St-Takla.org  >   books  >   fr-salaib-hakim  >   marriage-faith
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الزواج والإيمان - القمص صليب حكيم

6- الفصل الرابع: مصاهرة المخالفين في المذهب والملة والموطن

محتويات: (إظهار/إخفاء)

أولًا: مصاهرة المخالفين في المذهب أو الملة
ثانيًا: الزواج من غرباء عن المجتمع

تكلمنا في الفصول الثلاثة السابقة عن مصاهرة الغرباء عن الإيمان التي حرمتها الشريعة الإلهية. ولكن هناك أيضًا أنواعًا أخرى من المصاهرات، مثل مصاهرة المخالفين في المذهب أو الملة، ومثل مصاهرة الغرباء عن المجتمع الذي عاش ونشأ فيه أحد الطرفين. وهذه مصاهرات بعضها تمنعه الكنيسة والبعض الآخر تُظهِر نسبة من حالاته الآثار الناشئة عنه، لذلك رأينا أن ننبه أبناءنا لها.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أولًا: مصاهرة المخالفين في المذهب أو الملة

ونقصد بها زواج طرف أرثوذكسي بطرف كاثوليكي أو بروتستانتي مختلف معه في المذهب أو بطرف أرثوذكسي آخر مختلف معه في الملة. فهناك فئة من أبنائنا وبناتنا تقبل الاقتران بالمخالفين في المذهب أو الملة. وأيًا كانت الظروف المؤدية بهم إلى ذلك إلا أن هذا الاقتران له أحيانا آثاره عليهم، لأنه وإن كانت المذاهب المسيحية كلها تشترك في حقائق الإيمان الأساسية وتخضع كلها لوصايا الإنجيل، إلا أن الخلافات المذهبية جعلت فارقًا بين البيت الأرثوذكسي والبيت الغير أرثوذكسي في طبيعة الحياة اليومية ذاتها، بل وفي بعض القيم في المعاملات والعلاقات.

 

وعلى سبيل المثال: بمقارنة حياة الأرثوذكسي بغيره نجد أن القبطي الأرثوذكسي لا يفتر فمه طول اليوم عن ترديد أسماء القديسين والشهداء والملائكة والسيدة العذراء، ويطلب شفاعتهم ومعونتهم في كل خطواته، وأمامه في بيته وفي كنيسته وفي حافظته صورهم المقدسة يتأمل فيها جهادهم وقداستهم ويلتمس تشجيعهم ودعاءهم له لينال مجدًا مثلما نالوا ويسعد بأن يأخذ بركتهم وبركة صورهم مستشعرًا بروحه وجودهم معه ومرافقتهم له، ويعطي اعتبارًا كبيرًا لأشخاصهم التي يتمجد المسيح فيها بقوة ويجعلهم أمامه دائما ليتمثل بإيمانهم (عب13: 7). وهناك ثقة بينه وبينهم وصداقة حب تربطه بهم لأنهم كانوا أمثلة للفضيلة وماتوا عن العالم وهزموا الشياطين وجازوا الآلام وكان روح الله يعمل فيهم بالآيات والعجائب في حياتهم وبعد انتقالهم. وإذْ هُمْ في محبتهم له يصلون عنه ويشفعون في مذلته ويهبون لنجدته عندما يطلبهم لذلك لا يستغني عنهم كل حياته. فهو يكرمهم في أشخاصهم وفي أجسادهم لما يتسبب عنها من شفاء الأمراض والبركة لكل من يلمسها بوقار وإيمان تماما كما مست عظام أليشع الميت وأقامته، وكما كانت مناديل وعصائب الرسل تشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة.

 

وكمثال ثان: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بقوة علامة الصليب يرشمه على كل شيء وعلى كل ما يملك، فهو يرشمه على ذاته في كل وقت، في دخوله وخروجه، وقبل أن ينام وعندما يستيقظ، ويرشمه على كل ما يأكله أو يشربه، وعندما يبدأ صلاته وعندما ينتهي منها، وعندما يسجد وعندما يقرأ في الإنجيل، يرشمه قبل أن يبدأ في أي عمل وعندما يقابل أي شخص، يرشمه إذا ما صادف أمرًا مخيفًا وعند مواجهته لأية ضيقة، يرشم الصليب لكي يطرد الغضب ويبدد أفكار الشر وميول الخطية ومشورات عدو الخير، يرشمه للبركة وللمعونة وللحماية لأنه بالصليب تُصنَع القوات وتخرج الشياطين، فالصليب سلاح قوي كما قال الكتاب: "كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1كو1: 18).

والصليب لا نفتر عن استخدامه لحظة. فهو على صدورنا وعلى أيدينا وعلى بيوتنا وعلى كنائسنا وفوق مضاجعنا وعلى كتبنا وعلى أدواتنا وعلى مقابرنا، وحياتنا كلها مدموغة بالصليب ومستغرقة فيه.

