| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22

آيات 2،1:- كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ، مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ.
لما جاءت المسيحية تنادي بالحب، ظن بعض النساء أن في هذا فرصة لأن يتحررن من سلطة أزواجهن. ولاحظ أن الشريعة الرومانية كانت تبيح للرجل أن يتسلط على زوجته كجارية. لذلك يوضح الرسول هنا أن المسيحية تدعو الزوجة للخضوع لزوجها. فالطاعة تدفع الرجل لحب زوجته المطيعة وحب الرجل يدفع المرأة لطاعة زوجها بالأكثر وهكذا يحل السلام بالأسرة. وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ = فالمسيحيات كن يتزوجن رجال وثنيين والرسول يقول أن سيرة المرأة المسيحية قد تجذب زوجها غير المؤمن فنحن لسنا كلنا قادرين أن نعظ باللسان ولكننا كلنا قادرين أن نعظ بسيرتنا . وهذا الكلام موجه لنساء متزوجات من رجال سواء كانوا وثنيين أو مسيحيين لكن أزواجهن عنفاء معهن. ولكن مع هذا يطلب الرسول أن يخضعن لرجالهن العنفاء. مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ = الخوف هنا هو خوف الله، فلتكن سيرتنا طاهرة خوفا من الله وليس من إنسان.
آيات 4،3:- وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ.
من المؤكد أن الزينة غير ممنوعة، ولكن الممنوع هو لفت الأنظار أو الاهتمام بذلك، فعلى كل واحد أن يهتم بما يرضي الله لا الناس.
فهناك من صارت الزينة لهن صنما يعبدونه، والله أعطى لنا وزنة هي المال، والبعض يضيعون المال في أشياء ترضي غرورهم وتستجلب مديح الناس، وتسبب المرارة والحسد عند الغير. ويطلب الرسول أن يهتموا بالزينة الداخلية كالوداعة والقداسة والهدوء والمحبة والطاعة والطهر هذه ترضي الله وتكون مصدر جذب للأزواج غير المؤمنين.
ولبس الثياب = الغالية والخليعة والملفتة.
إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ = داخل كلٌ منا: أ) إنسان عتيق وُلِدنا به وهذا منفتح على شرور العالم "بالخطية ولدتنى أمى" (المزمور 51) + (رو7: 18-23). ب) وإنسان جديد** حصلنا عليه في المعمودية. وهذا ما يتكلم عنه القديس بطرس الرسول هنا. وكلٌ منا حر في أن يُغذى أياً منهما فينمو، أو يهمله فيضمر. الإنسان العتيق يتم تغذيته بمجالس الشر، والصور والمشاهد البذيئة والكلمات القبيحة. والإنسان الداخلى الجديد يتم تغذيته بالصلاة والتسابيح ودراسة الكتاب (راجع رو6). والرسول يطلب هنا أن نهتم بنمو هذا الإنسان الداخلى الجديد. وهذا الإنسان يقوده الروح القدس، ويستجيب لعمل الروح القدس. ويساعده الروح القدس بقوة تسمى النعمة. والرسول يدعو النساء هنا عوضا عن الاهتمام بالزينة الخارجية أن يجاهدن لنمو الإنسان الجديد، وهذا الإنسان الجديد يكون مملوءاً من ثمار الروح القدس "محبة وفرح وسلام وطول أناة ولطف ... ووداعة وتعفف ..." (غل 5: 22-23). وكلما ينمو هذا الإنسان الجديد يتَسِّمْ هذا الإنسان بالوداعة والسلام. بل ويفيض على الآخرين من حوله كما قال الرب يسوع "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو38:7) = زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ. أى إهتموا بأن تكون زينتكن هى قداسة داخلكن، القداسة الباطنية التى تستلزم الروح الوديع الهادىء. ومن له هذا يحيا فى سلام بلا إرتباك، وبروحه الوديعة يحتمل بصبر كل الضيقات فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ = عديمة الفساد هى النفس غير القابلة للموت والتحلل مثل الجسد. أى لا تهتموا بزينة الجسد الذى هو بطبعه فانٍ بل إهتموا بزينة العديمة الفساد = زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ = وهذا قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ = أجرة من يهتم بزينة الروح أى بقداستها، كبير هنا على الأرض وفى السماء. ومن له هذا الروح الوديع الهادئ فهو أمام الناس له زينة أعظم بكثير من الملابس والحُلِّىْ. فوجوده يفيض على الموجودين سلام وفرح.
** الإنسان الجديد هذا الذى نحصل عليه يكون على صورة الله، ألم نُخلق على صورة الله أولاً (تك26:1). ولكن بإحتكاكنا بالعالم تتشوه الصورة. والروح القدس يعمل فينا ليجدد هذه الصورة طوال العمر "لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (تى5:3). وهذا عمل الكنيسة مع أولادها كما قال القديس بولس الرسول لأهل غلاطية "يَا أَوْلَادِي ٱلَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غل19:4). وأيضاً يقول بنفس المعنى لأهل كورنثوس "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ" (2كو18:3).
زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ = القديس بطرس هنا يدعو كل إنسان ألا يهتم بزينة الجسد، فالجسد ذاهب للتراب. ولكن علينا أن نهتم بزينة الروح، وزينة الروح هى أن تمتلئ بثمار الروح التي هي "مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ" (غل23،22:5)، هذه الثمار، ثمار الروح القدس تزين الروح الإنسانية. وكيف نمتلئ من الروح القدس لنتمتع بهذه الثمار (أف5: 18-21). ومن يمتلئ بهذه الثمار يرتاح المسيح عنده. فالمسيح إشتكى أنه لا يجد مثل هذه القلوب التي يرتاح فيها "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت20:8). قيل عن الكاروبيم أنهم مملوئين أعيناً إشارة للمعرفة "أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ" (رؤ6:4). ومن يعرف المسيح سيحبه فهو يستحق كل الحب، وأيضاً لن يختلف معه في قراراته. بل يفرح بها. ولذلك يرتاح الرب فى الكاروب. لذلك قيل أن الله جالس على الكروبيم (مز1:80) وقوله جالس تشير للراحة. وماذا قيل عن نتيجة راحة الله في الكروبيم "رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ" (مز10:18). وكلمة طار تعنى التحليق في السماويات. فإذا كانت الملائكة في السماء أصلاً، يكون المعنى رفع درجة الكاروب السماوية إذ قد إرتاح الله عنده. والمعنى أن من يرتاح الله عنده يحمله إلى درجات سماوية عالية. نخلص من هذا بأن من يهتم بزينة الروح تكون أجرته هي راحة الله عنده ويعطيه الله أن يفرح بالحياة السماوية بينما هو ما زال على الأرض وهذا ما قصده القديس بطرس بأنه أجر كَثِيرُ الثَّمَنِ.
الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ = قيل عن المسيح الابن أنه "لَا يُخَاصِمُ وَلَا يَصِيحُ، وَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي ٱلشَّوَارِعِ صَوْتَهُ" (مت19:12). وقيل عنه أيضاً "هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ" (زك9:9). وقال الرب يسوع عن نفسه "وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ" (مت29:11). ولاحظ صفات صوت الله حينما تكلم مع إيليا "وَبَعْدَ ٱلزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ ٱلرَّبُّ فِي ٱلنَّارِ. وَبَعْدَ ٱلنَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ" (1مل12:19). الله هادئ ووديع وهكذا صوته خفيف. والإنسان الروحى المملوء من ثمار الروح يكون له نفس هذه المواصفات: الهدوء والوداعة، فالروح القدس الذى يقود الإنسان الداخلى المولود في المعمودية ليصير على صورة المسيح، وله نفس صفات المسيح في الوداعة والسلام. بل أن الإنسان الروحى قادر إن إمتلأ أن يفيض على من حوله سلام. وهذا معنى قول الرب يسوع "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو38:7) أي يفيض من داخله على من حوله من ثمار الروح القدس الذى يملأه. أما الجسد فله صفات هى عكس صفات الروح. فالجسد صاخب وهائج بلا سلام داخلى.
آيات 6،5:- فَإِنَّهُ هكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا». الَّتِي صِرْتُنَّ أَوْلاَدَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا، وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ خَوْفًا الْبَتَّةَ.
هنا نفهم أن الزينة لم يمنعها الرسول منعا مطلقا، لكن هي مسموح بها على أن تكن في حدود اللياقة وليس المغالاة، وفي حدود طاعة الزوج والخضوع له = خاضعات لرجالهن وان تكون لإرضاء زوجها وليس لإرضاء الغرباء. ويضرب الرسول مثلًا بسارة ويذكر مميزاتها:
1. متوكلات = متكلة على الله، لا تبالي سوى برضائه.
2. خاضعات لرجالهن حتى أنها كانت تقول له سيدها.
3. صانعات خيرا.
4. غير خائفات من أحد من البشر أو حتى الشياطين، بل في حب المسيح والناس.
إذًا تمثلن بسارة فتكونوا بناتًا لها. ولتكن لديكن رغبة في كل عمل حسن.
آية 7:- كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ.
بعد أن وجه نصائحه للنساء، ها هو يوجه نصائحه للأزواج.
بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ = يترجمها البعض "حاولوا أن تفهموا المرأة الجنس الأضعف". والفطنة هى التصرف السليم المبنى على الحكمة أي الفهم السليم. وما هو الفهم السليم هنا؟ أن النساء هم بنات الله كما أن الرجال هم أبناء الله. وهن وارثات للمجد كالرجال. وهن ضعيفات. إذاً على الرجل أن يُعامل المرأة بإحترام فهى لها كرامتها كبنت الله ملك الملوك. وهى كمخلوقة ضعيفة تحتاج للمحبة والعطف والحنان. وهذه هي الْفِطْنَةِ.
الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ = هنا يشبه الرسول النساء بإناء هش ضعيف، يحتاج للترفق، وتشبيهه بالإناء لأنه يحمل داخله الأطفال. ويطلب الرسول من الرجل أن يعطى كرامة لزوجته فهى:- 1*إبنة الله ملك الملوك 2*والروح القدس يسكن فيها، 3*هي هيكل لله. 4*وهى سترث معه فى ملكوت السماوات.
لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ = إن أقل خطية، أو عناد أو سوء تفاهم، أو عدم مودة، أو غلظة فى التعامل كفيل بأن يعيق الصلوات، هذه كلها ثعالب صغيرة تفسد الكروم، كروم الشركة مع الله، كما أن الذين لا يعرفون روح التسامح لن يختبروا غفران الله عن تعدياتهم. والرسول هنا يشير لما ذكره ملاخى "وَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذَا ثَانِيَةً مُغَطِّينَ مَذْبَحَ ٱلرَّبِّ بِٱلدُّمُوعِ، بِٱلْبُكَاءِ وَٱلصُّرَاخِ، فَلَا تُرَاعَى ٱلتَّقْدِمَةُ بَعْدُ، وَلَا يُقْبَلُ ٱلْمُرْضِي مِنْ يَدِكُمْ. فَقُلْتُمْ: لِمَاذَا؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱمْرَأَةِ شَبَابِكَ ٱلَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا، وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَٱمْرَأَةُ عَهْدِكَ" (ملا 13:2). يُفهم من نبوة ملاخى النبى أن دموع المرأة المظلومة من رجلها تُعيق صلوات رجلها الظالم، ولا تُقبل ذبائحه التي يقدمها على مذبح الله.
آية 8:- وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ،
كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ = هدف الرسول لا أن يكون الزوجين فقط متحدى الرأى بل كل الكنيسة، كما يقول القديس بولس الرسول "وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ" (1كو10:1).
بِحِسٍّ وَاحِدٍ = مشاركين بعضكم البعض الأفراح والآلام، كما يقول القديس بولس الرسول "فَرَحًا مَعَ ٱلْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ ٱلْبَاكِينَ". (رو 15:12) + (فى 27:1) + (فى 2:2) + (يو 21:17). وهذه يترجمها اليسوعيون "مشفقين بعضكم على بعض".
لُطَفَاءَ = ففى الأصل اليونانى تعنى أنها ناشئة عن الإتضاع أمام الله.
آية 9:- غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً.
حينما نسير في طريق الرب يهيج إبليس علينا ويثير رجاله الذين يتبعونه فيشتموننا ويدبرون ضدنا الشرور. وكلام الرسول يعني أن شتائمهم لن تضركم ولن تمنع البركة عنكم، لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً، خصوصا لو كان ما يخرج من فمكم لهم هو كلمات البركة (مت44:5) + (رو21:12). مباركين = كلمة عبرية تعني أن نتكلم عن الناس حسنا، ويقول الكتاب باركوا ولا تلعنوا (رو12: 14). ويقول الرب باركوا لاعنيكم. ونحن نبارك الرب أي نسبحه ونشكره، أما الله حين يبارك أحد فهو لا يكتفي بكلمات حلوة عنه بل يهبه خيرات روحية ومادية = ترثوا بركة.
![]() |
آيات 11، 10:- لأَنَّ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبَّ الْحَيَاةَ وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً، فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ وَشَفَتَيْهِ أَنْ تَتَكَلَّمَا بِالْمَكْرِ، لِيُعْرِضْ عَنِ الشَّرِّ وَيَصْنَعِ الْخَيْرَ، لِيَطْلُبِ السَّلاَمَ وَيَجِدَّ فِي أَثَرِهِ.
يُحِبَّ الْحَيَاةَ
= أي يجاهد حتى لا يفقد الحياة الأبدية. وَيَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً = هنا على الأرض. فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ = المذمة والشتيمة والنميمة والكذب ونشر الشائعات ومسك السيرة وكلام المكر.ليعرض عن الشر = يعطي ظهره للشر (الاتجاهات الشريرة والكلمات الشريرة والأفعال الشريرة). هذا من الجانب السلبي، أما من الجانب الإيجابي = ليصنع الخير. وليطلب السلام = يجتهد أن يحيا في سلام مع الناس. والرسول هنا اقتبس كلمات المزمور (مز 11:34-16)، (قارن أيضا مع آية 12).
آية 12:- لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ عَلَى الأَبْرَارِ، وَأُذْنَيْهِ إِلَى طَلِبَتِهِمْ، وَلكِنَّ وَجْهَ الرَّبِّ ضِدُّ فَاعِلِي الشَّرِّ».
