| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20

الآيات (1-6): "وَيْلٌ لِي! لأَنِّي صِرْتُ كَجَنَى الصَّيْفِ، كَخُصَاصَةِ الْقِطَافِ، لاَ عُنْقُودَ لِلأَكْلِ وَلاَ بَاكُورَةَ تِينَةٍ اشْتَهَتْهَا نَفْسِي. قَدْ بَادَ التَّقِيُّ مِنَ الأَرْضِ، وَلَيْسَ مُسْتَقِيمٌ بَيْنَ النَّاسِ. جَمِيعُهُمْ يَكْمُنُونَ لِلدِّمَاءِ، يَصْطَادُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِشَبَكَةٍ. اَلْيَدَانِ إِلَى الشَّرِّ مُجْتَهِدَتَانِ. الرَّئِيسُ طَالِبٌ وَالْقَاضِي بِالْهَدِيَّةِ، وَالْكَبِيرُ مُتَكَلِّمٌ بِهَوَى نَفْسِهِ فَيُعَكِّشُونَهَا. أَحْسَنُهُمْ مِثْلُ الْعَوْسَجِ، وَأَعْدَلُهُمْ مِنْ سِيَاجِ الشَّوْكِ. يَوْمَ مُرَاقِبِيكَ عِقَابُكَ قَدْ جَاءَ. الآنَ يَكُونُ ارْتِبَاكُهُمْ. لاَ تَأْتَمِنُوا صَاحِبًا. لاَ تَثِقُوا بِصَدِيق. احْفَظْ أَبْوَابَ فَمِكَ عَنِ الْمُضْطَجِعَةِ فِي حِضْنِكَ. لأَنَّ الابْنَ مُسْتَهِينٌ بِالأَبِ، وَالْبِنْتَ قَائِمَةٌ عَلَى أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ عَلَى حَمَاتِهَا، وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ."
نجد هنا وصف لأزمنة شريرة تنطبق على يهوذا وإسرائيل في ذلك الزمان. لكن هذا وصفًا بالأكثر للعالم كله قبل مجيء المسيح وفيه إعلان بفساد البشر مما يتطلب عمل المسيح نفسه وقد عبر بولس الرسول عن هذه الحالة في (رو9:3-19). وفي (1) النبي يعبر عن حاله وحال كل مؤمن تقي بقوله ويل لي = لأنه عاش في هذا الزمان الشرير الذي شابه كرمة بعد جني الصيف، فلا تجد فيها إلا فضلات الحصاد = كَخُصَاصَةِ الْقِطَافِ، فَـ:لاَ عُنْقُودَ لِلأَكْلِ وَلاَ بَاكُورَةَ تِينَةٍ، أي أصبحوا شعبًا عقيمًا أخلاقيًا وبلا ثمر فهذا الشعب لا يستحق سوى اللعنة وقطعه وإلقاؤه في النار. وَخُصَاصَةِ الْقِطَافِ المقصود بها الفضلات، (وهذا عنب رديء لأن العنب الجيد تجده في الفروع الكبيرة) أو تعني ما نسيه الشخص على الفروع، وهذا قطعًا قليل جدًا. والمعنى أن المؤمنين الأتقياء صاروا عملة نادرة، قليلين جدًا. وفي (2) يَصْطَادُونَ بَعْضُهُمْ.. بِشَبَكَةٍ = فلكي يحصلوا على الثروة فهم لا يبالوا بأن يظلموا أي إنسان. وفي (3) الرئيس طالب = أي طالب رشوة ليحكم للبريء بالحق والقاضي بالهدية = لن يحكم بالحق سوى بهذا. والكبير = أي صاحب السلطان والنفوذ متكلم بهوى نفسه= أي لا يخجل من التصريح برغبته الشريرة بالاشتراك مع الرئيس والقاضي (اللذين يعضدانه) في الرشوة والهدايا. وهكذا يُعَكِّشُونَهَا = أي يعكشون الشبكة. في آية (2) التي نصبوها للبريء. ويعكشونها أي يزيدون الشبكة تعقيدًا ويشبكونها، وهكذا يصنع العنكبوت فهو يعكش بيته ليصطاد الذباب، وهكذا هؤلاء الأكابر يستعملون الغش والحيل ليسلبوا الناس. وفي (4) أحسنهم مثل العوسج = التعامل معه خطر جدًا فهو حاد ويمزق ويجرح. يوم مراقبيك = المراقبين هم الأنبياء الذين طالما تنبأوا بيوم الخراب نتيجة الشر وها هو قَدْ جَاءَ. وفي (5، 6) صورة بشعة للخيانة التي تفشت في كل إنسان فلقد تقطعت أوثق صلات القربى والصداقة، وبهذا تفكك المجتمع، فأعضاؤه بلا أمانة متبادلة التي تنبني الحياة الاجتماعية عليها.
