1- ضبط النفس (التعفف - التأدب discipline) هو حارس الرجاء، رباط الإيمان، مرشد لطريق الخلاص، المحرض والمغذي للعطاء الطبيعي endowment natural، معلّم للفضيلة، يجعلنا نبقى دومًا في المسيح ونحيا باستمرار لأجل الله، لندرك المواعيد السماوية والمكافآت الإلهية. إنه لأمر خلاصي أن يجدّ الإنسان في أثره، ومن يتحاشاه ويهمله سيهلك. يقول الروح القدس في المزامير "الزموا الأدب -أي ضبط النفس والتعفف- لئلا يغضب الرب، فتضلوا عن طريق الحق عندما يتقد غضبه عليكم" (مز 2: 12)، وأيضًا "وللشرير قال الله مالك تحدث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامي خلفك" (مز 50: 16-17). ونقرأ أيضًا "الذي يزدري بالأدب هو شقي" (حكمة سليمان 3: 11)، ومن سليمان أخذنا توصيات الحكمة التي تنصحنا قائلة "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تكره توبيخه. لأن الذي يحبه الرب يؤدبه" (أم 3: 11-12). فإن كان الله يؤدب الذي يحبه ويؤدبه لكي يتقوم، لذلك على الإخوة وبالأخص الكهنة أن لا يبغضوا من (هم) يؤدبونهم لكي يتقوموا (ينصلح حالهم) إذ أن الله تنبأ أيضًا من قبل بفم إرميا وأشار إلى زماننا بقوله "سأعطيكم رعاة بحسب قلبي وسيغذونكم ويرعونكم بالتأديب" (انظر إر 3: 15).
2- لكن لو على مدى الكتاب المقدس تتكرر التوصية بالتأدب، وأساس التدين كله والإيمان ينبع من الطاعة والمخافة، فما الذي علينا أن نسعى إليه باجتهاد أعظم؟ ما الذي علينا أن نرغبه ونتمسك به جدًا أكثر من أنه ينبغي لنا أن نقف غير مزعزعين مقابل رياح وعواصف العالم، جذورنا ثابتة بشدة وبيوتنا مقامة على صخرة، على أساس متين، وأنه ينبغي لنا أن ندرك مكافآت الله بحفظ وصاياه الإلهية، متفكرين وعارفين أيضًا أن أعضاءنا هي هياكل لله تطهرت من كل نجاسة الفساد القديم بالمياه المقدسة للحياة وأننا تحت إلزام ألا نشينها أو ننجسها، لأن الذي يشين جسده يشين نفسه. نحن حراس ورؤساء كهنة لهذه الهياكل. لنخدم من قد ابتدأنا أن نكون له ملكًا. يقول بولس الرسول في رسائله التي بها قد شكّلنا لمسيرة حياة (مقدسة) من خلال التعاليم الإلهية "أنكم لستم لأنفسكم لأنكم قد اُشتريتم بثمن، فمجدوا الله في أجسادكم" (1كو 6: 19-20). فلنمجد الله ونحمله في جسد طاهر ونقي وبسلوك أكثر كمالًا، ولنخضع نحن الذين اُفتدينا بدم المسيح لشريعة فادينا بطاعة مطلقة كطاعة العبيد ولنحرص ألا نجلب أي شيء نجس أو دنس إلى هيكل الله لئلا يستاء ويغادر الموضع حيث يقيم. ولنا كلمات ربنا وحامينا ومعلمنا وكذلك طبيبنا ومُشيرنا (مرشدنا وناصحنا) إذ يقول "ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر" (يو 5: 14). إنه يبث خوف الحياة (الذي هو خوف مقدس يمنعنا من أن نخطئ). إنه يعطي شريعة البراءة innocence (العودة إلى الطفولة الروحية) بعد أن استعاد (لنا) الصحة (الروحية) وهو لا يسمح لنا أن نهيم في الحال ونطلق العنان لأهوائنا، بل بالأولى يهدد بصرامة أعظم -الذي هو نفسه شفاه- بتلك الأمراض ذاتها التي منها قد شُفي، لأنه بدون شك من تعدى قبل أن يكون قد عرف بعد تأديب الله هو أقل جدارة بالملامة، لكن لا يوجد عذر لمزيد من الخطية بعد أن ابتدأت تعرف الله.
وفي الواقع على الرجال كما النساء، الصبيان كما الفتيات، كل جنس وكل عمر، عليه أن ينتبه لهذا ويهتم به، فيحفظ الالتزامات الدينية والإيمان والتي هي أمور تليق بالله لئلا -ما نلناه نقيًا وطاهرًا من خلال إحسان الله- لا نحفظه بخوف شديد.
![]() |
3- أما حديثنا فهو موجّه إلى العذارى الذين اهتمامنا بهم أكثر بقدر ما أن مجدهن أكثر رفعة. أنهن زهرة الشجرة التي هي الكنيسة، إنهن جمال وزينة النعمة الروحية، صورة الله التي تعكس قداسة الرب، الجزء الأكثر شهرة (مجدًا) في قطيع المسيح، الإثمار المجيد للكنيسة الأم يبتهج من خلالهن وهي تزهر بوفرة بهن، وكلما ازداد عدد من يتبتلن كلما زاد فرح (الكنيسة) الأم. لهؤلاء نحن نتكلم، لهؤلاء نحن ننصح -بالود أكثر مما بالسلطان- ليس لأننا نحن الآخارى والأقل والمدركين تمامًا لوضاعتنا ندّعي لذواتنا أية حرية للتوبيخ، بل لأنه كلما كنا أكثر حرصًا في اهتمامنا (بخلاصنا)، كلما ازددنا خوفًا من هجوم إبليس.
