1- أخبرني: هل كان لإبراهيم كاهن ومصلحون ومعلمون وأناس ينصحونه؟ لم يكن له في ذلك الوقت كتاب مكتوب ولا ناموس ولا أنبياء ولا شيء من هذا القبيل، بل كان يبحر في بحر غير صالح للملاحة ويسير في طريق وعر. فأبوه وأقاربه كانوا عبدة أصنام، ومع هذا فإن الظروف جميعها لم تؤذيه بل زينت فضيلته.
2- لذلك بعد زمن طويل -بعد مجيء الأنبياء والناموس وتعليم السيد المسيح الرائع بالأعمال والمعجزات- ظهرت فضائله التي سبق فتزين بها من محبة حارة عملية واحتقار للغنى وحنانه الأبوي تجاه أهله (لوط وأسرته). لقد سحق الترف تحت قدميه وترك حياة المتعة الفانية وعاش في تقشف يفوق نسك رهبان عصرنا الذين بلغوا قمم الجبال (ليعيشوا فيها).
![]() |
3- لأنه لم يكن له منزل، إنما كانت ظلال أوراق الشجر سقفًا لهذا البار ومأوى له. وإذ كان غريبًا امتلأ غيره نحو إضافة الغرباء. اهتم هذا الغريب في البلاد الغريبة باستضافة القادمين إليه ظهرًا وبخدمتهم، ولم يقم بخدمتهم وحده بل أشرك معه امرأته في هذا العمل الصالح.
4- ألم يُسدِ صنيعًا إلى ابن أخيه مع أن لوط لم يكن قد تصرف معه حسنًا بل أساء إليه وهذا بعد أن كانت له (بصفته الأكبر عمرًا ومركزًا) إمكانية اختيار الأرض الفضلى (انظر تك 13: 17)؟ ألم يعرّض حياته لخطر محقق من أجله؟
وعندما أمره الرب أن يترك البيت (الأبوي) ليذهب إلى أرض غريبة أطاع في الحال وترك وطنه وأصدقائه وكل أهل بيته، مرتبطًا بما لا يعرفه في يقين عظيم من أجل مواعيد الله.
وكان هذا دليلًا على إيمان مملوء خضوعًا.
5- ثم حدثت مجاعة فتغرب ثانية بغير انفعال أو اضطراب، مُظهرًا نفس الطاعة ونفس القوة ضد الألم ونفس الصبر. ثم رحل إلى مصر، ومع أنه كان مطيعًا لله الذي وضع عليه مثل هذه التجارب، فقد أُخذت منه امرأته، ورآها أُهينت بسبب مجيئه إلى مصر، وتحمل آلامًا (نفسية) أسوأ من الموت، إذ ضُرب في أعز ما لديه (وهو شرف امرأته المحبوبة): قل لي أي شر أكثر إيلامًا -بعد أعمال فاضلة كثيرة- أن يرى المرأة التي قد ارتبطت به بناموس الزواج قد سُلبت بنزوة إنسان بربري، واقتيدت بمهانة إلى قصر الملك؟
6- ولو أن هذا الأمر لم يتحقق (أي لم يمس فرعون زوجته) لكنه على الأقل اصطبر له واحتمل بكل نبل. فلا البلايا جعلته يتعثر ولا الغنى جعله ينتفخ، بل في مختلف الظروف احتفظ بنفس سوية. وعندما تم وعده بابن، ألم تكن هناك ألف عقبة يقترحها العقل؟ فإذ قد أذعن لكل ما يقوله الله، وإذ قد أسكت كل اضطراب يحدث (في ذهنه)، فإن إيمانه تلألأ.
7- لكن عندما تلقى أمرًا من الله بذبح ابنه، ألم يأخذه سريعًا كمن يقوده إلى عش الزوجية، كمن يسلم العروس إلى عريسها؟ متخطيًا حدود الطبيعة ومتحررًا من الطبيعة البشرية، فقدم ذبيحة جديدة وعجيبة، مجاهدًا بمفرده بغير معونة من زوجته أو خادم له، أو أحد أتباعه.
8- في الواقع إن إبراهيم كان يعلم جيدًا خطورة الأمر وعظم العقبة وشدة القتال. لهذا السبب واجه النضال وحده، وركض وحارب واشتهر اسمه.
أي كاهن علّمه هذا؟ أو أي معلم أو نبي؟ لا أحد، لكن لأنه كانت له نفس مهيأة حسنًا فقد أتاحت له أن يواجه هذا كله (برباطة جأش).
9- هل وجد نوح كاهنًا أو معلمًا أو مرشدًا؟ هذا الذي انفرد وحده سائرًا في طريق مناقض للأرض كلها التي فسدت بالشر، صانعًا الفضيلة فخلص نفسه ومعه آخرين من الغرق الذي كان يهددهم؟! بأي طريق صار هو بارًا؟ بأي طرق أدرك الكمال؟ أي كاهن وأي معلم كان له؟ لا أحد يستطيع أن يقول أنه كان له كاهن أو معلم.
10- وبالرغم من أن حامًا أبنه كانت فضيلة أبيه العملية هي معلمه الدائم، وكان يمكنه إذ رأى الحوادث بعينيه أن يستخلص دروسًا من كارثة الطوفان ونهاية الشر، لكنه كان شريرًا تجاه والده فاستهزأ بعريه وعرّضه للاستهزاء العام. انظر كيف يلزم أن تكون للإنسان في كل الظروف نفس مهيأة حسنًا؟
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
11- قل لي وماذا عن أيوب؟ أي أنبياء أمكنه أن يسمع لهم؟ أو أي تعاليم أستطاع أن ينتفع بها؟ لا يوجد.