 

وكمثال ثالث: المسيحي الأرثوذكسي ملتزم بالسبع صلوات المزامير الليلية والنهارية ويعتبرها واجبا مقدسا وشركة حياة يومية مع المسيح في آلامه وموته وقيامته ويحس بتأنيب الضمير إن قصر في تأدية هذه الصلوات إذ ينظر إلى ذاته وكأنه خرج عن وصايا الله التي تتكلم عن التسبيح لله سبع مرات في النهار (مز119: 164) والتي حددت صلوات السواعي بأوقاتها (مز55: 17) وكأنه أيضًا تعدَّى تقليد الرسل الذين مارسوا هذه الصلوات (أع2: 1) وخالف تعاليمهم (الدسقولية فصل 10: 50)، وكأنه كسر تقليد الكنيسة في ممارستها لهذه الصلوات منذ البداية كما تؤكده كتابات الآباء وكما تحياه الكنيسة إلى يومنا هذا.

هذا من ناحية اعتباره لقانونية هذه الصلوات أما من الناحية الروحية فهو يؤمن بضرورة تأديتها لأنها تسنده وتحفظه في حياته اليومية وتربطه بشخص المسيح وتنظم علاقته مع الله لما تمتاز به من توقيت زمني يذكره بمواعيد العبادة.

وهو يحرص على أن يقوم بها كواجب عبودية لله السيد الخالق لكي يتمم خلاصه بخوف ورعدة. وهو يقدمها أيضًا من منطلق محبة صادرة من ابن لأبيه السماوي لكي يتمتع بعطية هذا الخلاص في سعادة وفرح الروح.

 

وكمثال رابع: البيت الأرثوذكسي يصوم يوميّ الأربعاء والجمعة من كل أسبوع صومًا انقطاعيًا ينتهي بتناول طعام نباتي خفيف مشاركة في صليب المسيح. ويعتبر صوم هذين اليومين علامة إيمانه المسيحي، وإعلانًا لهذا الإيمان، وممارسة فعلية لحياته الإيمانية، ويعتبره أمرًا مخجلًا إن احتوت المائدة طعامًا مفطرًا في أحد هذين اليومين لأنه بمثابة إنكار واضح لإيمانه بصليب المسيح وبعمل المسيح كله من أجل خلاص العالم(1).

هذا عدا حرصه على الأصوام الأخرى المقررة في الكنيسة وما تحمله من تحفظات جسدية، وما تتطلبه من مستوى معين من التبتل والتعفف عن أمور خاصة لها اعتبارها في تنظيم الحياة الزوجية والأسرية وتعكس أثرها على المستوى الروحي للأسرة عمومًا. فتتقدم بهم في العبادة والروحانية من درجة إلى أخرى وتدربهم على حياة الفضيلة وتمتعهم بحرية العقل وصفاء الذهن وحرارة الروح ولذة العشرة مع الله.

كما ينظر إلى هذه الأصوام بكل تقديس واحترام لأن كلا منها يستند إلى نص أو أكثر من الكتاب المقدس، وقد رتبها الرسل والبطاركة الأولون بإرشاد الروح القدس وعاشت بها الكنيسة ومن ثم وجب حفظها بدون نقص واضعًا اعتباره لتحذير الرسل بأن كل من تكبر وحل هذه الصيامات بدون علة جسدانية فليفرز من جماعة المؤمنين(2).

 

وكمثال خامس: المسيحي الأرثوذكسي يهتم جدًا بقراءة الإنجيل يوميا حسب ترتيب كنيسته الموضوع من ألفين من السنين وهو يفهم الإنجيل من خلال الفكر الآبائي أي فكر الآباء الأوائل الذين تسلموا الإيمان من الجدود الذين تسلموه من الرسل القديسين، ويفهمه من خلال الحياة الإنجيلية التي تعيشها الأسرة المسيحية منذ ألفي عام وتسلمها لأبنائها جيلا بعد جيل، ويفهمه من خلال نظام وطقس الحياة التعبدية للكنيسة المستقيمة الرأي التي بقيت راسخة كالطود على مر العصور. ويفهمه من خلال كتابات الكنيسة الأولى القوية النقية فيما قبل الانقسام والانشقاق وقبل اختلاف الرأي والمذاهب، ويفهمه من خلال الالتزام بمبدأ الفهم المتكامل لكلمة الله، أي فهم كل آية بما لا يتعارض مع بقية آيات الكتاب المقدس، لأنه ينظر إلى الكتاب المقدس على أنه وحدة لا تتجزأ ولا تعارض بين آياته، ويستبعد في فهم وتفسير كلمة الله مبدأ الحرية الفردية والاتجاهات الدينية الشخصية المنضوية تحت لواء فكرة خاصة أو مذهب معين كما يحدث أحيانا مع فرد أو مجموعة أفراد يتبنون اتجاها خاصا ويمضون في استخراج وانتقاء بعض الآيات المؤيدة لاتجاههم ولمذهبهم الجديد بل ويحاولون إخضاع بقية الآيات في تفسيرها لخدمة هذا المذهب وبذلك يبعد الواحد منهم عن الموضوعية في تفسير الكلمة وفي فهمها مما يشوه المقصود الحقيقي والهدف الروحي لها.