الآيات (7-13): "وَلكِنَّنِي أُرَاقِبُ الرَّبَّ، أَصْبِرُ لإِلهِ خَلاَصِي. يَسْمَعُنِي إِلهِي. لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي. أَحْتَمِلُ غَضَبَ الرَّبِّ لأَنِّي أَخْطَأْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُقِيمَ دَعْوَايَ وَيُجْرِيَ حَقِّي. سَيُخْرِجُنِي إِلَى النُّورِ، سَأَنْظُرُ بِرَّهُ. وَتَرَى عَدُوَّتِي فَيُغَطِّيهَا الْخِزْيُ، الْقَائِلَةُ لِي: «أَيْنَ هُوَ الرَّبُّ إِلهُكِ؟» عَيْنَايَ سَتَنْظُرَانِ إِلَيْهَا. اَلآنَ تَصِيرُ لِلدَّوْسِ كَطِينِ الأَزِقَّةِ. يَوْمَ بِنَاءِ حِيطَانِكِ، ذلِكَ الْيَوْمَ يَبْعُدُ الْمِيعَادُ. هُوَ يَوْمٌ يَأْتُونَ إِلَيْكِ مِنْ أَشُّورَ وَمُدُنِ مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ. وَمِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ. وَمِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ. وَلكِنْ تَصِيرُ الأَرْضُ خَرِبَةً بِسَبَبِ سُكَّانِهَا، مِنْ أَجْلِ ثَمَرِ أَفْعَالِهِمْ."
هذه الآيات تتكلم عن الحرية من الشيطان الذى إستعبد البشر سنين طويلة حتى جاء المسيح وحررنا "إِذْ أُخْضِعَتِ ٱلْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ ٱلَّذِي أَخْضَعَهَا - عَلَى ٱلرَّجَاءِ" (رو20:8). وتفسر هذه الآيات على مستويين: -
1) على الأفراد، إذ حررنا المسيح من يد إبليس "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو36:8).
2) على تكوين الكنيسة التي ستمتد من المشرق إلى المغرب، وليس كما كان شعب الله إسرائيل ممتد من البحر المتوسط إلى البحر الميت، ومن حدود سوريا إلى حدود مصر. بل ستمتد للعالم كله (الآية11).
وهذا سيتم بمجئ المسيح "نور العالم" (يو12:8). وكما يقول القديس يوحنا "كَانَ ٱلنُّورُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى ٱلْعَالَمِ" (يو9:1). وكان هذا رجاء النبى الذى وجده في قلبه وهو في علاقته بالله في صلاته إذ قال = إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي. صار له هذا الرجاء أن النور (الخلاص عن طريق المسيا المنتظر) آتٍ. هذا الخلاص أو النور سيظهر وسط الظلمة التي صورها في الآيات (1-6). وهذا الرجاء تولد داخل قلب النبى لأنه = وَلكِنَّنِي أُرَاقِبُ الرَّبَّ = كانت عينيه متجهة لله. ولم يتذمر بسبب الشر الموجود. بل كان صابراً = أَصْبِرُ لإِلهِ خَلاَصِي. ولذلك يَسْمَعُنِي إِلهِي. سمعه الله ووضع في قلبه هذا الرجاء.