4- ولا أيضًا هو حذر فارغ وخوف باطل أن يهتم المرء بطريق الخلاص وأن يحفظ وصايا الرب المعطية للحياة لكي -أولئك اللاتي كرّسن حياتهن للمسيح وحجدن شهوات الجسد- إذ قد تكرّسن للرب بالجسد كما بالروح أيضًا يُتقن عملهن، المعيّن له مكافأة عظيمة، فلا يهتممن بتزيين ذواتهن ولا يرضين سوى ربهن الذي منه ينتظرن بالحق مكافأة بتوليتهن، إذ هو ذاته قال "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أُعطي لهم. لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات" (مت 19: 11-12)، وكذلك أيضًا بكلمات الملاك تلك تتضح هبة العفة وتتمجد البتولية "هؤلاء هم الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أطهار. هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب" (رؤ 14: 4).
وفي الحقيقة ليس للرجال فقط يعد الرب بنعمة العفة ومتجاهلًا النساء، بل حيث أن المرأة هي جزء من الرجل وأُخذت وتشكلت منه، فالله يوجه كلامه في أغلب الأسفار عمومًا إلى الرجل لأنههما اثنين في جسد واحد، وهو بالمثل يشير إلى المرأة (ضمنًا) في الرجل.
5- لكن لو العفة تتبع المسيح والبتولية معينة لملكوت الله، فما شأن مثل أولئك العذارى بالملبس والزينات، إذ بسعيهن إلى إرضاء الناس يسئن إلى الله غير متفكرات أنه قيل "الذين يرضون البشر خزوا لأن الله قد استأصلهم" [(مز 52: 6) بحسب النص]، وأن بولس الرسول قد أعلن بطريقته المجيدة والفائقة "لو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10). لكن العفة والطهارة ليست هي فقط طهارة الجسد، بل أيضًا في السمو كما أيضًا في احتشام اللبس والزينة لكي -كما يقول الرسول- التي هي غير متزوجة تكون مقدسة جسدًا وروحًا. يعلّمنا بولس الرسول قائلًا "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته. غير المتزوجة (العذراء) تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدًا وروحًا" (1كو 7: 32-34).
لا ينبغي للعذراء أن تكون مجرد عذراء بل يلزم أن تعرف وتعتبر على أنها كذلك. لا ينبغي لأحد عندما ينظر إلى عذراء أن يتشكك إن كانت هي عذراء أم لا. لتكن طهارتها ذاتها واضحة أيضًا في كل شيء ولا ينبغي أن يشين ملبسها (غير المحتشم) قداسة جسدها. لماذا تخرج وهي متزينة، لماذا شعرها ممشط (على أحدث موضة) كما لو كان لها زوج أو هي تبحث عن زوج؟ ليتها بالأولى تخاف أن تكون جذابة لو هي عذراء، وليت من (هي) تحفظ ذاتها للأمور السماوية والأسمى أن لا تشتهي خرابها (وإعثار الآخرين). التي ليس لها زوج تدّعي إرضائه ينبغي لها أن تثابر في الطهارة ونقاوة الذهن والجسد أيضًا. وفي الحقيقة لا يليق للعذراء أن تزين ذاتها لتظهر مفاتنها ولا أن تفخر بجسدها وجماله لأنه لا يوجد جهاد أعظم لمثل تلك الفتيات من الجهاد ضد الجسد، وليس من معركة أكثر شراسة من معركة هزيمة الجسد وإخضاعه.
6- لكن بولس الرسول يهتف بصوت قوي وعالي: "وأما من جهتي فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 14). أما العذراء فتتباهى في الكنيسة بمظهر جسدها وجمال جسمها! علاوة على ذلك يقول بولس الرسول "الذين هم للجسد قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24). لكن التي تقر أنها جحدت أهواء وشهوات الجسد، توجد في تلك الأشياء ذاتها التي قد جحدتها! لقد انكشفت أيتها العذراء، لقد انفضحت. أنتِ تتباهين بكونك شيء وتسعين إلى شيء آخر. أنت تنجسين ذاتك بوصمات الشهوة الجسدانية مع أنك مرشحة للطهارة والحشمة. يقول الله لإشعياء "ناد كل جسد عشب وكل جماله كزهر الحقل. يبس العشب، ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد" (إش 40: 6-8).
لا يليق لأي مسيحي وبالأخص لا يليق للعذراء أن تهتم بمجد الجسد وكرامته، بل بالأحرى يليق بها أن تطلب فقط كلمة الله لتمسك النعم التي ستبقى إلى الأبد. أما لو كان لها أن تفتخر في الجسد، لتفتخر آنذاك بالحق، عندما تتألم في اعترافها بالاسم (الذي للمسيح)، عندما توجد المرأة أقوى من الرجال الذين يعذبونها، عندما تحتمل النار أو الصليب أو السيف أو الوحوش حتى تتكلل. هذه هي الجواهر النفيسة للجسد، هذه هي الزينات الأفضل للجسد.