 

وكمثال سادس: المسيحي الأرثوذكسي له عبادته الكنسية بمنهجها الإنجيلي الرسولي ذات الترتيب الخاص والصلوات المقدسة التي لها عمقها ودسامتها ولها الطريقة الخاصة بتأديتها، وتتمركز هذه العبادة وفكر الذين يشتركون فيها حول المذبح وذبيحة المسيح الكائنة عليه (انظر عب13: 10، 1كو10: 16-21، رؤ5: 6) فالكنيسة عنده هي بيت الله وهى باب السماء وفلك نوح، من عاش خارجها أغرقته مياه طوفان بحر العالم الزائل. أما تسابيحها وصلواتها فكلماتها روحانية إلهية وفاعليتها قدسية نارية، لأنها كلها كلمات من الوحي الإلهي الملتهبة. ونظام عبادتها سمائي ملائكي. فيها كاهن (بى ابريزفيتيروس = شفيع) يحمل عن شعبه طلباتهم لدى الله كما يحمل من الله كلمته وأسراره المقدسة إليهم. أما مذبحها فهو العرش الإلهي، وذبيحتها هي وليمة عرس ابن الملك. وحفظ العبادة بها في نظره هو حفظ للوصية (خر31: 13) وعيشة في راحة الأبدية (رؤ1: 10).

بل إنه على حد قول أحد الآباء "يعتبر كل قداس يقام بها أو يسمع فيها عملا عظيما ومستحبا جدًا، لأنه يبدو عنده كما لو كان المسيح ينزل في ذلك اليوم عينه في أحشاء البتول ليتجسد، أو كما لو كان يتألم ويموت معلقًا على الصليب لأجل خلاصه".

وقداسها الإلهي عنده أعمق وأعظم وأمتع صلوات في الوجود كله، وقيمته فائقة لديه بسبب ارتباطه بشخص المسيح كذبيحة حية يقدمها لنا لنتحد به في نهاية الخدمة كنصيب صالح بعد عبادتنا وتسبيحنا له وشركتنا الروحية معه.

وعلى حد قول أحد الآباء أيضًا "لا يخدعن أحد نفسه لأنه إذا لم يكن الإنسان متحدًا بالمذبح فهو محروم من خبز الله، ومن يفصل نفسه عن الكنيسة ولا يجتمع مع الجماعة وقت تقديم الذبيحة فهو يحسب ذئبًا مهما كان مظهره معتدلًا".

 

وكمثال سابع: المسيحي الأرثوذكسي يعطي مقامًا كبيرًا لسر التناول وعندما يمارسه يتقدم له برهبة فائقة واستعداد خاص روحي وجسدي (1كو11: 28، خر19: 14-15، عب10: 22) وإيمان عظيم في قيمته بما يحمله من عطايا إلهية حددها المسيح نفسه له المجد "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه، ويحيا بي، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، وله الحياة الأبدية، ويحيا إلى الأبد، وأنه لمغفرة الخطايا" (يو6: 56، 54، 51، مت26: 28).

كما يتقدم له بفرح عظيم لأنه ينال نعمة روحية تسترجع نفسه بها ما فقدته من الفضيلة وتسترد جمالها الذي شوهته الخطية لأن التناول يردع عن الشر وَيُثَبِّت في الخير.

ويؤمن المسيحي الأرثوذكسي أن جسد المسيح مأكل حقيقي ودم المسيح مشرب حقيقي (يو6: 55) لذلك ينالهما في حقيقتهما حسب إيمانه تحت صورة الخبز والخمر، اللذين يتم تقديسهما وتحولهما إلى جسد المسيح ودمه حسب الرسم والترتيب الذي تمارسه الكنيسة حسب ما تسلمه التلاميذ من سيدهم بعد العشاء الأخير ليلة آلامه.

 

وكمثال ثامن: المسيحي الأرثوذكسي الذي ينال شركة ذبيحة المسيح يحترس في أمور خاصة جسدية وروحية (عب10: 29، 2بط2: 20-22) تديم له الإحساس بقدسية وكرامة السر الذي تناول منه فتدوم له حياة النعمة والطهارة والتوبة بدوام احتراسه وحرصه. والاحتراسات الجسدية التي يراعيها هي سبب حسي ملموس لأن يستمر متذكرًا للنعمة التي حصل عليها فيبقى ثابتًا في المسيح، أما الاحتراسات الروحية فهي استمراره في ممارسة جهاده الروحي في الصوم والصلاة والتسبيح والتأمل والتوبة وقراءة كلمة الله، ومثابرته عليها بعد التناول كضرورة لحفظ ثماره من فرح وطهارة وسلام. وإن كان يتقدم للتناول ثانية فلكي يضرم روحانية جهاده الروحي مرة أخرى وهكذا.

