St-Takla.org  >   books  >   fr-antonios-fekry  >   jesus-the-messiah
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب حياة السيد المسيح والزمان الذي عاش فيه - تأليف: ألفريد إدرشيم - ترجمة وعرض: القمص أنطونيوس فكري

6- الفصل الرابع: فيلو السكندري

 

ولد بالإسكندرية سنة 20 ق.م. وهو من نسل هارون ومن أغنياء الإسكندرية ومن العائلات ذات النفوذ والتأثير. وكان سفيرًا لليهود في المفاوضات مع كاليجولا القيصر الروماني حول الإضطهادات ضد اليهود. وكان مفكرا وكاتبا بارزا وهو الذي أكمل الهيللينستية اليهودية. وهو الذي جمع كلا الفلسفتين اليونانية واليهودية. وقد إقتبس الكثير من عبارات أفلاطون وبلوتارخ في كتاباته. وقد تعلم من كتابات فلاسفة اليونان الكثير. وقد وجد فيلو في أفلاطون فيلسوفا عظيما جدًا. ولكنه إعتبر أن إسرائيل الحقيقى أعظم الكل. أما موسى في عظمته فلا مثيل له، ولا يوجد من يدخل حتى في مقارنة مع موسى في عظمته. فكل أقوال موسى هي الحكمة والحق المطلق. الحكمة كلها في كلمات موسى سواء المعنى المباشر أو المعاني المخفية. فمثلا يقارن بين آيتين "الله ليس إنسانا" (عد23: 19) و"حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه" (تث1: 31) فقال أن الأولى تعلن الحق المطلق والثانية هي إعلان ليتكيف الحق مع الإنسان الضعيف.

ونجد أن هذه هي مدرسة فيلو في التفسير المزدوج بين ما هو حرفى وما هو مجازى لكلمة الله. وكان يرى أن هناك الكثير من قصص الكتاب المقدس (التوراة) تبدو غامضة إذا فسرناها حرفيا، ولكن التفسير المجازى يعطيها الفهم الصحيح. ولكن فيلو تمادى في أرائه في التفسير المجازى بطريقة عجيبة، حتى أنه غَيَّر في ترتيب كلمات الآية بل وفي حروف بعض الكلمات ليستخرج معنى مجازى جديد. بل وجدنا أن بعض الربيين فعلوا نفس الشيء.

وإعتمد فيلو في تفسير الكتاب على الفكر العقلانى المنطقى والمجازى وليس الحرفى. وقال فيلو أن الترجمة السبعينية بها وحى كباقى الكتاب. وقد وضع تصورا لكل رمز وكل لون وقال أن لكل رقم وكل لون لهما دلالة كما في خيمة الإجتماع مثلا. وهكذا الأسماء والحيوانات والنباتات المذكورة. وقد إهتم بإيجاد المعاني المخفية في الكلمات الخاصة بالجسد وصار يفهمها على أنها موجهة للروح.

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

الأفكار اللاهوتية عند فيلو

1) اللاهوت

نجد عند فيلو الأفكار المتضاربة لكلا المدرستين الأفلاطونية والرواقية. فبحسب المدرسة الأفلاطونية نجد أن هناك تمييزا حادا وفصلا واضحا بين الله والعالم. والرواقيون يتبنون فكرة وحدة الوجود. ويقول فيلو الله موجود ليس في المكان والزمان. ولا يوجد لله طبيعة أو سمات إنسانية، ولا عواطف له، والله لا اسم له. وهو غير مدرك بالنسبة للإنسان. وليشرح هذا غَيَّر في كلمات الآية (تك3: 9) "آدم أين أنت" وجعلها "آدم أنت في مكان ما (somewhere) ولكن الله لا مكان محدود له (had no somewhere) فلا معنى لإختباء آدم. وهو فسر كلمتى الله والرب على أنهما يعبران عن القوتين أو القدرتين أو السلطتين الأسمى في الله (the two supreme potencies) ورأى في الآية "فوقف الشعب من بعيد، واما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الله" (خر20: 21) أنها تعبر عن أن الله غير مدرك.

ولكن وجهة النظر اليهودية والعهد القديم عن الخلق والعناية الإلهية، فالله موجود في العالم وهو الحق الوحيد وكل الحق فيه. هو خلق كل شيء وكل شيء حقيقى هو في الله. هو الصلاح وكل صلاح هو مصدره. الله خلق الروح وخلقها صالحة، هو منبع الروح ونورها ومخلصها فهو الذي خلص شعبه من ألام عبودية مصر.