بعد هذه الصورة البشعة السابقة نجد هنا النبي ينظر إلى بعيد كمراقب، ويرى من بعيد نجدة قادمة فيبدأ يفرح بهذا الرجاء، فقد صار هناك أمل في الخلاص. هو اشتكى بأنه لم يجد عزاء عند أقرب الناس إليه فرفع عينيه إلى الله فوجده يسمعه = يسمعني إلهي. ولذلك طالما هو يسمع إذاً هو سيستجيب قطعًا. لذلك أصبر لإله خلاصي. ثم بثقة يوجه كلامه للأعداء الشامتين بأن الرب نوره حتى لو كان ما زال في الظلمة. فبعد كل ليل لا بُد أن تشرق الشمس. هذا ما يعطي رجاءً لكل متألم. وهذا الرجاء به نحتمل التأديب = أحتمل غضب الرب ولكن هذا لن يحدث إن لم نشعر أننا خطاة = لأَنِّي أَخْطَأْتُ إِلَيْهِ وبعد التوبة والاعتراف يُقِيمَ دَعْوَايَ وَيُجْرِيَ حَقِّي. ويخرجني للنور (سَيُخْرِجُنِي إِلَى النُّورِ) = "إن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا" فهو سيخرجني من ليل الضيق والألم وَسَأَنْظُرُ بِرَّهُ = سأنظر عدالة كل تصرفاته معي، وبعد أن يظهر عمل الله معي تخزى عَدُوَّتِي (عَدُوَّتِي.. يُغَطِّيهَا الْخِزْيُ) = الشيطان. الذي أعطانا الله سلطانًا أن ندوسه = تصير للدوس. هذا لسان حال النبي في العهد القديم وهو ينتظر المسيح، وهو لسان حال كل خاطئ الآن حينما يقدم توبة. وفي (11) يوم بناء حيطانك = يوم تأسيس الكنيسة يبعد الميعاد = الميعاد هو الحدود التي عينها الله لشعبه في أرض فلسطين. ولكن الكنيسة ستملأ العالم كله ولن يكون لها حدود (أش1:54-3) وفي (12) نبوة بأن كل الشعوب ستدخل الإيمان. وقد تعني هذه الآية جزئيًا عودة الشعب من السبي. وفي (13) ولكن تصير الأرض خربة = لا بُد أن تؤدَّب أورشليم على خطاياها وتخرب قبل أن يعودوا من السبي، وذلك بسبب خطاياهم = ثمر أفعالهم = أو أن الأرض التي لا تؤمن تصير خربة.
12 هُوَ يَوْمٌ يَأْتُونَ إِلَيْكِ مِنْ أَشُّورَ وَمُدُنِ مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ. وَمِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ. وَمِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ = الأماكن المشار إليها هنا هي الأماكن التي كانوا مسبيين أو مستعبدين فيها: أَشُّورَ وَمُدُنِ مِصْرَ قبل أن يُخرجهم موسى. وَمِنْ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ = النهر المقصود به الفرات، فهم كانوا عبيداً في مصر وسبايا في بابل عند الفرات. وعند سبى بابل هرب كثيرين إلى مُدُنِ مِصْرَ. وهنا الله يعدهم بالرجوع. وأيام موسى حاول فرعون منعهم، وبابل منعتهم من الرجوع. لكن وعد الله هنا يشير بأنه لن تمنعهم قوة من أن يرجعوا إلى أرض الميعاد، أرضهم. وكل هذا كان رمز لليوم الذى يحررنا الله من العبودية للشيطان المتجبر المتكبر الذى إستعبد البشر ولا يريد لهم الحرية. ولكن حررنا المسيح من يده. ويشار للشيطان هنا بـ الْجَبَلِ فعلو الجبل يشير لكبرياء الشيطان. وضخامة الجبل وثباته يشيران لعناده. وأسلحة الشيطان يشار لها بـ الْبَحْرِ أي شهوات العالم التي يشار لها بالماء المالح الذى يشرب منه يعطش (يو13:4). ومهما بلغ عناد الشيطان أو قوة أسلحته فالمسيح ربطه وخطف أولاده منه "وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ بِأَصْبِعِ ٱللهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللهِ . حِينَمَا يَحْفَظُ ٱلْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحًا، تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ . وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَغْلِبُهُ، وَيَنْزِعُ سِلَاحَهُ ٱلْكَامِلَ ٱلَّذِي ٱتَّكَلَ عَلَيْهِ، وَيُوَزِّعُ غَنَائِمَهُ" (لو11: 20-22). وأيضاً "أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ (مت29:12). فالرب يسوع بصليبه ربط الشيطان ونزع سلاحه وحرر عبيده من يده "إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحراراً" (يو36:8). المسيح حررنا من يد الشيطان وصار هو لنا الراعى الصالح (الآيات القادمة).