 

وكمثال تاسع: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بسر الاعتراف (أم28: 13، يو20: 23، لا16: 21، لا5) وتأثيره العميق في سلامه الداخلي وفي معاونته على حياة التوبة والنمو الروحي. إذ من خلاله يهتم بمحاسبة نفسه وإعدادها للاعتراف بالخطايا أولًا بأول بروح الندامة الحقيقية والتوبة الصادقة مما يجعله أكثر تدقيقًا في سلوكه وأكثر مخافة من الله في تصرفاته، مستعدًا دائما لملاقاة العريس السمائي.

كما يعتبر هذا السر ضرورة إيمانية لأنه كما ينال حياته بالله في سر التناول ينال أيضًا سلامه في الله بالصفح عن خطاياه في سر الاعتراف، والمسيح قد أكمل عنا في جسده على الصليب ذبيحة خطية وفي قيامته قوة حياة، فعند الاعتراف ينال المؤمن حقه في صليب المسيح كذبيحة خطية لغفران خطاياه وعندما يتناول ينال حقه في قيامة المسيح كقوة حياة لأجل خلوده. من أجل هذا يحرص دائما أن يتمم سر الاعتراف خصوصًا قبل تقدمه لسر التناول.

 

وكمثال عاشر: المسيحي الأرثوذكسي إذا مرض هو أو أحد له فإنه يؤمن بسر مسحة المرضى (يع5: 14-15) وما فيه من قوة على شفاء المرضى لذلك يستدعى الأب الكاهن للصلاة على المريض ودهنه بزيت المسحة، ويؤمن بالحقيقة الكتابية أن صلاة الإيمان تشفي المريض وإن كان قد فعل خطية تغفر له، وأن التلاميذ دهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم (مر6: 13). ورجاؤه المفرح في هذا ليس في شفاء مرضه الجسدي وإنما في شفاء مرض الروح أي الخطية لأنه يعترف وينال الحل من خطاياه قبل دهنه بالزيت فتستريح نفسه من ثقل الخطية ويطمئن قلبه لخلاصه الأبدي ويترك جسده ومرضه بين يدي الله فيرتفع الألم ويتوشح بصبر واحتمال عجيبين بعمل الروح القدس فيه بواسطة السرين اللذين نالهما (سر الاعتراف وسر مسحة المرضى).

 

St-Takla.org         Image: Miracle of Jesus in the Wedding at Cana صورة: معجزة السيد المسيح في عُرس قانا الجليل

St-Takla.org Image: Miracle of Jesus in the Wedding at Cana.

صورة: معجزة السيد المسيح في عرس قانا الجليل.

وكمثال حادي عشر: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بسر الزواج وقدسيته وبعمل الروح القدس (المستتر) فيه من خلال صلوات الكنيسة وطقسها لتقديس الشركة بين العروسين وحلول النعمة والبركة عليهما، ويؤمن بالمواعيد والدعوات الصالحة له في صلاة الإكليل حيث تُشيع في نفسه البهجة ويمتلئ قلبه بالفرح بسر الإكليل، وينصت باهتمام لما يتلى عليه من نصائح ووصايا إنجيلية، ويحس وكأنها موجهة له من المسيح مباشرة وإن كان يسمعها من فم الكاهن الإنسان المنظور، وهذا له تأثيره على تقوية وشائج الإخلاص وروابط المحبة بين الزوجين وتوثيق الحياة العائلية بينهما، وما يخلقه هذا بطبيعة الحال من سلام واستقرار في داخل الأسرة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى.

وقانونية هذا السر وتقديس رابطة الزواج بواسطته تتأكد عنده من مباركة المسيح لعرس قانا الجليل ومن كلامه له المجد عن الزواج بأن الله هو العامل فيه بقوله "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت19: 6) ومن كلام بولس الرسول عن الزواج كسر عظيم (أف5: 23-32).

 

وكمثال ثاني عشر: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بسر المعمودية وسر مسحة الميرون المقدس، فعندما يرزقه الله طفلًا فإنه في الوقت المحدد يحضر إلى الكنيسة مع زوجته وهما مستعدين روحيًا وجسديًا لكي يقدما طفلهما إلى المعمودية المقدسة لينال عطية الخليقة الجديدة بالولادة من فوق من الماء والروح وينال عهد البنوة أي يصير ابنًا لله وينال التجديد الداخلي ويصير عضوًا في جسد الرب أي الكنيسة، ويتمتع بفداء المسيح ومغفرة خطاياه، ويختم على إيمانه بقبوله شركة الموت مع المسيح وقيامته بدفنه في المعمودية وخروجه منها، وذلك على إيمان والديه اللذين بالنيابة عنه يجحدان الشيطان وكل جنوده وكل أفكاره الشريرة وأعماله الرديئة، ويقران بالإيمان بالثالوث الأقدس وبأن يسوع هو ابن الله الظاهر في الجسد لخلاص العالم وأن من يؤمن به ينال مغفرة الخطايا، ويعترفان بكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية. ثم يتممان له سر الميرون، وذلك بمسح أعضائه الظاهرة بالميرون المقدس الذي يشير إلى ختم ومسح قوى نفسه الداخلية وحواسها الروحية بمسحة الروح القدس. هذه التي تقويه في النعمة وتقوى إرادته في عمل الصلاح وتنير عقله وتثبته في الإيمان وتعلمه كل شيء. ثم يستمعان لجميع الوصايا والتعاليم ثم يتعهدان بتربية طفلهما على الإيمان المستقيم.