عيني الرب على الأبرار= أي يحافظ عليهم ويعتني بكل أمورهم واذنيه إلى طلبتهم = يسمع ويستجيب لهم.
آية 13:- فَمَنْ يُؤْذِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِالْخَيْرِ؟
لا يستطيع إنسان أن يؤذينا، ولا شيطان. ولكن الله يسمح ببعض الآلام لكي ينقينا، فهي للمنفعة وللبركة. ولكن الإنسان يؤذي نفسه بصنعه الشر.
آية 14:- وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا.
دخل الألم إلى العالم بعد الخطية. وكل البشر يتألمون. ونحن في حرب مستمرة من الشيطان الذى يُصَوِّب لنا سهام الألام. وحروب الشيطان ضدنا وسهامه ضدنا تكون بينما نحن أبرياء. ولكن هناك أيضاً ألام تصيبنا لو أخطأنا فعلاً كعقوبات على أخطائنا. إذاً طالما نحن في الجسد فالألام قادمة بالتأكيد. والرسول هنا يقول يا ليتكم لا تخطئون فتعاقبون على أخطائكم. ولكن لو جاءت الألام نتيجة لهجمات الشيطان علينا يقول لنا الرسول فَطُوبَاكُمْ، فلماذا التطويب؟ 1) الله يحوِّل العقوبة إلى خلاص "حولت لى العقوبة خلاصاً" (القداس الغريغورى). 2) الألام وسيلة يستخدمها الله معنا للتنقية والتأديب (1كو5:5 + 1بط1:4). 3) بهذه الألام نصبح شركاء المسيح، وشركاء الألام مع المسيح يصبحون شركاء في مجده (رو17:8). أما لو كانت الألام هي عقاب نتيجة أخطائنا فلا شركة مع المسيح في مجده في هذه الحالة ولا تطويب.
إِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ = فهذا ليس لضرركم. بل لمنفعتكم، ألم "يُحَوِّل الله العقوبة إلى خلاص" (القداس الغريغورى). هذا الكلام يوجهه الرسول لأناس متألمين مضطهدين ليفهموا أن هناك أكاليل معدة لهم = فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ = هذا صدى لتعاليم المسيح "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد" (لو4:12) + (مت28:10) و"لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب" (يو27:14). ونحن لن نخاف إنسان إن كان لنا خوف مقدس من الله. ونحن نطرد خوفنا من الناس بالخوف من الله. لذلك يكمل فى (آية 15) بل قدسوا الرب الإله.
لماذا لا نخاف وسط ألام هذا العالم؟ ببساطة لأننا في يد الله ضابط الكل وهو يحول كل شيء للخير. فهو صانع خيرات يحب أبناءه ويحوَّل الألام لوسيلة لخلاص نفوسهم.
← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
آية 15:- بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.
إقتبس الرسول هذا القول من (إش 8: 12-13) = قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ الله قدوس أي عالي سماوي نقي عادل يجازي المخطئ، لا يخطئ كله محبة وله كل المجد، فما معنى أن نقدسه؟ أن تكون وصاياه وأوامره هي العُليا دائمًا، ويكون ذلك بمخافته ومهابته أكثر من البشر. وما معنى في قلوبكم؟ = أي تكون هذه المخافة وهذا الإحترام من داخل القلب وليس فقط أمام الناس بل حتى في الخفاء، وبالثقة في مواعيده وتصديق حكمته، وعدم الإعتراض على أحكامه، والتسليم له والإيمان بقوته وبعدالته في تأديباته، واحتمال الألم بصبر وتمجيده وسط التجارب وبتنفيذ وصاياه في خوف من إغضابه، ومن يخاف الله دون البشر يكون بهذا مقدسا للرب في قلبه. وهذا خير كرازة وشهادة عملية للرب = مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا = مستعدين بحياتكم الطاهرة التي فيها تقدسون الرب في قلوبكم. والسلام الظاهر في حياتكم وسط ضيقات العالم. لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ = فكان الوثنيون يسألون المسيحيين كيف تؤمنون بمصلوب وأي رجاء لكم فيه. والرسول يقول لهم كونوا مستعدين بحياتكم المقدسة لمجاوبتهم، فإن كانت حياتكم غير مقدسة فالوعظ لن يجدي شيئًا. عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ = عن الحياة الأبدية التي يؤمن بها المسيحيون ويترجونها. بِوَدَاعَةٍ = فالرد عليهم لا يكون بعصبية، ومن يرد بوداعة فهو واثق في إلهه. إذًا الرد يكون بحياتنا المقدسة أولًا ثم يكون كلامنا معهم بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ = الخوف المقدس من أن نغضب الله. الخوف يكون من أن نخسر نفس أحد فيغضب الله لو لم نرد عليهم بوداعة. بخوفنا المقدس من الله وبسيرتنا الطاهرة يَشْتَّم الآخرين رائحة المسيح الزكية التي فينا.