ومع نظرية فيلو عن الله فلا تفسير للمعجزات أو تدخل الله في الأمور، لذلك لجأ للتفسير المجازى لهذه المعجزات. لذلك نقول أن إله فيلو ليس هو إله إسرائيل شعب الله المختار.

 

St-Takla.org Image: Philon of Alexandria (Philo Judaeus von Alexandreia), original image from 1584- From Aus K. Thieme: Philosophenbilder, Basel 1952, by André Thevet - edited version صورة في موقع الأنبا تكلا: الفيلسوف السكندري فيلو (فيلون)، الصورة الأصلية من عام 1584 - عن أوس ك. ثيم: صور الفلاسفة، بازل، 1952، عمل أندريه ثيفي - نسخة معدلة

St-Takla.org Image: Philon of Alexandria (Philo Judaeus von Alexandreia), original image from 1584- From Aus K. Thieme: Philosophenbilder, Basel 1952, by André Thevet - edited version

صورة في موقع الأنبا تكلا: الفيلسوف السكندري فيلو (فيلون)، الصورة الأصلية من عام 1584 - عن أوس ك. ثيم: صور الفلاسفة، بازل، 1952، عمل أندريه ثيفي - نسخة معدلة

2) القوى الوسطى أو القدرات (Potencies) وباليونانية (ديناميس لوجى)

يوجد تشابه بين أفكار فيلو وبين أفكار الربيين المتصوفين ووضح هذا الفكر بالأكثر مع جماعة الكابالا:-

الربيين المتصوفين = هؤلاء يقولون أن المعرفة والقوة تأتى عن طريق الإيمان والتبصر الروحي.

جماعة الكابالا (qabbala) = من كلمة (qibbel) وهؤلاء يرون أن المعرفة تأتى بالتأمل في الماضى والمصادر القديمة وليس فقط في التسليم المسلم شفويا. وتجد أن أفكار هؤلاء الكابالا موجودة في المشناة والترجوم. وهكذا أيضًا قالت المدرسة الأفلاطونية أنها كانت ترجع للتقاليد القديمة. وقد شبه الكابالا من يدرس مجرد حرف الناموس هو كمن يقترب لملابس إنسان، ومن يبحث عن المعنى الأخلاقى المتضمن في القصة فهو كمن يقترب من جسد الإنسان. أما من يبحث عن المعاني المختفية وراء النص الإلهي فهو كمن يقترب من روحه. ونجد أن فيلو له نفس الفكر إذ كان يرجع للمصادر القديمة ويشير لها كما يفعل الكابالا. وبهذا يكون لكلا المدرستين الشرقية والغربية نفس المصادر.

 

3) الخالق والخليقة

تشابه فيلو والربيين في تصورهم عن الله فقالوا أنه المكان (mokom) وقال الكابالا عن الله أنه الغير المحوى. ولا يُعرف الله إلا عن طريق تجلياته أي ما يظهره وأما غير ذلك فهو غير مدرك. ولكن لا فيلو ولا الصوفية اليهودية قدروا على أن يقيموا أو يجدوا أي إتصال مباشر بين الله والخليقة.

وجاء الكابالا وأدخلوا فكرة الإنبعاث أو الصدور وأخيرا إستقروا على فكرة المنبع الذي يخرج منه النور اللانهائى. وبهذا وجدوا طريقة لإتصال الله بالخليقة.

أما فيلو فهو كان حين يجد صعوبة كبيرة يلجأ للتعبيرات الفلسفية اليونانية ويجد فيها مساعدة ومعونة. فهو إستبدل فكرة الإنبعاث عند الكابالا بمصطلحات يونانية. فأطلق فيلو كلمة (Potencies) وباليونانية [ديناميس] أو القدرات الفعالة كقوى متوسطة إذا تكلم عن الله أو أعمال الله. وحين يتكلم عن الخليقة يستخدم تعبير [اللوغوس] أو الكلمات كقوى المتوسطة. وبهذا يقال عن الـPotencies والـ"لوغوس" القوى المتوسطة. وكل هذه القدرات الفعالة هي في الله وصادرة من الله. أما أفلاطون فرأى هذه الأعمال ليست إنبعاثات بل هي تكرار لنموذج أولي أصلي، وأن العالم كله قد تكون على نظام هذا النموذج الأولى. إذًا لم يكن اليهود وحدهم هم من فصلوا بين الله الغير مقترب منه وبين تجليات الله أي ما أظهره الله.

