها هذا المعنى لما وُجِد في الأمر " آية " عجيبة. وقد كان مفهومها من البدء أن المسيا يجب أن يُولَد من عذراء عندما قيل عنه أنه " نسل المرأة " لأنه لو وُلِد ولادة طبيعية لكان نسل الرجل.. والمسيح وُلِد من عذراء ليس لأنه ولادته يجب أن تكون خارقة للطبيعة فحسب بل لأن ولادته يجب أن تكون بلا دنس، طاهرة، خالية من كل شائبة الخطية" (233).

ويقول "الشماس الدكتور أميل ماهر": " ليس هناك دليل يثبت ما يدَّعيه البعض بأن الكلمة يمكن أن تدل على فتاة متزوجة لحين ولادتها لابنها البكر. ومع ذلك فلو أننا سلمنا جدلًا بما يدَّعيه أولئك بأن المقصود بالكلمة العبرية هو مجرد "فتاة" أو "امرأة شابة" فما هيَ المعجزة إذًا في أن تحبل فتاة أو امرأة؟ وكيف تفسر اعتبار النبي لهذا الأمر أنه آية يعطيها السيد الرب نفسه؟!. لابد من التسليم إذًا بأن العبارة "هـَ - عَلْمَه تحبل" تعني بالتأكيد أن "العذراء تحبل" بصورة معجزية. هكذا جاوب المسيحيون قديمًا على اعتراضات اليهود والهراطقة" (234).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " أما كلمة "عذراء" ففي العبرية " آلما Olmah " هيَ تخص فتاة عذراء يمكن أن تكون مخطوبة لكن غير متزوجة، وجاءت مطابقة على القديسة مريم تمامًا" (235).

 

5ــ كلمة عَلْمه (ع ل م هـ) في العبرية مؤنث غلام في العربية أي المرأة الصبية، وترجمتها بارثينوس في اليونانية ترجمة صحيحة (راجع الخوري بولس الفغالي - دراسات بيبلية - 14 - إنجيل متى جـ1) وسواء كلمة "عَلْما" أو "بتولًا" في العبرية فإن كل منهما تعبر عن العذراء، والفتاة البكر، والشابة التي لم تعرف رجلًا. وكلمة "عَلْما" أكثر دقة في التعبير عن هذه المفاهيم من كلمة "بتولًا"، لأن كلمة "بتولًا" قد تعبّر عن الأرملة العفيفة مثلما جاء في سفر يوئيل: " نُوحِي يَا أَرْضِي كَعَرُوسٍ مُؤْتَزِرَةٍ بِمَسْحٍ مِنْ أَجْلِ بَعْلِ صِبَاهَا" (يؤ 1: 8) بينما وردت كلمة "عَلْما" في العهد القديم عدة مرات تعبّر عن شابة لم تتزوج بعد، فأُطلقت مثلًا على رفقة قبل زواجها من إسحق (تك 24: 43، 44)، وأُطلقت على عذارى النشيد (نش 1: 3، 6: 8)، فقد أُطلقت كلمة "عَلْما" على العذراء البكر البتول الفتاة الشابة أو الصبية التي وصلت إلى سن البلوغ قبل أن تتزوج (راجع القمص عبد المسيح بسيط - الكتاب المقدَّس هل هو كلمة اللَّه ص83).

إذًا ترجمة كلمة "عَلْما" إلى كلمة "عذراء" هيَ ترجمة صحيحة تمامًا، وتؤكد هذا دراسات وثائق حضارة أوغاريت، ويقول "الشماس الدكتور أميل ماهر": " شهادة وثائق أوغاريت لنبؤة إشعياء بأن العذراء تلد: أن نبؤة إشعياء القائل: " وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش 7: 14)، وترد فيها كلمة العذراء بالعبرية "هـَ – عَلْمَه" وقد نقلت بعناية في الترجمة السبعينية باستخدام الكلمة اليونانية hv parqeno" أي "العذراء" وهيَ الكلمة اليونانية التي اقتبسها الإنجيلي متى (مت 1: 23). وكلمة "عَلْمَه" العبرية تعني "فتاة عذراء في سن الزواج ولكنها غير متزوجة"، وهذا هو المعنى الذي أُستخدمت به الكلمة في جميع مواقع ورودها في أسفار الكتاب المقدَّس..

