وجدت عثرات كثيرة في أيام الرسل وتأثر بها كثير من الناس وهلكوا، كما تعرض الكارزون للاضطهادات والموت.
1- قل لي: ماذا حدث في أيام الرسل؟ ألم تحدث لهم بلايا وعثرات واضطهادات مشابهة؟ اسمع ما يقوله بولس: "أنت تعلم أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني، الذين منهم فيجلس وهرموجانس" (2تي 1: 15).
ألم تكن السجون مقرًا للكارزين؟ ألم يثقلوا بالقيود؟ ألم يحتملوا أسوأ البلايا من الأقارب والغرباء؟ ألم تدخل بعد انتقالهم الذئاب الخاطفة واحتلت أماكنهم في الحظيرة؟ ألم يشر بولس الرسول إلى هذا عندما استدعى الأفسسيين إلى ميليتس؟
2- "لأني أعلم هذا، أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية، ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع 20: 29-30). ألم يسبب له اسكندر النحاس شرورًا كثيرة (2تي 4: 14)؟ إذ هاجمه من كل الجوانب وحاربه، وتتبعه بالضيقات وأثار ضده حربًا عنيفة، حتى أن بولس الرسول حذر تلميذه منه قائلًا: "احتفظ منه أنت لأنه قاوم أقوالنا بشدة" (2تي 4: 14).
3- ألم يفسد إيمان أهل غلاطية بواسطة بعض الإخوة الكذبة؟ في بدء الخدمة ظهر إستفانوس، هذا الإنسان الذي فاضت بلاغته كالأنهار وأبكم كثيرين مبكتًا الألسن اليهودية الآثمة، ولم يقدر أحد على مقاومته، ونصب تذكارًا لامعًا وأحرز انتصارًا بهيًا.
![]() |
4- كان هو الإنسان النبيل المملوء حكمة استفادت منه الكنيسة كثيرًا رغم قصر مدة خدمته. عند كرازته ألقوا القبض عليه مع آخرين وحوكم ورجم كمجدف.
وماذا عن يعقوب الرسول؟ ألم يقتله هيرودس ليرضي ليهود، وكان ذلك في البداية؟ فرحل عمود الحياة هذا وقاعدة الحق.
5- كم عثر آنذاك أمام هذه الأحداث؟ لكن الثابتين (حرفيًا الواقفين) ظلوا ثابتين، وسيظلوا هكذا. اسمع ما يقوله بولس وهو يكتب إلى أهل فليبي: "ثم أريد أن تعلموا أيها الإخوة أن أموري قد آلت أكثر لتقدم الإنجيل، حتى أن وثقي صارت ظاهرة في المسيح في كل دار الولاية وفي باقي الأماكن أجمع، وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقي يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف" (في 1: 12-14).
6- أترى هذه الشجاعة؟ أتنظر هذه الثقة؟ أترى القوة الروحية وطريقة التفكير المسيحي (السليم)؟ لقد رأوا معلمهم في السجن مقيدًا، مجبر على استداد فمه للكرازة، مضروبًا، يعاني أسوأ العذابات، وليس لم يعثروا ويتأثروا وحسب، بل بالأكثر صاروا أكثر حماسًا، وأعطتهم آلام معلمهم مزيدًا من الاندفاع نحو الحروب (الروحية).
7- لست أنكر أن البعض هلكوا. فمن الطبيعي أن ينهار الكثيرون أمام هذه الأحداث، لكن ما سبق أن قلته، لن أتوقف عن تكراره وسأقوله الآن أيضًا، إنه من العدل أن يُرجع هؤلاء المعثرين ضعفهم إلى أنفسهم ذاتها، وليس إلى طبيعة الأحداث. لقد ترك لنا السيد المسيح هذا الميراث المشترك إذ قال لنا: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33)، "وتساقون أمام ولاة وملوك" (مت 10: 18)، و "تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله" (يو 16: 2)، فباطلًا تعترض على وجود أناس متعثرين، لأن الضيق مستمر على الدوام.
8- ولماذا أذكر تجارب الرسل؟! كم من أناس تعثروا أمام صليب ربنا كلنا وصاروا أكثر شرًا وسفاهة؟ في مرورهم أمامه كانوا يستهزئون به ويقولون: "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة ايام... خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها. إن كنت ابن الله فانزل الآن عن الصليب ونحن نؤمن بك" (انظر مت 27: 39-42).