ويظهر التوازى بين فيلو والربيين في فصلهم بين نوعين من صفات الله وهما الرحمة والقضاء. فنجد أن الربيين يميزوا بين الله (إلوهيم God) هو إله القضاء. أما يهوه فهو إله الرحمة والنعمة. ويضع فيلو بجانب الكلمة الإلهية (ثيئوس لوغوس) لفظ أغاتوثيس أي الطيبة والجودة والصلاح. وبجانب قوة الخلق (creative potency) أو باليونانية (بيتيكى ديناميس) يضع إكثوسيا على أن هذه هي القدرة الحاكمة. وفي هذا تماشى فيلو مع السبعينية في ترجمتها الله والرب يهوه (God & Lord) وباليونانية (ثيئوس وكيريوس). ورأى فيلو أن الملاكين اللذين ذهبا مع الرب لدمار سدوم وعمورة أنهما يمثلان القدرات الإلهية. وقال أن هناك قدرات رحيمة يمثلها 6 مدن الملجأ. وقال أن هذه القدرات الإلهية Potencies تصدر من الله كما تخرج أشعة من الضوء أو ماء من الينبوع أو النفس من الإنسان. هما راسخين ثابتين في الله ولكن أيضًا مستقلين بدونه. وبينما هما حركات من جهة الله ولكن هما كائنين منفصلين. هما العالم المثالى في إندفاعه للخارج يقابل المادة فيوجد عالمنا المادى هذا. هما ملائكة الله ورسله للإنسان، وهما الوسط الذي يظهر نفسه من خلاله.

 

اللوغوس

اللوغوس في الفلسفة الأفلاطونية هو النموذج الأولي أو الأصلي للخليقة. وفي الفلسفة الرواقية اللوغوس هو سبب العالم المنتشر الواسع حولنا. وفي التلمود نسمع عن الاسم والشاكيناة كإعلان عن وجود الله، وأحيانًا يُقدم الله على أنه الروح القدس. بل وكررت كلمة اللوغوس ولكن بتعبير يهودي هو Memra بمعنى الطريقة التي يظهر بها الله ذاته أي عمله في الخليقة. ووردت هذه الكلمة في ترجوم أونكيلوس 179 مرة وفي ترجوم أورشليم 99 مرة وفي ترجوم يوناثان 321 مرة.

ويظهر الفارق بين كلمتى الله وMemra of Jehovah. كما في "يكون الرب (Memra of Jehovah) لى إلهًا (God)" (تك28: 21) وراجع أيضًا (عد23: 21). وهناك تمييز بين كلمتى ممرا والشاكيناه التي تشير لوجود الله الدائم. ولكن ما هو أبعد من هذا في اللاهوت اليهودي، أنه إحتفظ لنا بأن هناك تمايز داخل الطبيعة الإلهية. ونفهم نحن الآن كمسيحيين أن الـMemra هو الأقنوم. ولكن لليهود لم يكن هذا واضحا. وكان هناك فرق في المفهوم بين فيلو والربيين فالـ Memra عند الربيين فكرة لاهوتية وعند فيلو فكرة فلسفية.

 

4) مفهوم اللوغوس عند فيلو

هو ليس شخص ذا شخصية واضحة ثابتة، وهو ليس بخاصية إلهية. ولكنه هو الظل حينما يسقط نور الله على شيء، ولو كان هو النور فهو إنعكاس لظهور نور الله. أو هو تعبير عن روحانية الله في مقابل أن العالم مكان سكناه المادى. ويقول فيلو أن اللوغوس هو صورة الله (إيكون) والتي عليها خلق الإنسان، وبالتعبير الأفلاطونى فهو النموذج الأولى أو النموذج الأصلى، وهو الأداة التي إستخدمها الله في خلق كل شيء. وبالنسبة للعالم فاللوغوس هو وجوده الحقيقى وهو النموذج الأصلى الذي من خلاله خلق كل شيء.

وإذا قلنا أن اللوغوس يفصل بين الله والعالم فهو كوسيط يوحد أيضًا بينهما. هو يعلن للإنسان ويترجم له إرادة الله وفكره. فهو يعمل كوسيط. هو الكاهن الأعظم الحقيقى وبنقائه ينقى العالم من الخطية ويشفع فيه وبشفاعته يجلب لنا رحمة الله. ولذلك قال عنه أنه ليس فقط رئيس كهنة بل هو الباراقليط. وهو الشمس الذي بنوره ينير الإنسان. وهو الوسط أو الوسيلة الذي به تعلن الألوهية للروح، وهو المن، وهو الذي يدعم الحياة الروحية، وهو يسكن الروح.