الآيات (14-20): "اِرْعَ بِعَصَاكَ شَعْبَكَ غَنَمَ مِيرَاثِكَ، سَاكِنَةً وَحْدَهَا فِي وَعْرٍ فِي وَسَطِ الْكَرْمَلِ. لِتَرْعَ فِي بَاشَانَ وَجِلْعَادَ كَأَيَّامِ الْقِدَمِ. « كَأَيَّامِ خُرُوجِكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ أُرِيهِ عَجَائِبَ». يَنْظُرُ الأُمَمُ وَيَخْجَلُونَ مِنْ كُلِّ بَطْشِهِمْ. يَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَصُمُّ آذَانُهُمْ. يَلْحَسُونَ التُّرَابَ كَالْحَيَّةِ، كَزَوَاحِفِ الأَرْضِ. يَخْرُجُونَ بِالرِّعْدَةِ مِنْ حُصُونِهِمْ، يَأْتُونَ بِالرُّعْبِ إِلَى الرَّبِّ إِلهِنَا وَيَخَافُونَ مِنْكَ. مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ. تَصْنَعُ الأَمَانَةَ لِيَعْقُوبَ وَالرَّأْفَةَ لإِبْرَاهِيمَ، اللَّتَيْنِ حَلَفْتَ لآبَائِنَا مُنْذُ أَيَّامِ الْقِدَمِ."
![]() |
وفي (14) النبي يصلي لله راعي شعبه ليرعاهم. هم غَنَمَ مِيرَاثِكَ = هم القطيع الصغير في هذا العالم وهو الراعي الصالح (لو32:12) + (يو10). وهو ساكن وحده وسط وعر (سَاكِنَةً وَحْدَهَا فِي وَعْرٍ) = أي وسط مخاطر الغابات والوحوش فإبليس كأسد زائر. ولكن الكنيسة وسط الكرمل = أعلى القمم الجبلية بمعنى أنها في السماويات. والله يرعَى بعصاه (بِعَصَاكَ)، وعكازه. يضرب ويشفي، يضرب ويعين، يجرح ويعصب. وباشان وجلعاد = مراعٍ خضر فيها يسكننا الله عوض الوعر. وفي (15) الله يرى شعبه عجائب أكثر مما يظنوا أو يفتكروا كما أظهر لهم قدرته عند خروجهم من أرض مصر. وأيضًا هذا إنطبق جزئيًا على رجوعهم من سبي بابل. وفي (16، 17) سيرى كل الشعوب عمل الله في خروج شعبه من بابل ويخجلون من سابق تصورهم أن شعب الله قد إنتهوا كشعب، وسيرون كيف عظم الرب عمله مع شعبه. وأيضًا فهذه تنطبق على الكنيسة بالأولى وخلاص المسيح الذي جعل الشياطين كالحيات (كَالْحَيَّةِ) تحت أقدام شعبه تلحس التراب (يَلْحَسُونَ التُّرَابَ).
يَخْرُجُونَ بِالرِّعْدَةِ مِنْ حُصُونِهِمْ = الشياطين أصبحوا بلا حصون ولا حماية، فعلامة الصليب من أي طفل تحرقهم. وتصم آذانهم = كأنهم لا يريدون أن يسمعوا شيئًا عن هذا الخلاص. وَأَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ = كأنهم خجلوا مما قالوه وفعلوه بشعب الله.
وفي الآيات (18-20): أنشودة شكر من الكنيسة للمسيح على خلاصه العجيب فهو طرح خطايانا في البحر (تُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ) وغفرها بدمه الذي يطهرنا من كل خطية، ولأنه لم يحفظ للأبد غضبه (لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ).
من هو إله مثلك = ليس حب أعظم من هذا أن يبذل إله نفسه عن شعبه. فهو تجسد ومات وقام ليغفر خطايانا، ويطرح الخطية لأعماق البحر، وكان رمزها قديمًا طرح فرعون وجنوده في البحر. وعهد الله بهذه البركات قديم جدًا، فقد أعطاه الله لآدم وحواء ثم لإبراهيم وإسحق ويعقوب.