7- لكن توجد بعض من النساء الغنيات ولهن ممتلكات وفيرة، اللاتي يتظاهرن بغناهن ويجادلن أنه ينبغي لهن أن يستخدمن الخيرات التي لهن. ليعرفن قبل كل شيء أنها غنية تلك التي هي غنية في الرب وأنها ثرية تلك التي هي ثرية في المسيح، ويعرفن أن التي هي بالحق نِعم، هي تلك التي روحية إلهية وسماوية، التي تقودنا إلى الله، التي تبقى معنا في ملكية أبدية مع الله. لكن الأشياء التي هي أرضية، التي تم اقتنائها في العالم والتي ستبقى هنا مع العالم، ينبغي أن يُزدرى بها مثلما أن العالم ذاته هو مُزدرى والذي ملذاته وبهارجه قد جحدناها الآن حتى أننا جئنا إلى الله بعبورنا إلى طريق أفضل. ويوحنا الرسول يحثنا ويشجعنا ويثبتنا بصوت سماوي وروحي فيقول "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1يو 2: 15-17).
لذلك يلزمنا أن نطلب الأبديات والإلهيات وينبغي لنا أن نعمل كل الأشياء بحسب مشيئة الله، وأن نتبع خطوات وإرشادات ربنا الذي قد حذرنا وقال "قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني" (يو 6: 38). لكن لو العبد ليس أعظم من سيده والشخص المعتوق مدين بالوفاء لمن حرره، فينبغي لنا نحن الذين نرغب في أن نكون مسيحيين أن نقتدي بما قاله المسيح. لقد كُتب ويُقرأ ونسمعه -ولأجل إرشادنا- يُنادى بفم الكنيسة "من قال إنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك، هكذا يسلك هو أيضًا" (1يو 2: 6). يتحتم علينا أن نُجاريه، ينبغي لنا أن نسعى لنباري خطواته. آنذاك سيتطابق سعينا لأجل الحق مع إيماننا في اسمه، ومكافأة تُعطى للمؤمن لو أيضًا يمارس ما يؤمن به.
8- تقولين أنك ثرية وغنية، أما بولس فيعترض على غناك، وبصوته يعطي توجيهات لتحفظي ملبسك وزينتك داخل الحدود المعقولة فيقول "وكذلك أن النساء يزّين ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر أو ذهب أو لآلئ أو ملابس كثيرة الثمن. بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة" (1تي 2: 9-10). يصادق أيضًا بطرس الرسول على نفس هذه الوصايا فيقول "ولا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1بط 3: 3-4). لكن لو ينصح بولس الرسول بأن المتزوجة أيضًا -والتي اعتادت أن تتحجج، لأجل الملابس الكثيرة الثمن بزوجها- ينبغي عليها أن ترتدع وبملاحظة دقيقة تتقيد بنظام الكنيسة، فكم بالأولى يتحتم على العذراء أن تُظهر مثل هذه الطاعة وهي عديمة العذر من جهة امتناعها عن التزين وهي التي لا يمكنها أن تعزي لآخر الخداع في خطأها، بل تبقي هي ذاتها فقط المسئولة عن أعمالها (أي ليس لها زوج تتعلل بأنها تتزين لأجله أو أن أحد خدعها أو أجبرها على التزين)
9- تقولين إنك غنية وثرية، لكن ليس كل شيء مما يمكن أن يُعمل ينبغي أيضًا أن يُعمل ولا يجب كذلك أن الرغبات التي هي مفرطة والتي تتولد من المجد الدنيوي تتخطى حدود الحشمة وكرامة البتولية إذ أنه مكتوب "كل الأشياء تحل (لي) لكن ليس كل الأشياء توافق. كل الأشياء تحل (لي) ولكن ليس كل الأشياء تبني" (1كو 10: 23). لكن لو زينت ذاتك بإفراط أيضًا وظهرت هكذا في الأماكن العامة، لو اجتذبت لذاتك عيون الشباب وسحبتيهم وراءك، مغذية الرغبة الشهوانية، وأضرمت نيرانها حتى أنه ربما بدون أن تخسري نفسك مع ذلك تدمرين آخرين وتقدمين ذاتك -كما لو كنت- سيف وسُم (زعاف) لمن ينظرونك، فلا يمكن الصفح عنك على أساس أن ذهنك عفيف وطاهر. إن لبسك الفاضح ورداءك غير المحتشم يكذّبك ولا يمكن بعد أن تكوني ضمن عداد فتيات وعذارى المسيح أنت يا من تعيشين هكذا كما لو لتصير هدفًا للحب الشهواني(6).