ويعتبر يوم العماد والميرون يومًا عظيمًا تحفه مظاهر السرور حيث يحضر أقارب المعمدين ويقدمون نذورهم لله، ويتبادلون التهنئة الروحية وتوقد الأنوار والشموع ويزفون الأطفال في الكنيسة بملابسهم البيضاء رمز النقاء، وبزناراتهم الحمراء رمز عمل الروح القدس لارتباطهم بعهد دم المسيح وأنهم صاروا أعضاء في الكنيسة التي هي جسده، في موكب حافل بالألحان والدفوف وتعابير الفرح والتهليل ويعلو وجوه الجميع أسارير البهجة والسعادة بهذه المناسبة الروحية.

ولا يعوز المسيحي شيء من قانونية المعمودية إذ يكفيه قول المسيح لنيقوديموس "من لا يولد من الماء والروح لا يدخل ملكوت السموات" (يو3: 5) وقوله لتلاميذه "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت28: 19) واعتماد بولس الرسول نفسه على يد حنانيا (أع9: 17-18) أما قانونية الميرون فمن حلول الروح القدس على المعتمدين من أهل السامرة بوضع يدي بطرس وبولس عليهم (أع8: 14-17) ومن حلوله على المعتمدين من أهل أفسس بوضع يد بولس الرسول (أع19: 1-6).

 

وكمثال ثالث عشر: المسيحي الأرثوذكسي يحترم الكهنوت ويعمل له اعتبارًا كبيرًا ويتبارك منه ويحس ببركة عند دخول الكاهن إلى بيته، غير ناظر إلى شخص الكاهن وضعفاته بقدر ما ينظر إلى قدسية السر (أع20: 28، في1: 1، 1تي3: 2) وبركته العظيمة التي يحملها وخصوصًا أن الله شرف من يحمل الكهنوت برعاية خرافه الناطقة وإرشادهم إلى طريق الحق والخلاص، وأيده بقوة لخدمة الكلمة، وأعطاه سلطان الحل والربط وسلطان مغفرة الخطايا أو مسكها وإقامة سر ذبيحة جسد المسيح ودمه الأقدسين وبقية الأسرار المقدسة، وأمر بطاعته والاستماع له حيث أنه من فم الكاهن تطلب الشريعة. وعلى حد قول أحد الآباء "عظيمة هي مهمة الكهنة وعظيمة رتبتهم فلقد أعطى لهم ما لم يُعط للملائكة".

 

وكمثال رابع عشر: المسيحي الأرثوذكسي له أعياده الروحية اليومية والشهرية والسنوية وله طريقته الخاصة في الاحتفال بها بطريقة حسية ملموسة تقرب له معاني الإنجيل وتذكره بحياة السيد المسيح والرسل والقديسين والملائكة وتجسمها أمامه لكي يحيا فيها وبها، وله فرحه الروحي وبهجته التي يحصل عليها من هذه الأعياد وتذكاراتها. مستندًا في الاحتفال بها إلى أوامر الله بخصوص الأعياد بحفظها وتقديسها (خر12: 14) ونسبتها إليه بقوله هذه مواسمي وأعيادي (لا23: 1) وإلى احتفال الرسل بها (أع18: 21) وإلى وصيتهم بخصوصها (1كو5: 8) وإلى الحكمة المستفادة منها عموما، إذ تذكره بإحسانات الله وخيراته عليه التي أنعم له بها في ابنه، ولتقديم الشكر له وتمجيده وتجديد العهد بالحياة معه.

أما اهتمامه بأعياد القديسين فللأمر الإلهي بتطويبهم في جميع الأجيال، انظر القديسة مريم (لو1: 48، 49) ويوحنا المعمدان (لو7: 26-28) والمرأة الخاطئة (مر14: 9) وجميع القديسين (عب13: 7). ولأنه يحيى فضائلهم وبطولة إيمانهم وتقواهم وعملهم ودفاعهم عن الحق فهم قدوة إنجيلية عملية لجميع المؤمنين، بل احتفاله بالقديسين لتكريمهم هو تكريم للمسيح نفسه (لو10: 16) الذي أحبوه وأعلنوا حبه للعالم وبذلوا حياتهم من أجله.