ويعتقد المهتمون بالدراسات المقارنة للغات السامية أن النصوص الأوغاريتية المُكتشفة في رأس شمرا بسوريا تسهم في إلقاء الضوء على معنى كلمة "عَلْمَه" العبرية، فالنصوص الأوغاريتية تستخدم كلمة "غلمة glmt " و"بتلة btlt " بالتبادل كمترادفين لوصف الإلهة العذراء البتول عنات. الأمر الذي يؤكد أن كلمة "عِلْمَه" العبرية، التي هيَ بعينها "غلمة" الأوغاريتية تعني "عذراء". خصوصًا وأن واحدًا من النصوص الأوغاريتية يقول: "ها العذراء (علَمة) تلد ابنًا" (نيكال والكثيرات سطر 7) أي أنه هو بعينه نبؤة إشعياء (7: 4) ناقصًا كلمة "تحبل".

وحيث أن منطقة أوغاريت خربت سنة 1400 ق.م، ونصوصها ترجع إلى الفترة ما بين القرن العشرين والقرن الخامس عشر قبل الميلاد، فأنهم يستنتجون من هذا أن التراث الشعبي لسكان تلك المناطق يحتفظ بحكايات، تسبق عصر إشعياء بسبعة قرون أو أكثر، وتسجل إعتقادًا قديمًا بتوقع ميلاد طفل عجيب من عذراء. الأمر الذي يدفع أولئك العلماء إلى افتراض أن الإسرائيليين هم أيضًا - كجيرانهم - يتحتم أن يكون لديهم توقع شعبي مماثل. ولذلك يرى أولئك العلماء أن نبؤة إشعياء (7: 14) لا شك أنها تتحدث عن ميلاد عمانوئيل من "عذراء" وليس من مجرد "امرأة شابة".." (236).

 

6ــ عقيدة الميلاد العذراوي من العذراء مريم عقيدة هامة جدًا وراسخة في المسيحية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. لأن الفادي كان يجب ألا يتوارث خطية الجنس البشري، ولهذا حدث أمران مهمان، وهما أن الفادي وُلِد بدون زرع بشر، والثاني أن الروح القدس حلَّ على العذراء مريم كقول الإنجيل " اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ" (لو 1: 35) فطهَّر وقدَّس ونقى مستودعها، فاتخذ منها يسوع المسيح جسدًا مقدَّسًا، وجاء في "التفسير التطبيقي": " لماذا يعد الميلاد من عذراء ركنًا هامًا من أركان الإيمان المسيحي؟ يسوع المسيح ابن اللَّه، لا يمكن أن يشترك في الطبيعة الخاطئة، التي يتوارثها الجنس البشري من آدم. كان إنسانًا لأنه وُلِد من امرأة، ولكن لأنه ابن اللَّه فقد وُلِد منزَّهًا عن خطية البشر. كان إنسانًا تامًا وإلهًا تامًا، في آن واحد.." (237).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(224) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 1 ص151 - 155.

(225) ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي المسيحي ص179 - 183.

(226) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص78.

(227) النصوص المسيحية في العصور الأولى - القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد ــ الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى ص231.

(228) المرجع السابق ص227، 228.

(229) المرجع السابق ص223، 224.

(230) النصوص المسيحية في العصور الأولى - القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد ــ الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى ص223.

(231) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص77، 78.

(232) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد جـ 1 ص65، 66.

(233) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير إنجيل متى جـ1 ص26، 27.

(234) الكتاب المقدَّس - أسلوب تفسيره السليم وفقًا لفكر الآباء القويم ص19.

(235) تفسير إنجيل متى ص48.

(236) الكتاب المقدَّس - أسلوب تفسيره السليم وفقًا لفكر الآباء القويم ص19، 20.

(237) التفسير التطبيقي ص1865.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/186.html