10- تقولين إنك غنية وثرية، لكن لا يليق بعذراء أن تتباهى بغناها إذ يقول الكتاب المقدس "ماذا نفعتنا الكبرياء وماذا أجرى علينا الغنى من التعظيم. عبرت تلك الأشياء كلها كالظل" (حك 5: 8-9). والرسول أيضًا يحذرنا ويقول "الذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه لأن هيئة هذا العالم تزول" (1كو 7: 30-31). أيضًا بطرس الذي أوكل إليه الرب رعاية غنمه وحراستها والذي عليه أسس الرب كنيسته، يقول أن ليس له ذهب ولا فضة، بل هو غني في نعمة المسيح وأنه غني في إيمانه وقوته التي بها أجرى معجزات كثيرة عظيمة والتي بها امتلك نعمة روحية فائضة تؤول إلى مجد سماوي. من تُفضّل أن تكون غنية في العالم أكثر من أن تكون غنية في المسيح لا يمكن أن يكون لها هذا الغنى وهذه المقتنيات.
تقولين إنك غنية وثرية وتعتقدين أنه ينبغي لك استخدام ما قد أراد الله لك أن تمتلكيه. استخدميها لكن لأجل خلاصك وللأعمال الصالحة، استخدميها فيما قد رتبه الله، استخدميها في الأوجه التي أشار عليها الرب. ليشعر الفقير أنك غنية، ليشعر المحتاج أنك ثرية. اجعلي المسيح مدين لك من خلال أملاكك وأطعميه (في شخص الفقير). لكي تحفظي مجد بتوليتك إلى النهاية، لكي تفلحي في إدراك ونوال مكافآت الله، صلّي مع صلوات الكثيرين، احفظي كنوزك حيث لا ينقب لص، اقتني مقتنيات لذاتكِ، إنما بالأحرى مقتنيات في السماء حيث لا يعتريها صدأ ولا أمطار الثلوج تفسدها ولا الشمس تحرقها ولا الأمطار (العادية) تفسد ثمارك التي هي أبدية ولا تفسد أبدًا وخالية من كل لمسة من آفات العالم. لأنه لو اعتقدت أن الله قد أعطاك الثروة لمجرد أن تستمتعي بها دون التفكر في الخلاص، فأنت تسيئين إلى الله حتى في هذه النقطة. لأن الله قد أعطى الإنسان صوتًا، ولكن لا ينبغي له أن يغني أغاني الحب والأغاني المبتذلة، والله قد رتب أن يُستخدم الحديد لزراعة الأرض وليس لكي يُستخدم في القتل. أم بسبب أن الله صنع البخور والخمر والنار فهل ينبغي لها أن تُستخدم في تقديم الذبائح للأوثان؟ أم هل لأن قطيع الماشية كثير في حقولك ينبغي لك أن تستخدمها كذبائح وضحايا؟ بالتأكيد لا فالميراث الكبير هو تجربة ما لم يُستخدم الدخل لأغراض حسنة، لذلك على كل إنسان غني أن يكفّر عن خطاياه من خلال ثروته أكثر من أن يستزيدها (يستزيد خطاياه).
12- إن الزينة البهية والملابس وإغراءات الجمال لا تليق إلا بالداعرات والنساء عديمة الحياء وفي الغالب ليس لأحد سواهن يكون الملبس أغلى في الثمن أكثر من اللاتي عفتهن أمر غير وارد في الحسبان (أي من يستتفهن العفة والحشمة). لذلك في الكتاب المقدس الذي به رغب الله أن يرشدنا وينصحنا وُصفت مدينة زانية مرتدية ملابس جميلة وزينات، وبزيناتها وأيضًا بسبب تلك الزينات عينها هي معيّنة للهلاك فيقول الكتاب "ثم جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات وتكلم معي قائلًا هلم فأريك دينونة الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة، التي زنا معها ملوك الأرض، وسَكرَ سكان الأرض من خمر زناها. فمضى بي بالروح إلى برية فرأيت امرأة جالسة على وحش قرمزي مملوء أسماء تجديف والمرأة كانت متسربلة بأرجوان وقرمز ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ ومعها كأس من ذهب في يدها مملوءة رجاسات ونجاسات زناها" (رؤ 17: 1-4). ليت العذارى العفيفات والمحتشمات يتحاشين الملابس غير المحتشمة والملابس المبتذلة وشعارات بيوت الدعارة وزينات الزانيات.