 

وكمثال خامس عشر: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بأهمية الصلوات والطلبات والبخور الذي ترفعه الكنيسة من أجل الراحلين وعلى أنفس الذين رقدوا، ويؤمن بفاعليتها أمام عرش النعمة لاستمطار مراحم الله كشفاعة من الأحياء لأجل الأموات، كما يؤمن بقدرتها على تعزية القلب وبرودة النفس بالنسبة للأحياء، وحثهم على الاستعداد للموت بالتوبة عن الخطية وبعبادة الله بأمانة وبعمل الخير والرحمة، لذلك هو يتجه إلى الكنيسة عند رحيل أحد أقاربه أو أحبائه إذ ينال تعزية خاصة من خلال صلواتها وألحانها وطلباتها وبخورها.

وهذا ليس أمرًا مستحدثًا أو غريبًا في حياته الدينية لأن الآباء والأنبياء كانوا يحتفلون بموتاهم ويقيمون الصلاة من أجلهم (تك50: 7)، (1صم25: 1، مك22: 42) ويوسف الرامي ونيقوديموس احتفلا بدفن جسد المخلص (يو19: 39، 40) بتسبيح وتقديس. أما الرسل والآباء فقد وضعوا ترتيبا للصلاة على الراقدين خاصا بكل واحد من المؤمنين كل حسب رتبته، كما هو مستقر في البيعة ومثبوت في كتبها.

 

وكمثال سادس عشر: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بكرامة الرهبنة العابدة وببركة البتولية وأفضليتها على الزواج وذلك من أقوال الله (مت19: 12، 1كو7)، ومن النماذج الحية التي يقدمها الكتاب من المتبتلين أمثال إيليا وأليشع ويوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب وبولس الرسول وغيرهم، ومن أمثلة عظماء التاريخ الكنسي من القديسين والبطاركة الذين صنع الله على أيديهم المعجزات وكانوا من الرهبان والمتبتلين، ومن نصيب هؤلاء من المجد السماوي حيث نرى المتبتلين في الصفوف الأولى في موكب المفديين الذين اشتروا من بين الناس باكورة لله (رؤ14: 1-5)، وأيضًا من نموذج الحياة الفعلية التي يحياها الرهبان والمتبتلون، فهم أناس ماتوا عن الجسد والعالم وتفرغوا للعبادة والتأمل والعشرة مع الله، وهم بذلك أكثر الناس قربًا إليه والتصاقا به. من أجل هذا كانت الرهبنة والبتولية بالنسبة للمسيحي الأرثوذكسي أمنية يتطلع إليها ويشعر بخسارة سماوية إن ضاعت فرصتها منه.

ومن أجل هذا نجد سعادته وتعزيته في محاولة تحقيق هذه الحياة نوعًا في أسلوب حياته في العالم، فيجتهد لكي يحيا في سيرة روحانية مقاومًا إكمال شهوات الجسد، ساعيًا في أن يتمتع على قدر استطاعته بأوقات الأصوام والخلوات الروحية، وفي أن يزور الأديرة وينال بركة قديسيها ورهبانها وأن ينهل من كتاباتهم ويستنشق عبير سيرهم المباركة ويتلذذ بأخبارهم الشهية.

 

وكمثال سابع عشر: المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بحياة الشهادة أو الاستشهاد، أي سفك الدم على مذبح الإيمان بالمسيح فكنيسته هي كنيسة الشهداء، بل هي أغنى كنائس العالم بهم، لذلك فالشهادة تجري في دمه وهو يحياها كل يوم، ويتمنى أن ينال إكليلها، وهو يسير على دربها وقد تمرس على حياة الألم واحتمال الضيق والإهانات من أجل المسيح، ولسان حاله يقول كل يوم مع بولس الرسول "من أجلك نُمات كل النهار" (رو8: 36)، وأصبحت الحياة رخيصة عنده مقابل حصوله على مجد وسعادة الأبد، بل أصبح اشتياقه إلى بهاء المسيح أفضل من كل شيء.

هذه أمثلة للعقائد والاتجاهات والقيم الروحية التي يحيا فيها وبها القبطي الأرثوذكسي، وتصبغ حياته وبيته وسلوكه بأسلوب خاص وطابع معين يميزه عن المسيحي المخالف له في المذهب.

فالمسيحي البروتستانتي مثلًا لا يؤمن بشفاعة القديسين ولا بتكريم السيدة العذراء ولا ببركة الصور المقدسة ولا بقوة فاعلية رشم علامة الصليب، كما لا يؤمن بصلوات الأجبية ولا بصوم يومي الأربعاء والجمعة ولا ببقية الأصوام المرتبة في الكنيسة، كما لا يؤمن بسلامة قانونية الكنيسة الأرثوذكسية وقدسية كهنوتها ولا بالمذبح ولا بتناول جسد المسيح ودمه الأقدسين من على هذا المذبح ولا يؤمن بسر مسحة المرضى ولا يؤمن بسر الاعتراف ولا يؤمن بطريقة الاحتفال بالأعياد المسيحية كما هو في الكنيسة الأرثوذكسية، ولا يؤمن بكرامة الرهبنة وبفاعليتها في حياة الكنيسة كما لا يعطي كرامة للشهداء ولا لعجائب الله فيهم، كما لو كانت شهادتهم أو كما لو كان سفك دمهم في نظره شيئًا رخيصًا غير ذى قيمة لا من جهة حفاظهم على الإيمان ولا من جهة محبتهم للمسيح. كما يتمسك بطريقته الخاصة المنفردة في تفسير بعض آيات الإنجيل المتعلقة ببعض الطقوس.