آية 16:- وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ سِيرَتَكُمُ الصَّالِحَةَ فِي الْمَسِيحِ، يُخْزَوْنَ فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ.
في ما يفترون عليكم كفاعلي شر = كانت المسيحية توصم بأنها ضد الإمبراطورية ولها سلوك مقاوم للسلام. وبقدر ما ازداد اضطهاد المسيحيين كانوا يجتذبون المضطهدين أنفسهم خلال احتمالهم الاضطهاد بفرح وشكر وتسبيح فكان الوثنيون يؤمنون. يخزون = يفتضح كذبهم حينما يرى الناس قداستكم ومحبتكم.
آية 17:- لأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ اللهِ، وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْرًا، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرًّا.
هي دعوة لكي تكون سيرتهم طاهرة، حتى إذا جاءت آلام الاضطهاد لا تكون بسبب ذنوب ارتكبوها، ولكن لأجل اسم المسيح، وبهذا يتبعوا طريق المسيح المتألم، وهذا ما يعطي عزاءً وصبرًا وفرحًا، أي شركة الصليب مع المسيح، وشركة الصليب مع المسيح هي أيضاً شركة مجد معه (رو17:8). أما الألم لأجل خطية ارتكبناها فلا يكون شركة صليب، فالمسيح لم يكن له خطية، شركة صليب المسيح هي لمن يحتمل ألم الاضطهاد وهو لم يرتكب ذنبا كما حدث مع المسيح. أما من يتألم لذنب جناه فليكن مثل اللص اليمين أي ليعترف بخطيته ويعلم أنه يعاقب لذنبه، ويحتمل تأديب الله ويطلب رحمة الله بلا اعتراض على ما يحدث له، والله يستجيب له.
آية 18:- فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ.
تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً
= لن يجوز عليه الألم ثانية. مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ = كإنسان.وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ = الروح بقيت حية بعد موت الجسد، وذلك لإتحادها بلاهوته. وقصد الرسول أن نتشبه بالمسيح فى إحتمال الألم حتى وإن كنا أبرار فهو تألم وهو بار، فليس معنى أي ألم أن الله غاضب فها نحن نرى المسيح يتألم ويُصلب ويموت لكنه حى بالروح علامة رضى الله. لنا مثال آخر في المسيح فهو بعد أن تألم تمجد في السماء، وهو تألم مرة واحدة أي ألامه كانت على الأرض فقط وإنتهت، وهذا ما يدفع بالمؤمنين لاحتمال الألم، أنهم يؤمنون بأن لهم مجدا معدا في السماء ، وستنتهي ألامهم بنهاية وجودهم على الأرض، بل كلما زاد الألم يزداد المجد (2 كو 17:4) + (رو 8: 17-18).
محيىً في الروح = لم تذق روحه الموت لأنه لم يخطئ قط، ولاهوته لم يفارق لا جسده في القبر، ولا روحه التي هبطت إلى الجحيم لتفرج عن الأنفس التي رقدت في العهد القديم على رجاء، ثم صعدت إلى الفردوس لتفتحه لهم. فتح المسيح بروحه المتحدة بلاهوته الأبواب الدهرية (التى ما كان يمكن لأحد أن يفتحها - أبواب الجحيم وأبواب الفردوس). وكان هذا بسلطان لاهوته المتحد بروحه. فتح المسيح الفردوس وصار مفتوحا الآن لكل من هو في المسيح.
![]() |
آيات 19-21:- الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
هنا نرى عقيدتين هامتين:/
1. لزوم المعمودية للخلاص:- فالفلك رمز للمعمودية التي تخلصنا روحيا كما خَلُص نوح وبنيه وهم داخل الفلك.
2. النزول إلى الجحيم:- واضح أن الأرواح جميعا سواء البارة أو الشريرة كانت تهبط كلها إلى الجحيم قبل صلب المسيح. ولما صلب المسيح ومات انفصلت نفسه الإنسانية عن جسده، لكن لاهوته لم ينفصل قط لا عن جسده ولا عن نفسه. ولما حاول الشيطان أن يتعامل مع هذه النفس الإنسانية كغيرها من الأنفس ويهبط بها إلى الجحيم ليقبض عليها اكتشف أن هذه النفس متحدة باللاهوت، فكان أن المسيح هو الذي قيد الشيطان بسلسلة (رؤ 3:20) ونزل الرب إلى الجحيم وأطلق سباياه ودخل بهم للفردوس كما وعد اللص اليمين. وهذا ما علَّم به الرسول بولس أن المسيح نزل إلى أقسام الأرض السفلى (أف 9:4). وتعبير أقسام الأرض السفلى تعبير عبري يستخدمه اليهود للتعبير عن مساكن الموتى.