13- إشعياء أيضًا امتلأ بالروح القدس فصرخ ووبخ بنات صهيون اللاتي تنجسن بالذهب والملبس (غير المحتشم) ويؤنب اللائي لهن وفرة في الغنى الضار واللاتي ابتعدن عن الله لأجل المسرات الزمنية فيقول "من أجل أن بنات صهيون يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق وغامزات بعيونهن وخاطرات في مشيهن ويخشخشن بأرجلهن. يصلع السيد هامة بنات صهيون ويعري الرب عورتهن. ينزع السيد في ذلك اليوم زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحلق والأساور والبراقع والعصائب والسلاسل والمناطق وحناجر الشمامات والإحراز والخواتم وخزائم الأنف والثياب المزخرفة والُعطف والأردية والأكياس والمرائي والقمصان والعمائم والأزر فيكون عوض الطيب عفونة وعوض المنطقة حبل وعوض الجدائل قرعة وعوض الديباج زنار مسح" (إش 3: 16-24). هذا يلومه الله، هذا يكويه بنار التوبيخ. بهذا هو يعلن أنهن قد تنجسن، بهذا هن ابتعدن عن الزينة الحقيقية التي استحقت الخزي والعار. إذ قد لبسن الحرير والأرجوان، لا يمكنهن أن يلبسن المسيح، إذ قد تزّين بالذهب والجواهر وعقود الرقبة فقدن زينة القلب والروح. مَنْ لن ينفر من ويتحاشى ما قد سبب هلاك آخر؟ من سيطلب ويأخذ ما اُستخدم كسيف وسلاح لقتل آخر؟ لو عند شرب جرعة من فنجان يموت إنسان، سنعرف أن ما شربه كان سُمًا، ولو بعد أكل أحد الأطعمة مات آكله، ستعرف أن الأكل كان مسمومًا، فلن تأكل أو تشرب إذ رأيت مقدمًا أن الآخرين أكلوا (وشربوا) وماتوا. فأي جهل يكون بالحقيقة وأي جنون للعقل أن ترغبين ما كان ولا يزال دائمًا ضارًا وتعتقدين أنك أنتِ ذاتك لن تهلكي من نفس الأسباب التي تعلمين أنها أهلكت آخرين!
14- لأن الله لم يجعل الغنم قرمزية أو أرجوانية ولا أيضًا علّم كيف تصبغ وتلّون عصارة الأعشاب وقشور السمك ولا أيضًا صنع العقود من الأحجار الكريمة المطعمة بالذهب أو صنع عقود من لآلئ مصطفة في سلاسل لكي تخفي بها العنق الذي قد صنعه لكي يتغطى بها ما قد صنعه الله في الإنسان، و(بينما) ما قد اخترعه إبليس يُعرض على الملأ.
هل شاء الله أن تُثقب آذان البنات بينما لا يزلن في مرحلة الطفولة والبراءة ويتعذبن دون أن يعرفن شرور العالم لكيما -فيما بعد- توضع في فتحات آذانهن أحجار كريمة متدلية من هذه الثقوب: هذه التي هي ثقيلة إنما ليس بوزنها في حد ذاته، بل ثقيلة في أثمانها المرتفعة. كل هذه الأشياء خاطئة والشياطين أوجدوها بفنهم عندما فقدوا قوتهم السماوية بسقوطهم في المستنقع الأرضي. لقد علّموا (بنات حواء) كيف يضعن الكحل في عيونهن ويضعن مساحيق على خدودهن ويطردن كل صدق من وجوههن ورأسهن بهجماتهم الفاسدة عليهن.
15- وفي الحقيقة عند هذه النقطة من خطابي بسبب مخافة الله التي يثيرها فيّ الإيمان وبسبب المحبة التي تتطلبها الأخوية، اعتقد أنه ينبغي تحذير ليس فقط العذارى والأرامل بل المتزوجات أيضًا والنساء على وجه العموم بأنه لا ينبغي أبدًا تشويه عمل الله وخلقته باستخدام المساحيق وكل أنواع مستحضرات الزينة التي تفسد الملامح الطبيعية. يقول الله "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26)، فهل يجرؤ أحد على تغيير وتبديل ما قد صنعه الله؟!
إنهن ينازعن الله عندما يسعين إلى إعادة صنع ما عمله الله ويحولنه غير عارفات أن كل شيء جاء إلى الوجود هو من عمل الله وأن كل تغيير (فيما خلقه الله) هو من عمل الشيطان. لو أن أحد الرسامين رسم بالألوان رسم بالألوان صورة لشخص ما ولوّنها بالألوان الطبيعية للشخص كما هو (في واقعه)، فلو حدث أنه بعد أن انتهى من الرسم والتلوين جاء غيره وظن في نفسه كفاءة أعظم لتحسين ما قد رُسم بالفعل وتم الانتهاء منه، ألا يبدو هذا أمر محزن ومهين للفنان الأول، وهو مُحق في غضبه. فهل تظنين أنك تقترفين مثل هذا الشر والوقاحة الطائشة وتسيئين إلى الله الفنان الأعظم دون أن تنالي أية عقوبة؟ ولو أنك ربما لا تكوني غير محتشمة (أي محتشمة) من جهة الرجال، وغير عفيفة (عمليًا) بسبب مفاتن مساحيق التجميل، فأنت بإفسادك وإهانتك ما يخص الله، تُعدين (بذلك) أسوأ زانية! أما بالنسبة إلى اعتقادك أنك تتزينين وأنك ترتدين ملبس جميل، فهذه إساءة إلى العمل الإلهي وانتهاك للحق.
16- إن صوت الرسول يعطي التحذير بقوله "نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا. إذًا لنعيّد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق" (1كو 5: 7-8). هل يبقى الإخلاص والحق عندما الأشياء التي هي أصلية تفسد بألوان مبهرجة، عندما يتغير ما هو حقيقي إلى أكذوبة بوضع الصبغات (والمساحيق)؟
يقول ربكم "لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء" (مت 5: 36)، لكن أنتِ، لكي تنتصري على كلمة ربك ترغبين في أن تكوني أقوى منه، في محاولتك الطائشة ووقاحتك الدنسة تصبغين شعرك بتشاؤم أثيم من جهة المستقبل، تبتدئي الآن في أن يكون لك شعر لونه ناري وتخطئين -ويا لعظم الشر- برأسك التي هي أنبل جزء في الجسد. ومع أنه مكتوب عن الرب "وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج" (رؤ 1: 14) فأنت تشمئزين من الشعر الرمادي وتعافين البياض الذي يشابه رأس الرب!
