| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13

من إصحاح (4) إلى إصحاح (7) نبوات مسيانية مجيدة.
والنبي ينطلق من النبوات الخاصة بتأديب إسرائيل ويهوذا إلى عمل الله الخلاصي ومجيء المسيح.
الآيات (1-7): "وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ شُعُوبٌ. وَتَسِيرُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: «هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، وَإِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ، وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. فَيَقْضِي بَيْنَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ. يُنْصِفُ لأُمَمٍ قَوِيَّةٍ بَعِيدَةٍ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ. بَلْ يَجْلِسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ، وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ، لأَنَّ فَمَ رَبِّ الْجُنُودِ تَكَلَّمَ. لأَنَّ جَمِيعَ الشُّعُوبِ يَسْلُكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاسْمِ إِلهِهِ، وَنَحْنُ نَسْلُكُ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِنَا إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ. «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَجْمَعُ الظَّالِعَةَ، وَأَضُمُّ الْمَطْرُودَةَ، وَالَّتِي أَضْرَرْتُ بِهَا وَأَجْعَلُ الظَّالِعَةَ بَقِيَّةً، وَالْمُقْصَاةَ أُمَّةً قَوِيَّةً، وَيَمْلِكُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ."
![]() |
انتهي الإصحاح السابق بخراب الهيكل وتحوله إلى شوامخ وعر. هذا إعلان عن نهاية الكهنوت اليهودي. ونأتي هنا لتأسيس الكنيسة المجيدة وسر مجدها أن مسيحها في وسطها. وآية (1) هي نفسها (أش2:2). وهكذا (مي2:4، 3 مع أش3:2، 4) فالروح واحد. وكأن الله يريد أن تقوم كلمته على فم شاهدين. وهي مواعيد ثمينة تشير لكنيسة العهد الجديد. وفي (1) المسيح هو جبل، الجبل الذي رآه دانيال يملأ الأرض كلها. وهو صخرتنا (1كو4:10). والجبل والصخرة رمز للثبات، والجبل رمز للتسامي والعلو أي السماويات. ونلاحظ أن المسيح هزم الشيطان على جبل التجربة. وقدم تعاليمه على جبل. وتجلى على جبل تابور وصلب على جبل الجلجثة. وكما يشبه المسيح بجبل هكذا كنيسته لأنها ثابتة للأبد وسماوية ترتفع عن الأرضيات. سر ثباتها هو الرب نفسه الذي يقدسها ويرفعها فيه إلى سمواته ويكون في آخر الأيام =أي أيام المسيح الذي سيقيم كنيسته عليه هو شخصيًا. جبل بيت الرب = هو المسيح بجسده. يكون ثابتًا في راس الجبال = فهو رأس الكنيسة والمؤمنين فيها تشبهوا بمسيحهم فصاروا جبالًا. وهو رأس هذه الجبال. ويرتفع فوق التلال = مهما ارتفع أي شيء آخر لن يزيد عن كونه تلًا بالمقارنة بالجبال، هذا هو سمو المسيحية. وتجري إليه شعوب = أمام هذا السمو جرى الجميع مؤمنين بالمسيح. وفي (2) هلم نصعد جبل الرب = القانون الطبيعي أن الماء ينزل من الأعالي ومن رؤوس الجبال للوديان. ولكن عمل نعمة الروح القدس تأخذ المؤمنين وتصعد بهم للسماويات. هنا المؤمنين يزدادون عددًا، ومن كل الشعوب، والكل يحاول الصعود للسماويات. بيت إله يعقوب = يعقوب هو الكنيسة التي شابهت يعقوب في إيمانه. فيعلمنا من طرقه = هذا دور الروح القدس الذي يعلمنا كل شيء (يو26:14). لأنه من صهيون تخرج الشريعة = فمن صهيون كان يجب أن يخرج الإنجيل لكي تتضح العلاقة بين العهد الجديد والعهد القديم، وأنه لا تعارض بينهما. وفي أورشليم عاش المسيح وصلب وقام وصعد للسماوات وتلاميذه بدأوا خدمتهم أولًا من أورشليم. إذًا المسيح = كلمة الرب خرج من أورشليم ومنها بدأت الكرازة بكلمة الرب. والآن هؤلاء المؤمنين بكلمة الرب لهم وعد = نسلك في سبله = هم في محبتهم لسيدهم المسيح قطعوا على أنفسهم هذا الوعد. وصهيون هنا التي تخرج منها الشريعة هي الكنيسة التي تعلم وتلد وتجذب المؤمنين. وفي آية (3) فيقضي = هنا تظهر صفة جديدة للمسيح فهو الديان (يو22:5) فالآب أعطاه كل الدينونة. ودينونته هي بالحق فهو ينصف لأمم قوية بعيدة = لكن هذه الأمم وصفت بأنها قوية.. فكيف يظلمها أحد لينصفها المسيح؟ هي قوية كالدولة الرومانية ولكن غير مؤمنة لذلك كانت بعيدة عن المسيح فظلمها الشيطان، وجاء المسيح ليخلصها من يده وينصفها. ثم يأتي وصف للسلام الذي يتمتع به المؤمنون. فهم يطبعون سيوفهم سككًا = السكة هي حديدة تحرث بها الأرض. فهم عوض الحرب يحرثون أرضهم ويعيشون في سلام. وفي عمل بناء. وإذا فهمنا أن الأرض تشير للإنسان، فهو مأخوذ من تراب الأرض. فعوضًا عن أن يهتم الإنسان بالحرب مع الآخرين سيهتم بحرث نفسه ليخرج ويعترف بكل خطاياه (أي يجلس ليفحص نفسه مقدمًا توبة عن كل خطية يكتشفها ثم يذهب ليعترف بها) وبهذا ينقي أرضه فتصير صالحة لكي تثمر فيها كلمة الله فيصبح بهذا سماويًا ورماحهم مناجل = المنجل يستعمل للحصاد. فهم سيحصدون ما زرعوه. ويعيشون في سلام بلا حرب ولا سيف. وفي (4) يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته = يجلسون في أمان وسلام وفرح فالكرمة تشير للفرح. والتينة تشير للمحبة الأخوية التي تجمع كل المؤمنين في جسد الكنيسة الواحد، مثل بذور التينة الكثيرة داخل نفس الغلاف. وهذه المحبة وهذا الفرح من ثمار الروح القدس الذي يتمتع به كل مؤمن بالرغم من ضيقات هذا العالم. لأَنَّ فَمَ رَبِّ الْجُنُودِ قد تَكَلَّمَ = ولا يمكن أن تسقط كلمة واحدة من كلام الله، ووعود الله ومحبته. وإرادته الخَيِّرَة نحونا ظهرت في كلمته المتجسد. وفي (5) نجد الشعوب أي الأمم التي لم تؤمن بالمسيح = كل واحد باسم إلهه = هم يعترفون بآلهة لا تخلص، وَنَحْنُ نَسْلُكُ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِنَا = أما نحن فنسلك باسم الرب إلهنا الذي يخلصنا إلى الأبد. بل هذه تنطبق على بعض المؤمنين الذين يسلك كل واحد منهم وراء إلهه الخاص متعبدًا له، ويظن أنه يشبعه (كالمال والجنس والقوة...) وفي (6، 7) الكنيسة التي جمعها الله من اليهود والأمم في وحدة ويملك عليهم المسيح. الظالعة = أي العرجاء وهذه تشير لليهود. والمطرودة تشير للأمم قبل إيمانهم. لكن اليهود يتحولون لبقية = وأجعل الظالعة بقية. لأن منهم من يؤمن في آخر الأيام. أما الأمم التي كانت مقصاة فتصبح أمة قوية بالمسيح الذي فيها. وَيَمْلِكُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ = جبل صهيون هي الكنيسة جسد المسيح.
← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
تعليق على (1-7): -
رأينا في الآيات (1-7) المسيح يؤسس كنيسته التي ستجمع الكل، اليهود والأمم. وهذه الكنيسة الواحدة الوحيدة يسمح لها الله ببعض الألام لتتأدب. وهذا ما سمح به الله حين أخضعنا للشيطان بعد سقوط آدم كما يقول القديس بولس الرسول "إِذْ أُخْضِعَتِ ٱلْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ ٱلَّذِي أَخْضَعَهَا - عَلَى ٱلرَّجَاءِ" (رو20:8). وكان هذا الرجاء هو فداء المسيح الذى تحررنا به من عبودية الشيطان. ولذلك قال لنا الرب يسوع بعد أن حررنا "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو36:8). وكان رمز هذا التدبير أن الله ترك اليهود في عبودية فرعون ليعزلهم عن الكنعانيين فيمنعهم من تقليد الكنعانيين في عباداتهم النجسة، وبذلك يحميهم كشعب مقدس له. ولكن هناك ملاحظة جميلة تفسر لنا الآيات القادمة. إذ سأل يعقوب الله قبل أن ينزل إلى مصر، هل ينزل إلى مصر؟ "فَقَالَ له الله: أَنَا ٱللهُ، إِلَهُ أَبِيكَ. لَا تَخَفْ مِنَ ٱلنُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لِأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا" (تك 46: 3-4). هنا نجد الله يسمح ببعض الألام في عبودية شعبه في مصر. ولكنه كان معهم دائما = ولاحظ قول الله أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ. فالله كان معهم في عبوديتهم وضيقتهم في مصر، يسندهم ويعزيهم إذا صرخوا. لكن لا بد من التأديب حتى يأتي موسى ويحررهم. وهذا نفس ما حدث مع البشر، إذ أسلمنا الله ليد عدو الخير بعد أن سقطنا، لكنه كان معنا دائما. ونلاحظ أن هذه هي سياسة الله دائماً مع شعبه: فحينما ينحرف شعبه ويعيش في الخطية، يُرسل لهم أمة قوية تذلهم وتؤدبهم. وعندما يتوبون يُرسل أمة أخرى قوية جداً تضرب الأمة التي أذلتهم وتحررهم منها. وهذا ما رأيناه مع أيوب، بل ومع بولس الرسول نفسه حينما ضربه عدو الخير بشوكة في جسده سمح الله بها حتى لا يرتفع بفرط الإستعلانات. لذلك نسمع هنا اَلآنَ لِمَاذَا تَصْرُخِينَ صُرَاخًا؟ أَلَيْسَ فِيكِ مَلِكٌ. هل تتألمين؟ ثقى أنا من سمحت لكِ بهذا الألم للتنقية لكنى معك أنا إلهكِ وملككِ. وذلك حتى يأتي المسيح المخلص ويحرركم.
وهذا الوعد يقصد به الله أن يعطينا رجاء وسط ضيقات هذا العالم. الله هو الذى سمح بهذه الضيقات لنتنقى. لكنه موجود في وسطنا دائماً. ولنفهم هذا فبدلا من الصراخ بسبب الألام التي نعانى منها، فلنصرخ له هو. فهو وسطنا ويسمعنا ويستجيب لنا بتعزياته. ألم يقل لنا: "وَٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي" (مز15:50) وأيضاً تَعَالَوْا إِلَيَّ يا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت28:11). وهذا كان كلام القديس بولس الرسول "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلَّا بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ ٱللهَ أَمِينٌ، ٱلَّذِي لَا يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ ٱلتَّجْرِبَةِ أَيْضًا ٱلْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (1كو13:10).
بَلْ يَجْلِسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ، وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ = هذه هي كنيسة المسيح ملك السلام: هي كنيسة مملوءة محبة (رو5:5 + غل22:5) = تَحْتَ تِينَتِهِ. وكنيسة مملوءة فرح (غل22:5) = تَحْتَ كَرْمَتِهِ. فالمحبة والفرح من ثمار الروح القدس. وكنيسة مملوءة سلام = وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ، فعريسها قوى. من يكتشف عريسنا القوى واهب المحبة والفرح يحتقر هذا العالم بما فيه، وهذا معنى قول الرب يسوع "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلَامِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلَامِيذِي، وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ، وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو 8: 31-32). والمعنى من تذوق حلاوة المسيح، الحق، اللؤلؤة كثيرة الثمن، من تذوق طعم المحبة والفرح عطايا المسيح الحق، سيدرك غش العالم وأن ما يعطيه العالم هو باطل. وهنا سيبيع أي يحتقر كل ما كان يعتبره لآلئ وجواهر (كما حدث مع زكا العشار. إذ بعد أن دخل المسيح بيته صار مستعداً أن يستغنى عن كل ما عنده.