9- مع هذا لا يمكن أن يكون الصليب عذرًا لهم، لأن اللص سيدين كل الناس الذين من هذا النوع، لأنه ألقى نظرة على المصلوب وليس أنه لم يعثر وحسب، بل وجد فيه علّة للبحث عن الحكمة الحقة. وبعدما تخطى البشريات ارتفع بجناح الإيمان وتأمل في الآتيات.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
10- لم يعثر اللص بالرغم من رؤيته للسيد المسيح مصلوبًا مهانًا، يشرب الخل ويُبصق عليه، يستهزئ به كل الشعب وحكموا عليه بالموت. فهو إذ رأى الصليب (والمصلوب) والمسامير في يديه والشعب الفاسد يستهزئ به، سار حسب الطريق المستقيم قائلًا: "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" (لو 23: 42).
11- لقد أبكم الشاتمين معترفًا بخطاياه! وتأمل القيامة دون أن يرى الموتى وهم يقومون ولا رأى البرص يطهرون أو العرج يمشون أو البحر مبكمًا أمام المسيح، ولا الشياطين يُطردون ولا الأرغفة تتكاثر وبقية المعجزات التي رآها اليهود ومع هذا صلبوا المسيح.
12- إذ رآه اللص اعترف به إلهًا وتذكر ملكوته وتأمل الأبدية، أما اليهود على العكس فقد رأوه يجري المعجزات، وكان لهم امتياز سماع تعاليمه بكلماته وأعماله، وليس لم ينتفعوا بها وحسب، بل انحدروا إلى أعماق الجحيم لهلاكهم برفعهم إياه على الصليب.
13- ها أنت ترى أن الجهال وغير المكترثين لم يجنوا أية منفعة مما هو مفيد، لكن من هم مهيأون حسنًا ويقظون، فقد جنوا منفعة عظيمة من الأحداث التي أعثرت غيرهم. يمكن تأكيد هذا بالنسبة ليهوذا وبالنسبة لأيوب.
في الواقع إن يهوذا ما كان ليخلص ولا حتى بواسطة المسيح الذي هدى الأرض إلى الطريق المستقيم، وأيوب لم يصبه أي ضرر من جانب الشيطان مع أنه سبب هلاك كثيرين.
14- أحدهم (أيوب) عانى بلايا كثيرة واستحق إكليلًا، والآخر (يهوذا) الذي رأى معجزات بل عملها بنفسه، إذ أقام أمواتًا وطرد شياطينًا، لأنه هو أيضًا نال نفس السلطان، وقد سمع أمورًا كثيرة عن الملكوت وجهنم وشارك في العشاء السري إذ كان حاضرًا في الوليمة التي تُلهم مخافة تقوية، وقد أُنعم عليه بنفس الإحسان ونال نفس الاهتمام كبطرس ويعقوب ويوحنا وكثيرين غيرهم.
15- لأنه غير الاهتمام والتلطف الذي كان زائدًا فقد أسند إليه صندوق الفقراء. هذا الإنسان أُصيب بعد ذلك بالضلال، وبعد أن قبل الشيطان بالطمع، صار خائنًا بحسب نواياه (السيئة)، واقترف أعظم جريمة إذ باع هذا الدم (الزكي) بثلاثين من الفضة وسلّم معلمه بقبلة غاشة.
16- يا ترى كم تظن عدد الذين أُعثروا أمام الخيانة التي أتت من مثل هذا التلميذ؟ وساكن الصحراء (يوحنا المعمدان) الذي هو ثمرة امرأة عاقر، ابن زكريا، والذي اُعتبر جديرًا لعماد هذه الرأس المقدسة، وأن يكون بشير سيده، عندما كان في السجن وذُبح وكان قتله ثمنًا لرقصة خليعة، كم من الناس أُعثروا آنذاك؟
17- ولماذا أقول آنذاك؟ كم من أناس -بعدما مضى كل هذا الوقت الطويل- عند سماعهم لهذه القصة يعثرون الآن أيضًا؟ ولماذا الكلام عن يوحنا (المعمدان) وعن السجن، وعن هذا القتل، لماذا أتعوق عند العبيد بينما يليق الاندفاع نحو السيد؟
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/persecutions.html
تقصير الرابط:
tak.la/jan2jk6