أما المسيحي الكاثوليكي، فلئن كانت كنيسته تقليدية رسولية تؤمن بأسرار الكنيسة السبعة وتمارسها كما تؤمن ببقية قيم الحياة الأرثوذكسية إلا أنه قد ابتعد بعلمه ومعرفته عن التخم القديم أي الحدود التي وضعها الآباء للعبادات والممارسات الإيمانية بما قدمته له التفسيحات الرومانية من تسهيلات قللت من شأن الأصوام والصلوات والعبادات والقداسات كيفا وكما؛ مما قلل أيضًا من تأثيرها الوجداني في نفسية الفرد ومن فاعليتها القوية في حياته الروحية.

كما أن هناك بعض المبادئ والعلاقات التي يقرها اللاهوت الأدبي الكاثوليكي ولا يقرها اللاهوت الأرثوذكسي.

من هذه الأمثلة تبدو الفوارق المتعددة التي تباعد بين أصحاب المذاهب المختلفة في أسلوب الحياة اليومية بل وفي العلاقات مع الآخرين مما يوضح تأثيرها على حياة الناس.

من أجل هذا كانت حكمة الكنيسة الأرثوذكسية في اشتراطها بأن يكون الزوجان متفقين في الملة والمذهب وإن كانا مختلفين فيجب أن يتوحدا أولًا قبل أن يتزوجا وذلك بانضمام أحد الطرفين للآخر انضمامًا رسميًا أي بالطريق القانوني الكنسي، وانضماما فعليًا بمزاولة الممارسات الروحية ذاتها تحقيقًا للغاية التي فرضتها الكنيسة من الانضمام لتتميم الزواج، وليس ذلك إلا لتذويب الفوارق وتوحيد الفكر والقلب ونموذج السلوك وأسلوب الحياة بكامله بين الطرفين حتى تستبعد بذلك عاملا معوقا لاستقامة الحياة العائلية بين الزوجين، وتتفادى معطلًا لنمو ونشأة الأبناء في جو من التوافق والوئام الأسري.

من هذا يتضح أن ذكر تلك الأمثلة في حياة المسيحي الأرثوذكسي ومقارنتها بما يقابلها في حياة المسيحي من المذاهب الأخرى لم يقصد منه إظهار امتيازات معينة لطرف على طرف آخر، وإنما قصد به بيان ما أمكن من الفوارق الحقيقية بين هذه الأطراف لتوضيح ما يمكن أن تؤثر به هذه الفوارق على حياة مشتركة لطرفين منهم في سر الزيجة المقدس، خصوصًا أننا رأينا إلى أي مدى تتعدد هذه الفوارق حتى أنها تشمل جميع مناحي الحياة اليومية والأسبوعية والشهرية وعلى مدار كل العام، كما تشمل الموت والحياة، والمرض، ووسائل العبادة، وطريقة فهم كلمة الله، وحتى النظرة إلى مستوى بعض الفضائل ذاتها.

كما وأن ذكر تلك الأمثلة لا ينفي محبة المسيحيين جميعهم بعضهم لبعض مهما اختلفوا في الملة أو المذهب ومحبتهم أيضًا لغير المسيحيين الذين يختلفون معهم في الإيمان كله، لأن المحبة والمعاملات الطيبة وتقديم الخدمات والتضحيات لجميع الناس أيًا كانوا شيء تفرضه التعاليم الإنجيلية على كل المؤمنين بالمسيح، أما شركة الحياة التي تقوم بالزواج فلا يصح أن تنحرف وتكون سببًا في التفريط في الإيمان أو التهاون في العقيدة.

والمسيحي الأرثوذكسي يجب أن يكون قلبه مفتوحا بالحب والصفح والعطاء لكل أحد، ولكنه في نفس الوقت لا يصح أن يبيع ذاته ولا إيمانه أو عقيدته في سبيل الزواج غير السليم من أي أحد يختلف عنه في الإيمان أو المذهب أو الملة.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ثانيًا: الزواج من غرباء عن المجتمع

