St-Takla.org  >   Full-Free-Coptic-Books  >   His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online  >   64-Entelak-Al-Rouh
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب انطلاق الروح لقداسة البابا شنودة الثالث

29- تأمل في النور والظلمة

 

" في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخاوية، وعلي وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف علي وجه المياه، ثم قال الله ليكن نور، فكان نور. ورأي الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارًا، والظلمة دعاها ليلًا. وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا" (تك1:1- 5)(1).

لم تقل يا رب {لا تكن ظلمة}، وإنما قلت {فليكن نور}. فكان نور، وبقيت الظلمة، ووجد الاثنان معًا..

فلماذا لم تقض علي الظلمة، ما دام النور الذي رأيته كان حسنا في عينيك؟ لماذا أبقيتها؟ ولماذا أعطيتها أسما؟ ولماذا سمحت أن يكون لها سلطان، وقلت {هذه ساعتكم وسلطان الظلام} (لو22: 53)؟!

لماذا لم تجعل الكل نهارًا، والكل نورًا، أيها النور الحقيقي، النور الذي لا يُدنى منه؟ لماذا سمحت بأن يكون الظلام موجودا، وبأن يحبه الناس أكثر من النور؟! كان بإمكانك أن تلغي الظلام إلغاءًا فلا يكون. أو لا تسمح بوجوده قبل أن يوجد. ولكنك أبقيته علي الرغم من أنه لا يتفق مع طبيعتك! فلماذا؟

St-Takla.org         Image: Millions of stars in space, by Nasa صورة: لوكالة ناسا - ملايين النجوم في الفضاء

St-Takla.org Image: Millions of stars in space, by Nasa

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوكالة ناسا - ملايين النجوم في الفضاء

أن كنت قد سمحت أن يعيش الزوان مع الحنطة إلى يوم الحصاد، حيث يلقي الزوان في النار، فهل للظلمة أيضًا وقت تنتهي فيه، ويعيش أبناء النور في النور، النور الذي لم يستطيعوا الدنو منه عندما كانوا في الظلام؟ ولكن أليس حقا أن الأشرار يخلدون في الظلمة الخارجية؟ إذن فالظلمة الخارجية خالدة هي أيضًا! ولكن خارج أورشليم السمائية، بعيدة عن أولاد الله وبينها وبينهم هوة عميقة..

متى وجد الظلام؟ "كان على وجه الغمر ظلمة". كان ذلك في بدء الخليقة كلها، قبل أن يقول الرب {ليكن نور} فمنذ متى كان الظلام..؟

عندما كان الله وحده في الأزل، لم يكن هناك ظلام، لأنه لم يكن هناك سوي الله وحده، والله نور. إذن فالظلام حدث فمتى حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟ أجبني يا رب فإنني لا أعرف...

هل كانت الظلمة أقدم من النور بالنسبة إلى الخليقة؟ وما علاقة هذا بنظرية السديم؟ بلا شك أن النور كان هو الأقدم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). يقال أن هذه -الظلمة من الناحية الطبيعية- حدثت من فاعلية حرارة المجموعة الشمسية المنيرة في الغمر، فتبخرت المياه بكثرة وسرعة، ومن كثرة البخر تكون ضباب كثيف جدا حجب نور السديم، فصار علي وجه الغمر ظلمة.. علي أنني لا أريد أن أهبط إلى مستوى هذا التفكير المادي، إنما علي أن أتأمل في النور كما ينبغي...

{كان علي وجه الغمر ظلمة} إذن كان هناك غمر، وكانت هناك أرض، وكانت هناك ظلمة. لم تكن الأرض تعرف الله ولا كان الغمر يعرفه، فهل عدم معرفة الله كان هو الظلمة؟ وعندما كان روح الله يرف علي وجه المياه، والمياه لا تعرفه {النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه}؟ ثم قال الله {ليكن نور}، فكان نور. أكان ذلك النور هو سر تلك الآية الجميلة {السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه} (مز1:19)؟

هل هذا هو أول نور دخل إلى العالم؟ ولكن واضح أنه بدخوله لم ينته زمن الظلمة. فلماذا كانت الظلمة إذن؟ أريد يا رب أن أعرف. فهمني أنت. أنِر عقلي وروحي لأفهم أقوالك المحيية..

وهناك أنواع من النور: قيل عن الشمس والقمر والنجوم أنها نور. وقال الرب لتلاميذه {أنتم نور العالم}. وقيل عن الابن {الإله المتجسد} أنه نور من نور، حل ورأينا مجده. وقيل عن الآب {الذي لم يره أحد قط} أنه نور لا يُدنى منه. وقيل عن قبول الإنسان لعمل الله فيه أنه استنارة... والخير عمومًا يسمي نورًا، والبر يسمي نورًا، والحكمة والمعرفة تسمي نورًا.

في بادئ الأمر خلق الله النور المادي الذي ندركه بالحس ورأي الله النور انه حسن، ولكن هذا النوع هو أقل درجة من درجات النور. وهناك نور آخر يتدرج في الخليقة الحية حتى يصل إلى الإنسان الذي يمكنه بالروح أن يدرك الله ذاته. فما هو كنه النور في النبات والحيوان بأنواعهما؟ وما هي درجات رقيهما عن الجماد؟ وما علاقة كل هذه الخليقة بالله قبل خلق الإنسان؟ وما علاقته به بعد خلقه؟ الله نور، يفيض من نوره علي الطبيعة فتنير، وأيضًا علي العقل والنفس والحس والروح، فيكون نورها من فيض نوره ولكن ليس من جوهره. كما أن الله هو الحياة، وقد أعطى الخليقة حياة ولكنها ليست من جوهره وإنما من فيضه.

والله هو عقل وروح، وقد أعطي الإنسان عقلًا وروحًا، ولكنهما من فيضه أو من نعمته.. وهكذا.

لماذا رأي النور أنه حسن؟ لأنه موافق لطبيعته. فالله نور ليست فيه ظلمة البتة. أن الظلمة ليس فيها الله، وإلا أصبحت نورًا. والذين يخضعون للظلام، سوف يلقون في الظلمة الخارجية، أي نور خارج نطاق التمتع بالله.

أن كان الله قد فصل بين النور والظلمة، فكيف دخلت الظلمة إلى الإنسان؟ وكيف تأصلت فيه، وكيف أحبها أكثر من النور؟ أنها أسئلة، اتركها لتأمل كل منا.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) هذا المقال من أوائل مقالات مجموعة "انطلاق الروح"، فبعض هذه تأملات منذ سنة 1955 م. وما بعدها.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/64-Entelak-Al-Rouh/The-Release-of-The-Spirit__29-Light.html