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
17- إنني أسألك: ألا تخافين لكونك في الحالة التي أنت فيها، أنه عندما يأتي يوم القيامة لا يتعرف عليك صانعك، وأنه ربما يضعك جانبًا (حارمًا إياك) عندما تأتين لمكافآته ووعوده، وربما يستبعدكِ ويوبخك بصرامة القاضي والمنتقد فيقول "هذا العمل لا يخصني ولا هو على شبهنا" لقد دنستِ جلدك بوضع مساحيق تجميل وغيّرت شعرك بلون مزيّف وانهزم وجهك بالأكاذيب وفسد مظهرك ووجهك هو لشخص آخر. لا يمكنك أن تري الله إذ أن عينيك ليستا العينين اللتين صنعهما الله، بل اللتين أفسدهما الشيطان. أنت قد سرت خلف الشيطان واقتديتِ بالعينين الحمراويتين والملونتين للحيّة، تزينتِ مثل عدوك ومعه كذلك ستحترقين.
إنني أتسائل: ألا ينبغي لخدام الله أن يفكروا في هذه الأمور؟ ألا يلزم أن يتفكروا دائمًا فيها بخوف الليل والنهار؟ ألا ينبغي للمتزوجات أن ينظرن إلى أي مدى يخدعن ذواتهن من جهة السلوى (البهجة) التي يقدمنها لأزواجهن من خلال جهودهن لإرضائهم، لأن بالتحجج بالأزواج يجعلونهم مشاركين لهم في إثمهم. بالتأكيد العذارى الذين لا ينطبق عليهن هذا (أي ليس لهن أزواج يتحججن بهم)، واللاتي يزّين أنفسهن بوسائل من هذا النوع، لا ينبغي -في رأيي- أن يُحسبن ضمن العذارى، بل كمثل خراف معيبة وماشية مريضة يتحتم أن يُعزلن من القطيع الطاهر والمقدس للعذارى لئلا باختلاطهم بالباقيات يفسدوهن بملامساتهن، لئلا اللاتي قد أهلكن ذواتهن يهلكن أُخريات.
18- وحيث أننا نطلب نعمة العفة ليتنا نتحاشى كل شيء خطر ومعادٍ لها. لن أغفل بعض الأشياء والتي عند استخدامها من خلال الإهمال تكتسب لذاتها حرية بالاغتصاب فتضر بالأخلاق الحميدة واليقظة. البعض لا يخزين من حضور الأفراح وفي إباحية الأحاديث الخليعة هناك تشارك في الكلام الدنس وتسمع ما لا يليق وتقول ما هو غير مسموح به وتتطلع وتكون حاضرة أثناء الحديث المشين والولائم الحافلة بالسُكر والتي فيها يشتعل لهيب الشهوة ويستحث فيها العريس والعروس على أن يصيرا جسورين في الشهوانية. أي موضع هناك في الأفراح لمن لا تفكر في الزواج (أو حتى لمن هي ليست في سن الزواج، أو في سن الزواج ولم يأتيها من يتقدم لزواجها) أو أي شيء يمكن أن يكون ملّذ ويجلب المسرة في تلك المناسبات حيث الرغبات والاهتمامات مختلفة تمامًا؟ ماذا يُرى هناك؟ إلى أي مدى تتخلى العذراء عن هدفها (الذي هو التبتل لأجل المسيح)! التي مضت إلى هناك عفيفة، إلى أي مدى من عدم العفة تغادره؟ ربما تبقى عذراء بالجسد والعقل، لكن عينيها وأذنيها ولسانها قد قللا من الطهارة التي كانت لها.
19- لكن ماذا يقال عن اللاتي تذهبن إلى الحمامات العامة(7) والتي تعرض أجسادهن عارية للأعين المكرسة للشهوانية، هذه الأجساد التي تقدست للعفة والحشمة؟ أليس أولئك وهن في محضر الرجال (والشباب) وعرايا وبلا إحساس بالخزي ينظرن الرجال والرجال ينظرون إليهن، يقدمن ذواتهن باعث (دافع) على الرذيلة؟ ألا يثرن شهوة من هم حاضرين لما فيه ضرر وخزي لهن؟
ربما تقولين: ليتطلع الآخر إلى دافعه في المجيء هنا، أما بالنسبة لي فإن اهتمامي الوحيد هو أن أنعش وأغسل جسدي الضعيف.