لذلك فاللوغوس في مفهومه الكامل هو ملكيصادق كاهن الله العلى ملك البر الذي يجلب البر والسلام للروح، ولكنه لا يأتي للنفس التي ماتت بالخطية. اللوغوس عند فيلو هو ظلال وشئ غير حقيقى وليس له شخصية. وبالمقارنة مع فكر العهد الجديد الذي قال أن اللوغوس هو ابن الله الذي صار جسدا وصار المسيح رئيس كهنتنا الحقيقى الذي يشفع فينا بدمه شفاعة كفارية. نجد أن أفكار فيلو قد تكون قد إقتربت من فكر العهد الجديد لكنها أفكار مشوشة ضبابية، بل هي أفكار متضاربة في كثير من الأحيان. وقطعا إذا كان اللوغوس بلا شخصية فلا يوجد عند فيلو فداء ودم وكفارة وذبيحة كأساس لشفاعته.

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

الفرق بين فيلو ومدرسة الإسكندرية مع العهد الجديد فيما يخص علوم الكون والإنسان والبشريات

يظهر الخلاف بين مدرسة الإسكندرية والعهد الجديد بأكثر وضوح في أراء فيلو عن علوم الكون علوم الإنسان والبشريات. فبالنسبة لعلوم الكون سارت كتابات فيلو في بعض الأمور على التوازى مع الأراء الصوفية في التلمود ومع الكابالا. وتماشى فيلو مع الأراء الرواقية التي مثلت الله على أنه العلة النشطة لهذا العالم والمادة أنها العلة الخاملة (الجماد). وتبنى فيلو أراء أفلاطون أن المادة شيء موجود ولكنها تقاوم الله.

ونرى في التلمود أراء مسلية مثل أن الله أخذ حفنة تراب تحت عرش مجده، وذرها فوق المياه فتكونت الأرض. وقال البعض أن المياه هي العنصر الأساسى لهذا العالم ثم تجمد الماء في صورة ثلج ثم تحول ليصبح الأرض, وقال آخرين أن الهواء والنار هما العناصر الرئيسية، وهؤلاء حاولوا إثبات أن المادة لها وجود سابق وهؤلاء إستندوا على قول الكتاب "وعمل الله" (تك1: 7) ولم يقل خلق الله. وطور البعض هذه الأفكار وقال أن الله خلق أولًا ثلاثة عناصر هم الماء والهواء والنار (ولاحظ أن كلمتى روح وريح هما كلمة واحدة في العبرية واليونانية) ومن هذه الثلاثة عناصر تطور كل شيء. وكان كل هذا مبنيا على أفكار أفلاطون عن سبق الوجود للمادة. وقال التلمود أن الله خلق الإنسان وبداخله ميلين أحدهما ميله للصلاح والبر والآخر ميله للشر. ويبدأ الميل للشر مباشرة عقب الميلاد. ولكن في سلطة ومقدرة الإنسان أن يغلب الخطية ويحصل على البر الكامل.

أما فيلو فقد سار وراء الأفكار الأفلاطونية والرواقية وإعتبر أن المادة فارغة من أي خاصية أو صفة أو شكل. المادة في ذاتها هي ميتة، وأيضًا هي شر. وقال فيلو أن الله كَوَّنَ كمهندس، وإستخدم المواد التي لديه بحسب خطة موجودة من قبل وهى النموذج الأولى أو الأصلى. وقال فيلو أن الخلقة أو التكوين حدث ليس بسبب الله نفسه ولكن بسبب الـ(Potencies) أي القدرات أو القوات وبالذات اللوجوس الذي يربط الكل. أما عمل الله المباشر فهو الروح، وهذا للأبرار فقط وليس للأشرار.