الَّذِي فِيهِ = عائدة على الآية السابقة وقوله فِيهِ يقصد به في الروح.
إنتهت الآية السابقة بقوله مُحْيىً فِي الرُّوحِ فأين ذهبت الروح بعد موت المسيح؟
المسيح بروحه المتحدة بلاهوته ذهب للسجن ليحرر النفوس المحبوسة فيه.
كَرَزَ لِلأَرْوَاحِ = كرز أي بشر بشارة مفرحة. ولاحظ أن قوله كرز فيها دليل على فرحة الرب بهذه البشارة أي بخروج أحباءه من السجن.
للأرواح
= 1*أرواح نوح وبنيه إذ هي أيضًا كانت في الجحيم = السِّجْنِ . 2*وكرز المسيح أيضًا للأنفس التي وجدت أيام نوح (عن طريق نوح بكلامه وإنذاره لهم بل وببنائه للفلك) ، وكانوا لا يصدقونه إذ كان ينذرهم بالطوفان = إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ = ولكنهم لما رأوا إنهمار المياه تاب بعضهم وطلبوا الرحمة. وهذا الكلام يقصد به الرسول أن الله قَبِل هؤلاء الذين تابوا في آخر لحظة، إذًا نرى أن باب التوبة ما زال مفتوحا أمام كلٌ منا، الله يقبل أصحاب الساعة الحادية عشر. 3*وكرز المسيح أي بشَّر كل أنفس الصديقين الذين ماتوا على رجاء وكانت حياتهم مرضية أمام الرب منذ آدم حتى مجىء المسيح، أي كل أبرار العهد القديم والذين كانوا في الجحيم حتى أخرجهم المسيح ، وهذه كانت كرازة المسيح لهم أن الفردوس قد فُتِح لهم .ولكن لماذا ركز الرسول على الأنفس التي
عَصَتْ أَيَّامِ نُوحٍ ولم يذكر أن المسيح قد بشر الآخرين ؟ = لقد بشر المسيح كل من في الجحيم بأن فترة سجنهم قد إنتهت وأخذهم ومعهم اللص اليمين (اللص اليمين لم يدخل الجحيم أصلا فهو مات بعد أن فتح المسيح الفردوس) ودخل بهم إلى الفردوس. لكنه هنا يعقد مقارنة في فكره بين العالم أيام نوح والعالم أيامه:1. فكلاهما مليء بالشرور.
2. كلاهما لا يصدق البشارة.
3. كلاهما لا يصدق أن العالم له نهاية وبعده دينونة ، وهذا ما نبه له الرسول نفسه "عالمين هذا اولا انه سيأتي في اخر الأيام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات انفسهم. وقائلين اين هو موعد مجيئه لأنه من حين رقد الاباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة" (2بط3: 3-4).
4. كما سخر العالم أيام نوح هكذا يسخر العالم الآن من الإيمان بالمسيح، مع أن الإيمان بالمسيح هو الذي سينقذهم كما أنقذ الفلك نوح
وبنيه. فالمشابهة هنا هي في الآلام التي تقع على المؤمنين من جهة اليهود وسخريتهم منهم، وهذا امتداد لموضوع آلام المؤمنين التي يتكلم عنها.5. كما تجددت الخليقة أيام نوح هكذا يكون لنا ولادة ثانية الآن بالمعمودية. فآلام المسيح لم تعطل عمله بل هي أكملته وأخرج الأرواح من الجحيم، ونحن نشَبِّه نوح في فلكه بمعموديتنا، وبها ننتقل إلى حالة السعادة الأولى، فبها متنا مع المسيح وقمنا معه لنشترك في
حياته. وبآلامنا في هذا العالم نكمل. نحيا صالبين الأهواء مع الشهوات، بل نعيش داخل الكنيسة ورمزها فلك نوح لننجو من الغضب الآتي. وعلينا أن لا نهتم بسخرية العالم حولنا فهذا لن يعطلنا عن خلاص نفوسنا. الرسول هنا في هذه الفقرة يقارن آلام المسيح وصلبه ولزوم صلبنا معه وموتنا معه في المعمودية وقبول الآلام والإضطهاد كنوع من قبول الصليب والموت مع المسيح. وكما إنتهت آلام المسيح بمجده هكذا ستنتهي آلامنا بالمجد والخلاص والحياة.6. إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ = لاحظ قول الرسول أن أناة الله كانت تنتظر = الله ترك نوح يبني الفلك في حوالي 100 سنة، وهذه كانت فترة تعليم وإنذار للعصاة الذين كانوا يسألونه عن الفلك الذي يبنيه. الله كان يمكن أن ينقل نوح وبنيه إلى مكان آخر بعيدا عن منطقة الطوفان، لكن الله لم يفعل وإنتظر 100 سنة على العقاب بالطوفان ليعطي فرصة لتوبة هؤلاء العصاة. كما يقول القديس بولس الرسول "أم تستهين بغنى لطفه وامهاله وطول اناته، غير عالم ان لطف الله انما يقتادك إلى التوبة؟ ولكنك من اجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة" (رو2: 4 ، 5). وكان الفلك الذي يدخلون فيه نوع آخر من الكرازة ألا وهو أن نوح وعائلته قرروا الدخول في هذا الصندوق الذي يشبه التابوت، مبتعدين عن مباهج الحياة. وكان عليهم أن يتساءلوا لماذا يفعل نوح وبنيه هذا؟ إلا لو كانوا متأكدين من موضوع الطوفان. وكان الله ينتظر توبة أي واحد، ليصدق ويدخل فيخلص. كان انتظار الله مثل انتظار أبو الابن الضال. ولكن لم يدخل سوى 8 أنفس. وهذا ما قاله الرب "ما اضيق الباب واكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه" (مت7: 14).