في (الآية 6) نرى تكوين الكنيسة من اليهود والأمم. أما (الآية 7) فتتكلم عن نهاية الأزمنة حين يؤمن اليهود بالمسيح. وإيمان اليهود بالمسيح سيكون علامة على المجئ الثانى للسيد المسيح "لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ ٱلْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ ٱقْتِبَالُهُمْ إِلَّا حَيَاةً مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ" (رو15:11). ويسمى إشعياء النبى هؤلاء الذين سيؤمنون من اليهود في نهاية الأيام "البقية". وأخذها منه القديس بولس الرسول فقال "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ: وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ ٱلْبَحْرِ، فَٱلْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ" (رو27:9).
![]() |
الآيات (8-13): "وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ، أَكَمَةَ بِنْتِ صِهْيَوْنَ إِلَيْكِ يَأْتِي. وَيَجِيءُ الْحُكْمُ الأَوَّلُ مُلْكُ بِنْتِ أُورُشَلِيمَ». اَلآنَ لِمَاذَا تَصْرُخِينَ صُرَاخًا؟ أَلَيْسَ فِيكِ مَلِكٌ، أَمْ هَلَكَ مُشِيرُكِ حَتَّى أَخَذَكِ وَجَعٌ كَالْوَالِدَةِ؟ تَلَوَّيِ، ادْفَعِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ كَالْوَالِدَةِ، لأَنَّكِ الآنَ تَخْرُجِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَتَسْكُنِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَتَأْتِينَ إِلَى بَابِلَ. هُنَاكَ تُنْقَذِينَ. هُنَاكَ يَفْدِيكِ الرَّبُّ مِنْ يَدِ أَعْدَائِكِ. وَالآنَ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْكِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: «لِتَتَدَنَّسْ وَلْتَتَفَرَّسْ عُيُونُنَا فِي صِهْيَوْنَ». وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ أَفْكَارَ الرَّبِّ وَلاَ يَفْهَمُونَ قَصْدَهُ، إِنَّهُ قَدْ جَمَعَهُمْ كَحُزَمٍ إِلَى الْبَيْدَرِ. «قُومِي وَدُوسِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لأَنِّي أَجْعَلُ قَرْنَكِ حَدِيدًا، وَأَظْلاَفَكِ أَجْعَلُهَا نُحَاسًا، فَتَسْحَقِينَ شُعُوبًا كَثِيرِينَ، وَأُحَرِّمُ غَنِيمَتَهُمْ لِلرَّبِّ، وَثَرْوَتَهُمْ لِسَيِّدِ كُلِّ الأَرْضِ»."
وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ = قال الربيين أن المسيا سيولد فى بيت لحم مستندين على نبوة ميخا النبى (مى2:5). وكان هناك رأى آخر موازٍ له أن المسيح سيظهر فى مجدل عَدَرْ. وتقع مجدل عدر هذه ما بين بيت لحم وأورشليم. وأصحاب الرأى الأخير إستندوا على نبوة ميخا النبى هذه (4 : 8). مجدل عَدَرْ = هو إسم عبرى معناه قلعة أو بُرْجَ الْقَطِيعِ. ويذكره ميخا النبى فى هذه الآية. ومجدل عدر هى الآن قرية صغيرة بجانب صير الغنم (دائرة المعارف الكتابية. ومجدل عدر هذه ليست برجا لمراقبة قطعان الغنم العادية بل الغنم التى ستقدم ذبائح فى الهيكل (كتاب المشناة اليهودية الذى هو كتاب التقاليد اليهودية = تعاليم الأباء اليهود). والرعاة الذين يرعون هذه الأغنام ليسوا رعاة عاديين. فهؤلاء الرعاة يقعون تحت الحظر بحسب الشرائع الدينية، ومعزولين بالضرورة عن العالم الخارجي. ويراقبهم الربيين. ولهم حياتهم المختلفة. وهذه الخراف التى يرعونها كانت تفحص بواسطة الكهنة ويختمون الصالح الذى لا يوجد به عيب. ومن يريد أن يقدم ذبيحة يذهب لهم ويشترى خروفا مختوما ويذهب ليقدمه فى الهيكل. ومن هذه الخراف يأخذون ما يقدم كذبيحة فى أعياد الفصح. ولذلك قال السيد المسيح عن نفسه "هذا الله الآب قد ختمه" (يو6 : 27 فالخراف المختومة ترمز للمسيح الذى بلا خطية). وهؤلاء الرعاة وظيفتهم رعاية هذه الخراف. وقال عنهم الإنجيل "رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ" (لو8:2).