كذلك بعض أبنائنا يقبلون أحيانا الارتباط بطرف غريب عن المجتمع الذي عاشوا أو نشأوا فيه، وهؤلاء أيضًا قد تواجههم بعض الأمور نتيجة هذا الارتباط. وهذه الأمور غالبا ما تكون متوقعة نظرًا للخلافات الواضحة في طبيعة الحياة بين المجتمعات. فكل مجتمع له عرفه وتقاليده وعاداته وقيمه الأخلاقية التي تحكمه. بل أحيانًا يتحكم في حياة الناس فيه الطقس والمناخ والحالة الاقتصادية والثقافية وظروف البيئة إن كانت زراعية أو صناعية وتجعل لهم أنواعًا معينة من الملبس والمأكل وأسلوبًا خاصًا في التصرفات الشخصية والمعاملات مع الآخرين، ومجالات خاصة من وسائل الترفيه وكيفية تقضية أوقات الفراغ وأنواعًا خاصة من القراءات التي يشغفون بها والموسيقى التي يحبون سماعها، وهذا إلى جانب حتمية الخلاف في اللغة وإن لم تكن اللغة فيكون الاختلاف في اللهجة وفي استخدام بعض الكلمات والأمثال والاصطلاحات العامة. يضاف إلى ذلك نظرة كل مجتمع إلى الدين وما يتعلق به من الاعتراف بوجود الله والعبادات الواجبة نحوه والتمسك بوصاياه والإيمان بمواعيده إلى غير ذلك.

فإن كان ذلك المجتمع متمسكًا في عمومه بالدين فهناك احتمال آخر هو الاختلاف في المذهب وإن لم يكن في المذهب ففي الملة لأن الطرف الآخر في المجتمعات الأجنبية قد يكون أرثوذكسي المذهب ولكن من ملة أخرى لأن الملل مختلفة واختلافها غالبا مرتبط باختلاف الجنسيات حيث توجد ملل أرثوذكسية عديدة غير الأقباط، منها الأرمن والروم والهنود والأحباش والروس والسريان وبعضها متفق والبعض الآخر مختلف والاختلافات مابين الملل وإن كانت تمنع من الارتباط الزيجي حسب رأي الكنيسة القبطية إلا أنها فوق ذلك لها اعتبار آخر كخلافات قائمة بالفعل ولها تأثيرها على حياة الأفراد.

ويظهر تفاوت الاختلاف بين المجتمعات عند مقارنتها ببعضها البعض من مقاطعة إلى أخرى في الإقليم الواحد. بل إن هذا التفاوت يزيد حدة واتساعًا من إقليم إلى آخر في القارة الواحدة. فكم بالحري عندما يكون الاختلاف على مستوى القارات أي عندما يكون طرف من قارة والطرف الآخر من قارة أخرى كأن يكون زوج إفريقي مصري أسيوطي أبنوبي وزوجة من أمريكا الشمالية مقاطعة بنسلفانيا مدينة هارسبورج مثلًا.

أما إذا حدث فعلًا وارتبط أو أراد أن يرتبط طرفان تجمع بينهما هذه الخلافات المتباينة، فإما أن أحدهما تكون عنده قدرة فائقة على سرعة التكيف والتأقلم مع الطرف الآخر أو أن يكون قادرًا بقوة على تغيير الطرف الآخر لكي يتوافق معه فتستقيم الحياة بينهما وتستمر، وإما أن يبقى الطرفان كل منهما محتفظًا باتجاهاته وتكوينه، ومن ثم تستحيل الحياة بينهما فتنتهي إلى فُرقة.

لذلك نرى كثيرًا من أبنائنا الذين يحسون بعدم قدرتهم على التكيف السريع، يقطعون المسافات الطويلة ويتكلفون نفقات كثيرة لكي يحضروا إلى وطنهم لاختيار شريكة حياتهم. وقد يحضرون أكثر من مرة لهذا الغرض، وذلك تجنبا لمخاطر الاختيار الذي تكتنفه كل هذه الاختلافات خصوصًا أنهم يلمحون صفات غالبة على المرأة الأجنبية لها في نظرهم تأثيرها على إمكانية استمرار الحياة العائلية واستقرارها معهم، أو قد تتعب نفسيتهم ولا تتفق مع طبيعتهم التي نشأوا فيها في بيوتهم التي اعتادوا فيها على بعض القيم والخصائص التي تحكم العلاقات بين الزوج والزوجة في الطاعة والخدمة والتحفظ والنواحي السلوكية المختلفة.

وكما أن المرأة الأجنبية لها صفاتها المغايرة كذلك الرجل الأجنبي أيضًا قد تكون له طباعه وأسلوب حياته المغاير وطريقته الخاصة في معاملة الزوجة وقد يكون غير متوافق إلى حد ما كطرف غريب، يضاف إلى ذلك المفارقات المتعددة بين المجتمعات كما سبقت الإشارة.

كل هذا ينبه أبناءنا الذين يعجبون ببعض القيم والفضائل الطيبة في الشخصية الأجنبية وتشجعهم على الارتباط بهم - ينبههم إلى أن يعملوا أولًا حساب النفقة قبل أن يقدموا على مصاهرة الغرباء عن مجتمعهم الذي عاشوا فيه.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) قارن هذا بما ورد في (تك3: 6-7).

(2) الدسقولية الباب 31.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-salaib-hakim/marriage-faith/others.html

تقصير الرابط:
tak.la/b4a36j6