وهكذا قال إشعياء "ولذلك ينتظر الرب ليتراءف عليكم ولذلك يقوم ليرحمكم لان الرب اله حق. طوبى لجميع منتظريه" (إش30: 18). هذا هو حنان الرب ومحبته لأولاده. علينا أن نستمر في الكرازة لإخوتنا في العالم الآن بروح المسيح الذي فينا حتى لا يهلكوا كما كرز نوح للعالم كله، وعلينا أن نحيا كأموات أمام الخطية لكي يرانا الناس كما كان الناس أيام نوح يرونه يبني هذا الفلك ليدخله. فالله ينتظر رجوع أي إنسان الآن، ومهما زادت الخطية الآن في أيامنا هذه، فهو ينتظر توبة أي واحد.7.
كان نوح وهو يجهد نفسه في بناء الفلك ثم بعد أن دخل الفلك، في نظر الناس كميت حكم على نفسه بالموت داخل فلك إذ لم يصدقوا أن هناك طوفان. وكان نوح المؤمن يرى هلاك من رفض دخول الفلك، هكذا يرانا العالم ونحن نحرم أنفسنا من لذة العالم مجاهدين، يروننا وكأننا نحيا كأموات، ونراهم في خطيتهم كأموات. وهذا ما قاله القديس بولس الرسول "وأما من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم" (غل6: 14). كان نوح كمن صلب نفسه داخل الفلك، وبالنسبة لنوح كان العالم في حكم المحكوم عليهم بالموت.8.
إستمرار نوح في بناء الفلك لمدة 100 سنة كان إنذارًا حيًا بمجيء الطوفان. وما أشبه هذا بما يحدث الآن، فالرب يسوع أعطانا علامات لنهاية الأزمنة. وها نحن نرى هذه العلامات وندرك أن النهاية قد اقتربت. والرب ما زال يبشرنا بأنه ينتظر كلٌ منا فاتحا ذراعيه، قابلا توبة الجميع، حتى أصحاب الساعة الحادية عشر = كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ. هذه الآيات يقولها القديس بطرس وهي نافعة لكل زمن. هي محبة الله وإنتظاره لكل من يعود إليه، هي نفس فرحة الآب برجوع ابنه الضال بعد طول إنتظار.9. الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ = قوله فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ هو موَجَّه لليهود الذين جال المسيح بينهم كارزاً بالخلاص كما فعل نوح مع قومه. ومن عاند أيام نوح ولم يؤمن هلك بالطوفان. وهكذا كل من يستمر في العناد من اليهود ويقاوم الخلاص الذى أتى به المسيح سيهلك. هذا إنذار لليهود المعاندين. وقوله كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ يشير لإشتياق الله الذى ينتظر إيمان اليهود ليخلصوا كما كان أبو الإبن الضال ينتظر عودته.
10. إستمر بناء الفلك 100 سنة والله يطيل أناته. ولكن الهلاك أتى بعد فترة أطال الله فيها أناته على قوم نوح. وهكذا إنذار القديس بطرس الرسول هنا، أن الله يطيل أناته لفترة، ولكن سيأتى الهلاك على أمة اليهود عقاباً على صلبهم للمسيح. وهذا ما حدث بعد سنوات قليلة من رسالة الرسول، إذ أخرب تيطس الرومانى أمة اليهود سنة 70 م. وكان هجوم الرومان على أورشليم كطوفان كما تنبأ دانيال النبى "وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ ٱلْمَدِينَةَ وَٱلْقُدْسَ، وَٱنْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ" (دا26:9) وكلمة غمارة تعنى طوفان. وهذا الإنذار الموجَّه هنا لليهود هو موجَّه أيضاً لكل خاطئ رافض للتوبة. وكما كان بناء نوح للفلك علامة على إقتراب الطوفان، أعطى الرب يسوع علامات على قرب هذه الغمارة على يد تيطس *"فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ ٱلْخَرَابِ» ٱلَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ ٱلنَّبِيُّ قَائِمَةً فِي ٱلْمَكَانِ ٱلْمُقَدَّسِ - لِيَفْهَمِ ٱلْقَارِئُ" (مت15:24). وكانت هذه عن إنتشار الرجاسات في أورشليم، وهذا ما حدث بالفعل. *"وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ ٱعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ خَرَابُهَا" (لو20:21). وهذه العلامة حدثت بحصار جيوش تيطس لأورشليم.