هؤلاء هم الرعاة الذين ظهر لهم الملائكة ليبشرون بميلاد المسيح الذى سيكون الحمل الذى يقدم ذبيحة عن العالم. وتحققت توقعات من قال أن ميلاد المسيح فى بيت لحم. وتحققت أيضا توقعات من قال أنه سيظهر فى مجدل عدر، إذ أن الملائكة كشفوا عن شخصه المبارك لرعاة مجدل عدر المكان المقدس المخصص لخراف الذبح فى الهيكل لرفع الخطايا. فى مجدل عدر أعلن الملائكة أن إنتظار إسرائيل الطويل لمجئ المخلص قد تحقق اليوم. وكأن الملائكة كانوا يقولون للرعاة إذهبوا لتروا الحمل الحقيقى الذى سيقدم عن البشر، وخرافكم هذه كانت ترمز إليه. بظهور الملائكة لهؤلاء الرعاة، كان الملائكة يشرحون لماذا وُلِدَ المسيح؟ فهو "حمل الله الذى يرفع خطية العالم" (يو29:1). وليس من المستبعد أن الملائكة رنمت الترنيمة الخالدة "المجد لله فى الأعالى ..." بينما كان الكهنة يقدمون على المذبح التقدمة المسائية اليومية. وهذه التقدمة اليومية تقدم وسط التسابيح. فكان هناك تسابيح السمائيين مع تسابيح الأرضيين تهليلا بميلاد ملك السلام.
برج القطيع = تقع كما قلنا بين بيت لحم (حيث وُلِد المسيح) وأورشليم (مدينة الملك داود). والمسيح الذى ولد فى بيت لحم ملك على كنيسته، إذ قَدَّم نفسه حملا بلا عيب وذبيحة عن خطايانا، العمل الذى كان يرمز له خراف الذبح فى مرعى برج القطيع.
برج القطيع = هذه هي الكنيسة فهي عالية كبرج، ومؤمنيها كقطيع لهم راعٍ هو السيد المسيح. وهذا القطيع أي المؤمنين في الكنيسة هم مشابهون للراعى الذى قدَّم نفسه ذبيحة. فالقديس بولس الرسول يقول "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ" (رو1:12). ويقول أيضاً "إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ ٱلنَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ" (رو36:8). إن سر مجد أورشليم هو مسيحها الذي يقيم نفسه جبلاً يجتذب إليه الأمم ويهبهم السلام الداخلي ويضمد جراحاتهم ويملك عليهم واهباً إياهم حياة الغلبة والنصرة. والكنيسة هي أكمة بنت صهيون = أكمة تعني قلعة أو حصن. والكنيسة هي حصن والذي يحميه هو المسيح. بل المسيح هو الحصن الذى نحتمى به "اِسْمُ ٱلرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ ٱلصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ" (أم10:18) ونلاحظ أن إسم الرب هو "يهوه" (خر3: 13-15). ويهوه تعنى "أنا هو". والمسيح قال عن نفسه أنه "أنا هو" (يو 8: 24، 28). وسميت بنت صهيون لأن الكنيسة خرجت من صهيون. وكما قلنا فصهيون كانت تتكون من عدة قمم (قمة مقام عليها الهيكل وقمة مقام عليها قصر الملك داود). ومسيحنا هو الملك والراعي. فداود راعي الغنم صار راعياً لشعبه، شعب الله. وداود رمز للمسيح. والمسيح أيضاً هو رئيس كهنتنا الذي قدم نفسه ذبيحة وبدمه حَصَّننا في هذا الحصن. وهذه الكنيسة التي تكلم عنها في الآيات الأولى (1-7) إليها يأتي ويجيء الحكم الأول = أي يأتي لها المسيح وتنعم بملكوت الله الأبدي فيها. وحكم المسيح سيكون مثل حكم داود وسليمان، الحكم الأول، حينما كان داود وسليمان يحكمون دولة واحدة، إسرائيل الواحدة. يوم كانت رعية واحدة لراعٍ واحد. وكنيسة المسيح هي كنيسة واحدة وحيدة مقدسة جامعة رسولية. وقد سُمِّىَ المسيح ملك اليهود (مت5:21 + 29:27). وهذا الحكم الواحد قد إنقسم بعد سليمان وانتهى هذا الإنقسام بعد السبي. وكان هذا بأن: - تم سبى إسرائيل سنة722ق.