ومع أنه لم يجد عونًا من هذا القبيل، إلا أنه أعطى مثالًا لفضيلة تامة وضرورية جدًا، لأنه -ولو أنه كان يملك خيرات (وفيرة)- فهذه كانت ليتشارك بها مع من كانوا في احتياج. وليس فقط ماله، بل وبذل صحته ذاتها.
12- فهو في الواقع استقبل الغرباء في بيته، وكان منزله يخصهم أكثر مما يخصه. وقد حمى -بقواه الطبيعية- الذين تم ظلمهم. وبكلامه الرقيق وفطنته سد أفواه السفهاء وكان كملاك في كل تصرفاته.
13- تأمل، إن السيد المسيح يقول: "طوبى للمساكين بالروح" (مت 5: 3)، وأيوب نفسه حققها عمليًا فقال: "إن كنت رفضت حق عبدي وأمَتي في دعواهما عليّ، فماذا كنت أصنع حين يخضعني الله للفحص؟ أو أليس صانعي في البطن صانعه، وقد صوّرنا واحد في الرحم" (أي 31: 13-15). والسيد المسيح يقول أيضًا: "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض" (مت 5: 5). من بلغ وداعة ذاك الذي قال عنه عبيده بسبب حبهم له "من يأتي بأحد لم يشبع من طعامه؟" (أي 31: 31)(86)
14- "طوبى للباكين لأنهم يتعزون" (مت 5: 4)، وقد اختبر أيوب هذه التعزية الداخلية. أنصت ماذا يقول: "إن كنت قد أخطأت سهوًا واختبأت عن جموع الناس لكي لا أعلن إثمي... " (أي 31: 33-34)، وإنسان له مثل هذه الدوافع، من الواضح أنه بكى بغزارة على خطئه.
15- "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ" (مت 5: 6).
انظر بأي كمال حقق هذا: "هشمت أضراس الظالم ومن بين أسنانه خطفت الفريسة" (أي 29: 17)، "لبست البر فكساني كجبة، وعمامة كان عدلي" (أي 29: 14).
طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون" (مت 5: 7) وهو لم يكن فقط رحومًا بفضل ثروته في كسائه لمن كانوا عرايا، وإطعامه لمن كانوا جياعًا، وإقامته حق الأرملة وإحاطته لليتيم بكل اهتمام وتلطيفه لكل عاهات الطبيعة بكلماته الصالحة، بل لرقة نفسه تجاه الألم.
16- قال أيوب: "أما أنا فقد بكيت مع كل ضعيف وتأوهت عند رؤيتي إنسان في احتياج" (أي 30: 25) كما لو كان أبًا للكل: أمام بلايا كل واحد منهم؛ فإنه كان يوزع (خيرات) للبعض، ويبكي على البعض، ويخفف عن من كانوا في الضيق، سواء بكلماته أو بأعماله أو بعطفه... إنه كان ميناء متاحًا للجميع.
17- "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8)، وهذا قد تحقق له بطريقة فائقة، واسمع الله وهو يشهد له بقوله: "ليس مثله في الأرض. رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر" (أي 2: 3).
18- "طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السموات" (مت 5: 10) وهذه كانت أيضًا مصدرًا فائضًا للحروب والمكافآت، لأن الذي كان يطارده ليس البشر بل الشيطان. رئيس الأشرار كان يهاجمه إذ قد نفذّ فيه كل مكائده وانقض عليه وطرده من بيته ووطنه، ودفعه ليجلس على الرماد ونزع منه كل غناه ومقتنياته وأولاده، بل وصحته وسلّمه إلى جوع شديد جدًا. بعد هذا فإن الشيطان هيج عليه بعض أصدقائه الذين اندفعوا عليه عمدًا وفتحوا جروح نفسه من جديد.
19- "طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم، وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات" (مت 5: 11-12). في الواقع إن أيوب تلذذ جدًا بهذه الطوبى، إذ أن الذين أحاطوا به آنذاك افتروا عليه بقولهم أن عقوبته كانت أقل مما تستوجبها أخطاؤه، وابتلوه باستجواب مطوّلٍ وأحاديث مليئة بالأكاذيب وتهم ملفقة.
20- لكن عندما أوشك أصدقاؤه على الهلاك، فإنه خلصهم من الغضب الإلهي دون أن يحفظ لهم أي ضغينة من كل ما قالوه ضده. وهكذا أتم وصية "أحبوا أعداءكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 44) وهو في الواقع قد أحبهم وصلى لأجلهم وحول عنهم الغضب الإلهي ومحا خطيتهم، مع أنه لم يسمع نبيًا ولا إنجيليًا ولا كاهنًا ولا معلمًا ولا أوصاه أحد بالفضيلة.
21- هل ترى كيف أن زوجته نبيلة، كيف اعتمدت على نفسها في ممارسة الفضيلة، حتى وإن لم تجد من يحيطها بالعطف، ولم يكن أحد من أسلافه صالحين، بل كانوا راسخين في شر عظيم، إذ يقول بولس الرسول عن جده عيسو "فلم يكن أحدًا مستبيحًا كعيسو الذي باع بكوريته بأكلة عدس" (عب 12: 16).
_____
(86) جاءت هذه الآية في النص هكذا: "مَن يعطينا أن نشبع من لحمه؟" ولكني آثرت تسجيل النص البيروتي هنا ولذا لزم التنويه.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/being-vigilant.html
تقصير الرابط:
tak.la/f3yc6qg