مثل هذا الدفاع لا يبررك ولا أيضًا يعذر خطية الشهوة والخلاعة (في الآخر). مثل هذا الاستحمامات تدنس، أنها لا تغسل ولا تطهر الأعضاء بل تلوثها. أنت لا تتطلعين إلى أحد بطريقة غير محتشمة، لكن أنت ذاتك يتطلعون إليكِ بغير احتشام. أنت لا تفسدين عينيك بمسرة غبية، لكن بإبهاج آخرين (عندما يتطلعون إليك وأنت عارية) أنت ذاتك قد فسدتي. لقد حولتِ الاستحمام إلى استعراض علني (لمفاتن جسدك)، والأماكن التي تمضين إليها هي أكثر خزيًا من المسرح. هناك يُطرح جانبًا كل تحفظ فيُطرح جانبًا الشرف وحشمة (عفة) الجسد مع الملابس أيضًا، فتُكشف البتولية لتُعرض على الملأ وتتدنس. فمن كان عفيفًا بين غير العفيفين عند نظره إليها وهي لابسة ومحتشمة، سيصير غير عفيف لدى رؤيته إياها تجاسرت على التعري أمام الكل.
20- من هنا فإن الكنيسة تندب عذاراها، من هنا تئن على سمعتهن الرديئة والثرثرة البغيضة عنهن، من هنا تتلاشى زهرة البتولية وتُقتل كرامة وحشمة العفة وكل إكرام وسمو يتدنسان. من هنا العدو الغازي يدس نفسه خلسة بمكائده، ويزحف إبليس إلى الداخل بشباكه التي تخدع من خلال الطرق السرية، من ثمّ العذارى في رغبتهن أن يتزين بمنتهى الأناقة والجولان بأكثر حرية يتوقفن عن أن يكن عذارى لكونهن فسدن بخزي خفي (فيصرن) أرامل قبل أن يتزوجن، (بل) زانيات ليس لزوج ما بل للمسيح. كما أنهن كن عذارى معيّنات لمكافآت عجيبة، هكذا الآن سيعانين أقسى العقوبات لفقدهن البتولية.
21- لذلك أنصتن أيها العذارى، أنصتن كما لأب، أتوسل إليكن أن تنصتن كما لمن يخاف عليكن وفي نفس الوقت يحذركن. أنصتن لمن يسهر بأمانة على مصالحكن وما فيه فائدتكن. كن كما خلقكن الله الخالق، كن كما صنعنكن يد الآب. ليبقى وجهكن بدون فساد وعنقكن نظيف وجمالكن أصلي (بدون مساحيق تجميل)، ليت آذانكن لا تُثقب وليت لا توضع أساور ذهبية حول معصم أيديكن ولا عقود حول أعناقكن ولتكن أرجلكن خالية من الخلاخيل الذهبية، وشعر رؤوسكن غير مصبوغ ولتكن عيونكن جديرة بأن تنظر الله. ليكن استحمامكن وسط نساء محتشمات. ليتكن تتحاشين الأفراح الخليعة والولائم المتطرفة التي حضورها فيه خطورة عليكن. يا من أنت عذراء اقهري التطرف في ملبسك، يا من تهزمين الجسد والعالم اهزمي الذهب. ليس من الطبيعي أن لا يُقهر المرء أمام الأشياء الأقوى وينهزم من الأشياء الأقل. ضيّق وكرب هو الطريق المؤدي إلى الحياة، شاق وشديد الانحدار الطريق المؤدي إلى المجد. لكن على هذا الطريق يسير الشهداء، تمضي العذارى ويتقدم كل الأبرار. تحاشي الطرق الواسعة والعريضة ففيها إغراءات مميتة ومسرّات تجلب الموت وفيها يتملق إبليس لكي يخدع، ويبتسم لكي يؤذي، ويغري لكي يقتل. الثمرة الأولى التي هي مائة ضعف تخص الشهداء، الثانية ستين ضعف هي لكن. كما أنه مع الشهداء لا يوجد تفكير في الجسد ولا في العالم، والجهاد ليس هيّن أو بسيط أو لذيذ، كذلك بالمثل لكن يا من مكافأتكن هي التالية لهم في النعمة لتكن قوة احتمالكن هي التالية لهم. الصعود للأمور العظيمة ليس سهلًا. أية مشقة وأي تعب ينبغي لنا أن نحتمله عندما نحاول تسلق التلال وقمم الجبال! فماذا ونحن نصعد إلى السماء! لو تنظرن (وتتأملن) المكافأة الموعودة، ما تحتملنه هو أقل منها. الخلود يُعطي لمن يثابر، الأبدية تُمنح، الرب يعد بملكوته.
22- ثابرن أيتها العذارى، ثابرن فيما ابتدأتن أن تكوننه، ثابرن فيما ستكونن عليه. مكافأة عظيمة محفوظة لكن، جائزة مجيدة للفضيلة، جعالة فائقة جدًا للطهارة. هل تردن أن تعرفن من أي بؤس خالية فضيلة العفة، وأي امتياز تمتلك؟ قال الله للمرأة "تكثيرًا أكثّر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولادًا وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك" (تك 3: 16). أنت معتوقة (حرة) من هذا الحكم، أنت لا تخشين أتعاب المرأة وأوجاعها، ليس لك خوف من جهة ولادة الأولاد وليس لك زوج يسود عليك، بل سيدك ورأسك هو المسيح وأنت تشابهين الرجل ولك نفس موضعه، فنصيبك ووضعك مشترك معه. هذا هو صوت الرب الذي يقول "أبناء هذا الدهر يزوّجون ويزوجون ولكن الذين حسبوا أهلًا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة" (لو 20: 34-36). ما سنكون عليه، أنتن ابتدأتن أن تكوننه من الآن. لقد صار لكن مجد القيامة من الآن في هذا العالم. أنتن تجتزن العالم دون أن تتدنسن به، وبينما تبقين عفيفات وعذارى تكن معادلات لملائكة الله. فقط اجعلن بتوليتكن باقية واستمررن سالمات وبلا خدوش، وكما ابتدأتن بشجاعة، ليتكن تثابرن بلا توقف ولا تطلبن عقود العنق ولا التزين بالملابس بل اسعين إلى السلوك المستقيم. لتتطلع الأعين التي رُفعت عاليًا إلى الله والسماء وليس لأسفل إلى شهوات الجسد والعالم، وليتها لا تتحول إلى الأرضيات.