الَّذِي فِيهِ
= هذه راجعة للآية السابقة (18) وفيها أن المسيح كان محيىً في الروح. والمعنى أن المسيح بهذا الروح الحي ذهب ليكرز، وكان الروح حي لإتحاد اللاهوت به. فمن هذا الانسان الذي له سلطان أن يفتح الجحيم ويخرج الابرار إلا من روحه متحدة مع لاهوته أي ابن الله المسيح.الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ
= وهذا ما قاله بولس الرسول "خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تى 5:3) والتشبيه هنا أن المعمد يغطس في المياه، والمياه تحيط به من كل جانب، والفلك كان الماء محيط به من كل جانب، وكما يخرج المعمد حيا، خرج نوح وبنيه أحياء.لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ
= فماء المعمودية ليس ماء عاديا يغتسل فيه المعمد جسديًّا. بل هو ولادة إنسان جديد بخليقة جديدة. المعمودية لها قوة أن تقدس الضمير فيتخلى عن الأعمال الميتة ويحيا في القداسة بتجديد الروح القدس. وهذا ما قاله القديس بولس الرسول "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ ٱلْإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" (عب22:10). القديس بطرس الرسول هنا بعد أن تكلم عن المعمودية يشرح فاعليتها ولأننا بالمعمودية نصير خليقة جديدة يقول الرسول يخلصنا نحن الآن، فالخلاص ليس تطهيراً خارجياً بل تطهير داخلى يصل لتنقية الضمير. ولنلاحظ أن المعمودية خلاص أو قل هى بداية الخلاص أو إمكانية الخلاص، ولكن المعمودية لا تمنع حرية الإنسان من الإرتداد، ولكن إن حافظ الإنسان على موته وصلبه مع المسيح، أى صلب شهواته، سيحتفظ بخليقته الجديدة التى حصل عليها بالمعمودية ويخلص. المعمودية هى موت وقيامة مع المسيح، فالدفن فى الماء به يكون الماء كقبر لنا والخروج من الماء هو قيامة. وعمل الروح فى سر المعمودية هو أنه يجعلنا نموت مع المسيح المصلوب ، ومن يموت فقد تم فيه تنفيذ حكم الناموس بموت الخاطئ ، وتسقط قضية خطيته = تغفر . ويجعلنا نحيا مع المسيح القائم من الاموات ابن الله الحى، متحدين به فنصير ابناء لله . ولهذا إعتمد المسيح من يوحنا المعمدان ليؤسس سر المعمودية وذلك بنزوله للماء وخروجه منه ، وبهذا فكل من ينزل للماء فى المعمودية ويخرج ، يكون هذا موتا وقيامة مع المسيح. ولذلك حل الروح القدس يومها على جسد المسيح (الذى هو كنيسته) . ويفيض الروح القدس فى الكنيسة أى فينا جميعا قوة الإحياء ، وهذا ما يعنيه أننا نولد من الماء والروح.
تأمل
من ألحان القداس الباسيلي:
"بموتك يا رب نبشر، بقيامتك المقدسة وصعودك إلى السماوات نعترف".
هل المنطق أن نبشر الناس بالمسيح المائت أم بالمسيح القائم والذى صعد للسماء وتمجد؟
البشارة ليست بالفم، بل بأن نحيا كأموات عن ملذات العالم مع المسيح "مدفونين معه" (كو12:2). ولماذا نفعل هذا لأننا نعترف ونؤمن بأنه قام من الأموات وصعد إلى السماوات ليُعِّد لنا مكانا في مجده. فنحن نبيع الفانى (ملذات العالم الخاطئة) إيماناً بأن لنا مكاناً في المجد الأبدى. وكان هذا هو إيمان نوح أنه يدخل الفلك، المكان الذى يشبه تابوت الموتى. فهو كان له إيمان بهلاك من هو خارج الفلك. وآمن نوح بأنه سيخرج للحياة ثانية بحسب وعد الله.
آية 22:- الَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ اللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى السَّمَاءِ، وَمَلاَئِكَةٌ وَسَلاَطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ.
المسيح بعد موته تمجد عن يمين الآب وهذا فيه إعلان عن نصرة البشرية في شخصه.

← تفاسير أصحاحات بطرس الأولى: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير بطرس الأولى 4![]() |
قسم
تفاسير العهد الجديد القمص أنطونيوس فكري |
تفسير بطرس الأولى 2![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/kvj928p