← انظر أيضًا قسم تفاسير كتابية أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ماذا يعني البحر في هذه الآية:
كان البحر (1مل7: 23) في هيكل سليمان عوضًا عن المرحضة في خيمة الاجتماع (خر30: 17 - 21). وكان البحر يوضع ما بين مذبح المحرقة والمسكن (القدس وقدس الأقداس). وكان الكاهن الجديد يغتسل في البحر إغتسالًا كاملًا عند بداية خدمته (رمزا للمعمودية) حتى يحق له الدخول إلى القدس (رمز الكنيسة جسد المسيح). وفي كل مرة يدخل فيها الكاهن إلى القدس، طوال مدة خدمته الكهنوتية كان يغسل يديه وقدميه فقط في مياه البحر النحاسي (وهذا رمزًا للتوبة التي هي معمودية ثانية).
ونلاحظ أن هذه الآية هي نبوة عن المعمودية والتي بها تغفر الخطايا، لأننا في المعمودية نموت مع المسيح فتغفر كل خطايانا. ونقوم معه بخليقة جديدة متحدين به كأعضاء جسده الذي هو الكنيسة. ولذلك إستخدم الوحي كلمة
البحر.فـ:الْبَحْرِ
إذًا يرمز للمعمودية والتوبة اللتين بهما ننال استحقاق دم الصليب الذي به تغفر خطايانا.
*كانت العجائب أيام موسى هي شق البحر بعصاه ليعبروا ويتحرروا.
*أما العجائب التي أتى بها المسيح فكانت الصليب الذى أعطى القوة للمعمودية التي بها نولد بها كأولاد الله مغفورى الخطايا. كانت عصا موسى التي بها شق البحر فإعتمد الشعب في البحر الأحمر (1كو 10: 1-2) رمزاً لخشبة الصليب التي كان بها العجائب = تأسيس المعمودية وبها غفران الخطايا والبنوة لله والحياة الأبدية. هزيمة الشيطان والحرية منه. هزيمة الموت والخطية. لذلك رَنَّم النبى قائلا عن عمل المسيح العجيب مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ.
مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ = قد يكون هناك إنسان متسع القلب يغفر لمن أخطأ في حقه. ولكن بالنسبة لله فالوضع مختلف: الله قدوس ولا يحتمل الخطية. والخطية تساوى الموت، فالخطية إنفصال عن الله، والموت أيضاً هو إنفصال عن الله. وقَبِلَ الله أن يموت إبنه، ونموت في إبنه في المعمودية، فتموت خطايانا حينما نموت في المسيح في المعمودية، وهكذا في سِرَّىْ التوبة والإفخارستيا تموت خطايانا حينما نتحد بفعل الموت مع المسيح في موته حينما نتناول من جسد المسيح ودمه، فتموت خطايانا وتغفر. لذلك نقول في القداس أن الإفخارستيا "تُعطَى لغفران الخطية وحياة أبدية لِمَنْ يتناوَل منه". غفران الخطية كلَّف المسيح دمه على الصليب. لذلك قال السيد المسيح للمحتجين على قوله للمفلوج "أَيُّهَا ٱلْإِنْسَانُ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (لو20:5). "أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَٱمْشِ" (لو23:5). هكذا فكَّرَ المحتجين من الكتبة والفريسيين "فَٱبْتَدَأَ ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ: مَنْ هَذَا ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلَّا ٱللهُ وَحْدَهُ" (لو21:5). وراجع التفسير في مكانه. ولكن لنقف أمام نقطة مهمة، أيما أيسر فعلاً؟ فشفاء المرض قد يكون فى يد الأطباء. ولكن غفران الخطية التي تسببت في المرض ثمنه غالٍ جداً إذ سيكلف المسيح دمه على الصليب. غفران الخطية ليس بالقول (قول المسيح للمفلوج إنه غفر)، ولكن بالموت لأن الخطية تساوى موت.
لذلك يقول النبى هنا مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ = فطريقة غفران الخطايا عجيبة، وهى تجسد إبن الله الذى له كل المجد، وموته بهذه الميتة المهينة والمؤلمة.

← تفاسير أصحاحات ميخا: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
دراسة في كتاب ميخا![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم القمص أنطونيوس فكري |
تفسير ميخا 6![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/hbdt88q