23- إن النطق الأول لله أعطى الأمر بالازدياد والتكاثر، بينما الثاني ينصح بالتعفف. بينما كان العالم لا يزال غير مزروع وخالي، توالدنا نحن في أعداد عظيمة وانتشرنا وازددنا لأجل امتداد الجنس البشري. أما الآن وقد امتلأت الأرض وعمرت المسكونة، أولئك الذين يمكنهم أن يتبنوا العفة ويعيشوا كما الخصيان، يخصون ذواتهم لأجل الملكوت. والله لا يأمر بهذا بل (فقط) يشجعه ولا هو يفرض نير الإلزام إذ أن اختيار الإرادة يبقى حرًا. لكن عندما يقول أن في بيت أبيه منازل كثيرة يشير إلى منازل فيها مواضع إقامة أفضل. أنتن تطلبن تلك المنازل الأفضل، بقطعكن شهوات الجسد تحصلن على مكافأة النعمة الأعظم في السماء. في الواقع كل الذين يدركون (وينالون) العطية الإلهية والأبوية بتقديس المعمودية يخلعون فيها الإنسان العتيق بنعمة المياه المخلّصة وإذ قد تجددوا بالروح القدس يتطهروا من نجاسات الفساد القديم بميلاد ثاني. لكن التقديس الأعظم وصدق الميلاد الثاني ينتمي لكن أنتن يا من ليس لكن بعد شهوات الجسد. فقط تلك الأشياء التي تنتمي للفضيلة هي فيكن والروح قد بقى للمجد. هذا هو صوت الرسول الذي دعاه الله الإناء المختار، الذي أرسله الله ليعلن مراسيم السماء. وهو يقول "الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضًا. وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضًا. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1كو 15: 47-49). تحمل البتولية هذه الصورة، الطهارة تحملها، التقديس والحق يحملانها، الذين هم معينين بالتلمذة لله يحملونها، الذين يحفظون العدل بتدقيق، الثابتين في الإيمان، المتضعين في المخافة، الشجعان في احتمال الآلام، الودعاء في مكابدتهم للإساءات، المستعدين لإظهار الرحمة ولهم قلب واحد وذهن واحد في السلام الأخوي.
24- أيتها العذارى الصالحات، كل واحدة من هذه الفضائل ينبغي عليكن أن تحفظنها وتحببنها وتتممنها. أنتن يا من تكرستن لله (الآب) والمسيح، تقدمن إلى الرب الذي قد كرستن ذواتكن له على اعتبار أنه النصيب الأعظم والأفضل. يا من تقدمتن في العمر، ارشدن من هن أصغر. يا من أنتن أصغر، أعطين حافز (باعث) لمن هن في عمركن. حرضن بعضكن البعض بكلمات تشجيع متبادلة، اشهدن (لعظم) المجد بالتنافس على براهين الفضيلة. ثابرن بشجاعة، تقدمن روحيًا وأدركن الهدف بسعادة.
فقط تذكرننا عندما ستبدأ البتولية أن تتكرم فيكن.
_____
(5) لم تكن الرهبنة قد ظهرت لما كتُبت هذه المقالة عام 251م على التقريب وكان التبتل شائع. ولكن هذه المقالة نافعة لكل فتاة وامرأة إذ تدعو المقالة إلى الحشمة في الملبس.
(6) لو اتخذنا هذه الفقرة كنموذج لن نخطئ لو قلنا أن يخاطب أي فتاة مسيحية بصفة عامة وليس من اختارت التبتل كمنهج لحياتها، لأن كونها غنية أو تلبس ملابس لا تليق بمسيحية، يجعلنا نطبق المقالة بصفة عامة وفي الحقيقة هذه المقالة تناسب جيلنا الحاضر لأنه بينما من هن من خارج يتحجبن ويتنقبن، تزداد بناتنا ونسائنا ليس فقط في التبرج السافر بل أيضًا في اللبس الخليع الذي لا يليق بمن دعي عليها اسم المسيح...
(7) مما يدعو للأسف الشديد أن هذا يحدث الآن في صورة أخرى في المصايف التي لم يعد أحد يتعرى فيها سوى بنات المسيحيين وهذا يتم أحيانًا بمباركة المسئولين في الكنيسة ممن ينظمون رحلات المصايف هذه!
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/cyprian-treatises/garment-of-virgins.html
تقصير الرابط:
tak.la/8xr2jp4