م. وتشتتت الأسباط العشرة في كل أنحاء دولة أشور. وكان هذا عقابا لوثنيتهم. وذهبت يهوذا لسبى بابل سنة 606 ق.م. لنفس السبب أي الوثنية، لكن حالهم كان أفضل من إخوتهم مملكة إسرائيل. فكان عقابهم أن يستمروا في السبى لمدة 70 سنة ثم يعودوا. وبعد الـ70سنة أي في سنة 536ق.م. أصدر كورش الملك الفارسى قراراً لكل الشعوب الذين تحت سلطانه، الذين كانت بابل وأشور قد سبوهم، أن يعود كل من يرغب إلى وطنه. فعاد شعب يهوذا إلى يهوذا. وعاد معهم بعض من الأسباط أي شعب المملكة الشمالية إسرائيل، الذين كانوا مشتتين في كل مكان، الذين تمسكوا بعبادة الله ولم يتجهوا للأوثان. وصاروا أمة واحدة حتى مجئ المسيح.
وكان سقوط أورشليم تحت عبودية بابل ثم الفرس ثم اليونان للتأديب، وعبودية شعب الله لهذه الأمم كان رمزاً لعبودية الإنسان لإبليس للتأديب قبل أن يحررنا المسيح). وبالمسيح عاد مُلْك بنت أورشليم = إشارة للكنيسة التي حررها المسيح من عبودية إبليس. وجعلها أمة ملوك وكهنة (رؤ6:1) ، وملوك أي لا يسود عليهم خطية أو شهوة أو إبليس. وقوله بنت أورشليم فلهذا لأن الكنيسة وُلِدَت في أورشليم يوم الخمسين.
إليك يأتي = أي المسيح يأتي لكنيسته. وفي آية (9) بعد أن عَزَّي أورشليم وقال لها سيأتي لها مخلص يعيد لها الحكم الأول يقول لكن لابد أن تعاني أولاً من بعض الآلام. وفي (10) يتنبأ صراحة بذهابها إلى بابل للسبي = تأتين إلى بابل. وأهمية ذهابها للسبي بآلامه أنها ستخرج من هذا التأديب أمة جديدة بلا وثنية وتكون آلامها كألام الوالدة التي ستلد طفلاً جديداً. فيقول لها تلوي أدفعي = أي تحملي الألام حتى تولدي أمة جديدة. ووسط هذه الألام فلتثق أن لها ملك لابد وسيفديها من يد أعدائها = الآن لماذا تصرخين في يأس. جاهدي برجاء أن ملكك سيفديك = هناك يفديك الرب. ولاحظ روعة نبوة ميخا. فهو يتكلم عن سبي بابل قبل أن تظهر بابل كدولة عظيمة أي أيام كانت أشور هي الدولة العظمى والمسيطرة عالمياً، وكانت بابل لا شئ. وهذه الآيات لها معنى آخر، فهي تشير للمسيح، هي وعد بمجيء المسيح الذي يحررنا لكن لابد من قضاء فترة في سبي إبليس حتى يأتي المسيح، وبابل ترمز لإبليس. والمسيح سيفدي كنيسته بدمه ويصير لها ملكاً بعد أن يحررها من سلطان إبليس، ولكنه لن ينزع عنها الألم والجهاد، إنما سيسمح لها أن تنطلق إلى البرية = تسكنين في البرية لتحارب عدو الخير، والعالم هو هذه البرية. فطالما نحن في الجسد، فلابد أن نحارب إبليس. والمسيح ملكنا سيهبنا نصرة وغلبة بل يهب كنيسته قرناً حديدياً وأظلافاً نحاسية (آية 13) لتسحق هذه الشياطين. والقرن والأظلاف علامة القوة. وفي (9) تصوير لألام أورشليم (الكنيسة) فهي تصرخ وتتلوى كوالدة ولكن النتيجة ميلاد جديد (يو 16: 20-21). وكان هذا المفهوم عند حزقيا الملك عندما تضايق جداً من حصار أشور، وفهم حزقيا أن ضيقة أشور قد سمح بها الله لتولد أورشليم جديدة في نقاوة .. "هَكَذَا يَقُولُ حَزَقِيَّا: هَذَا ٱلْيَوْمُ يَوْمُ شِدَّةٍ وَتَأْدِيبٍ وَإِهَانَةٍ، لِأَنَّ ٱلْأَجِنَّةَ دَنَتْ إِلَى ٱلْمَوْلِدِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى ٱلْوِلَادَةِ" (إش3:37). ولماذا الألم؟ هو نار التطهير لأننا في الجسد، والجسد تسكنه الخطية (رو20:7). فلابد من التأديب حتى نولد ميلاداً جديداً أي نستحق أن نلبس الجسد الممجد. وعلينا أن لا نيأس ففي وسطنا ملكنا الذي حررنا وهو يساندنا في هذه المعركة ويعزينا في ضيقتنا أثناء الضيقة فلا نفشل = أليس فيك ملك = فلنجاهد برجاء وبلا يأس لأن في وسطنا ملك. ولنصرخ لا من الضيقة ولكن لنصرخ إلى إلهنا القوى المحب لنستفيد من الضيقة، وتؤتى الضيقة ثمارها.
وفي (11) نجد الأعداء محيطين بالكنيسة ، وهم يمنون أنفسهم أن تسقط في الخطية = يقولون لتتدنس = فيهجرها الله وتخرب وحينئذ تتفرس عيوننا في صهيون = إن المؤمن ينكشف إذا سقط في الخطية، لأن الله سيتخلى عنه. بعد أن كان حصناً. وكانت هذه مشورة بلعام: - حينما فشل بلعام في أن يلعن شعب الله لأن الله باركهم. أشار بلعام على ملك موآب أن يُسقط الشعب في الزنا فيغضب الله على شعبه وتضيع البركة ويسقط الشعب قتلى). وفي (12) هؤلاء الأعداء يجتمعون ضد أورشليم يحلمون بأن تسقط ليشمتوا فيها. والله سمح لهم بهذا بعض الوقت وهم لا يفهمون قصده = فهو يستعملهم كأداة تأديب لشعبه، وبعد أن ينتهي التأديب، وفي النهاية يجب أن تحرق هذه العصا = أنه قد جمعهم كحزم إلى البيدر = فالله سمح لهم بأن يتجمعوا كما يجمع الفلاح حزم قش يستعد لحرقها. فهم كانوا يقصدون خراب صهيون وكان الله يقصد تأديبها ثم خرابهم بعد ذلك، جمعهم ليُدرسوا كما بنورج ثم يحرقهم. وفي (13) صورة للكنيسة القوية التي لها سلطان أن تدوس الحيات والعقارب = قومي ودوسي. وأُحرّم غنيمتهم = أحرم أي أقدس أو أكرس. فكل ما نمتلكه من طاقات كان غنيمة فى يد الشيطان يستخدمها فى الخطايا ، فبعد أن حررنا المسيح من سلطان إبليس ، يجب أن نقدس ونكرس كل طاقاتنا للرب، نستخدمها كما يرشدنا هو لمجد اسمه . ويمكن تفسير هذه الآيات على الخلاص من سبي بابل، ولكن هذه الآيات تظهر قوتها في الخلاص من سبي الشيطان بصليب المسيح الذي كان سبي بابل رمزاً له.
وَأُحَرِّمُ غَنِيمَتَهُمْ لِلرَّبِّ = البشر كانوا غنيمة للشيطان وجاء المسيح ليحررنا من يده. وهذه قال عنها رب المجد أنه ربط الشيطان القوى بصليبه وإختطفنا من يده "أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ" (مت29:12).
وَثَرْوَتَهُمْ لِسَيِّدِ كُلِّ الأَرْضِ = الثروة التي أعطاها لنا الله هي كل طاقاتنا (أو قل هى وزناتنا) التي وهبها الله لنا لنعمل بها ونمجد بها إسمه.

← تفاسير أصحاحات ميخا: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير ميخا 5![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم القمص أنطونيوس فكري |
تفسير ميخا 3![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/tnv4a78