ورأى فيلو كرأى أفلاطون فهو قسم الإنسان قسمين. أما الجزء غير المادى في الإنسان فهو جزئين الأول ينتمى للأرض وهو حسى شهوانى، والثانى ينتمى للسماء وهو عقلانى تأملى تدبيرى. الأول الشهوانى مرتبط بالجسد بلا ماضى سماوى وبلا مستقبل. أما الثاني العقلانى فهو نفخة الله في الإنسان حينما خلقه. ويقول فيلو أنه قبل بدء الحياة كانت الروح بلا جسد (virtue) أي روح نقية فاضلة على صورة الله. وبعض هذه الأرواح نزلت إلى الأجسام ففقدت نقاوتها، أو أن الإتحاد بينها وبين الآجسام كان عن طريق قوى أقل من الله (قوى شريرة) ولكن نفخة الله عند تكوينه للإنسان كان الإنسان عاقل وذكى. أما الجسد فهو كرسى الخطية. وكان فكر فيلو أن روح الطفل عارية (كآدم وحواء) مثل شمع والله في حب يشكله. ولكن هذا يتوقف حينما تتغلب العواطف الحسية الشهوانية على العقل. وهذا هو نبع كل الخطايا. لذلك فالهدف هو التخلص من كل ما هو شهوانى ورفع كل ما هو عقلانى وروحي (وهذا ينتمى للفكر الرواقى). وقال فيلو أن الإنسان الشهوانى بائس بلا راحة ولو إستمر هكذا يصل إلى حالة من فقدان الإحساس الروحي تمامًا. وعلى الإنسان في هذه الحالة أن يكرس نفسه للدراسة بأمانة في ثلاث درجات أقلها الدراسات الطبيعية والأعلى منها دائرة المعرفة أما الأعلى والأسمى فهي الفلسفات الإلهية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الرئيسى وهو الخطية الأصلية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وهنا يتفق فيلو مع الربييين الشرقيين، وكلاهما مختلف تمامًا مع فكر بولس الرسول في رسالة رومية. وما نجده في فكر بولس الرسول أنه "في آدم يموت الجميع وفي المسيح سيحيا الجميع" (1كو15: 22) لم يتعلمه لا من غمالائيل ولا من الربيين الشرقيين ولا من اليهودية الهيللينيستية. ولا نجد له أثرا لا هنا ولا هناك. بل أن فساد الإنسان بلا رجاء ووراثة الخطية والفساد بعد سقوط آدم غير موجودة تمامًا في الفكر اليهودي. ولكنهم قالوا أن موت الإنسان راجع لخطية أبوينا آدم وحواء.

 

علاقة هذا الفِكر بالعهد الجديد وبالذات إنجيل يوحنا

قدمت لنا الأناجيل الثلاثة المتناظرة (متى ومرقس ولوقا) المسيح ابن الله وإبن الإنسان، خادم الرب والمسيح الممسوح كملك ورئيس كهنة ونبى، وأنه المخلص. كان مرقس أول من كتب ثم كتب متى لليهود. ولوقا إستقى وتحرى عن كل معلومة باضافة لملازمته لبولس الرسول فترات طويلة. وهذه بالدرجة الأولى مقدمة لمن له خلفية كتابية من التوراة.

فكيف يقدم يوحنا في إنجيله المسيح ليهود الغرب ولليونانيين (الهيللينيين والمتهلينين) ليجذب هؤلاء وأولئك. ولاحظ أن يوحنا كان يعيش وسط هؤلاء في أفسس. لذلك أرشد الروح القدس يوحنا وكذلك بولس الرسول للطريقة التي يكلمون بها هؤلاء. فتجد يوحنا يقدم لهم ما يتناسب مع فكرهم ليقبلوا المسيح، فإستخدم عبارات يفهمونها مثل النور الحقيقى الذي ينير للعالم، وهو اللوغوس وهو الحياة وهو مصدر هذا العالم. وقدم الله على أنه ليس بعيدا غير مدرك بالنسبة للإنسان ولكنه الآب الأب. وبدلا من أن يقدم فكرة ضبابية عن الألوهية المنعكسة على اللوغوس نجده يقدم المسيح الكلمة. ولكنه ليس اللوغوس الذي فيه قوتين إحداهما للخير والأخرى للشر بل اللوغوس المملوء نعمة وحقا. وأيضًا يكسر القديس يوحنا الفكر الهيللينيستى السكندرى ويقول "الكلمة صار جسدا" وهو نفس قول بولس الرسول "الله ظهر في الجسد". وقدم يوحنا الخلاص على أنه ولادة جديدة من فوق، من الروح القدس وليس بكثرة المعرفة كما قال فلاسفة الغنوسية، وأيضًا ليس بالأعمال بحسب الفكر اليهودي. وقدم رجاء لكل خاطئ بالإيمان بالمسيح.

ختاما لهذا الفصل نقول أن فيلو كان آخر فلاسفة الهيللينستية وبه تمت صياغة الهيللينيستية. ولم يكن له خلفاء. أما من الناحية الأخرى فيهود الشرق وبالذات مدرسة هليل وإتجاهاته فقد إبتعدت كثيرًا عن مدرسة العهد الجديد ومفاهيمها الروحية. وبهذا كانت عاجزة عن مفهوم التجديد، لذلك إقتربت من نهايتها وتلاشت. أما من تبع المدرسة الهيللينيستية فكان أسهل عليه أن يدخل للمسيحية كما حدث مع أبولس إذا:-

1) إعترف بخطاياه.

2) أن يجد من يشرح له الطريق بأكثر تدقيق مثل أبولس (أع18: 25 ، 26).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-antonios-fekry/jesus-the-messiah/philo.html