St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-sinful-woman
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المرأة الخاطئة (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي) - مليكة حبيب يوسف، يوسف حبيب

3- كبرياء الفريسي وانسحاق الخاطئة

 

وبينما كان الفريسي يتناول طعامه مع المعلم الحكيم المعطي هذه التعاليم المقدسة، لله، بعيدًا عن الرسميات، وبينما كان متكئًا معه على نفس المائدة ينظر إلى وجهه، كان لا يرى ولا يفهم عظمة ذاك الذي تنازل حتى إليه. وحينما كان يرفع جبينه بكبرياء، كان يفكر أيضًا أنه قد صنع معروفًا ليسوع وأن يسوع مدينًا له بالشكر.

لكن المرأة الخاطئة فيما كانت واقفة سرًا في الخلف لا تحسب نفسها مستحقة لنظرة تلك العينين المملوئتين بالرحمة والسلام الإلهي، عرفت: الذي لم ينظر إليها الذي كان متكئًا على المائدة، وفي صمت قدمت له التماسًا كما لمن يسمع القلب. كانت فعلًا تذرف الدموع ينبعث منها صوت وكانت تسيل بغزارة وتسقط على قدميه الإلهيتين. فكانت تغتسل بطريقة خفية من خطاياها، إذ تغسل قدميه؛ لأنه نظير الدموع غمرتها سيول نعم التطهير. فضلًا عن إكرامها له بالطيب تدهن به قدميه باهتمام وتقدم له مجدًا يليق بالله، فاختلطت دموع توبتها والاعتراف مع عبير الطيب وتقبلها الله رائحة زكية.

St-Takla.org Image: The Pharisee and the publican, by Gustave Doré. صورة في موقع الأنبا تكلا: مثل الفريسي والعشار، رسم الفنان جوستاف دوريه.

St-Takla.org Image: The Pharisee and the publican, by Gustave Doré.

صورة في موقع الأنبا تكلا: مثل الفريسي والعشار، رسم الفنان جوستاف دوريه.

كان الفريسي يرى ذلك فتشتعل فيه نار الحسد والشك دون أن يتأمل بفهم. قال في نفسه شرًا، ومن الفكر كان الهوى يتعجل الانفجار إلى الخارج بينما لا يزال في الداخل يعمل في الحاسد؛ فماذا كن صدى الأفكار التي كان يسوع يسمعها حتى وأن كانت خفية؟ يقول الكتاب: "فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ«ذَلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: «لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ»" (لو 7: 39).

أي نبي أيها الفريسي، يبغض الخطاة ويرفض لمسهم مبتعدًا عنهم كأنجاس؟ هل تسمع الكتب المقدسة، أفلا تعرف أنهم ألقوا لصًا سوريًّا على عظام أليشع النبي فعاد إلى الحياة بلبسها؟ "وَفِيمَا كَانُوا يَدْفِنُونَ رَجُلًا إِذَا بِهِمْ قَدْ رَأَوْا الْغُزَاةَ، فَطَرَحُوا الرَّجُلَ فِي قَبْرِ أَلِيشَعَ، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّجُلُ وَمَسَّ عِظَامَ أَلِيشَعَ عَاشَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ" (2 مل 13: 21). كيف إلى الحق صور الناموس السالفة؟ هذه فعلًا سبق أن عملها الأنبياء حتى ترى أن يسوع لم يقم الآخرين فحسب بل قام هو نفسه، لأن هذا الله وحدة الذي يستعمل سلطانه الذاتي، فتؤمن أنه هو ذاته حقًا الذي قال:"قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو 11: 25). وهو الذي صنع مثل هذه المعجزات قديمًا بواسطة الأنبياء أيضًا، فيتعلم المرء أولًا أن يحذوا حذو آبائه، ويتدرج منها إلى الأيمان بالمسيح. هكذا بالتالي لم تفت المسيح لمسة المرأة كما ظن هذا الفريسي، لكنه عرف بوضوح أنها بالحري لمسته بقلبها، وليس بيديها، وقد أرتضي ذلك.

ولكي يأتي يسوع بالفريسي إلى هذه الفكرة، كلمة بأمثال كاشفًا سقم تفكيره. قال: "«كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: «أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ». فَقَالَ لَهُ: «بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ»" (لو 7: 41 - 43).

" أيها الفريسي، أن نظرك غليظ، تفحص لمس اليد وتحكم أن هذه المرأة ليست طاهرة. أما أنا فانظر إلى عمق فكرها حيث تركزت كل هذه: إنها شعرت بخطاياها، وبكت، وأحبت، وقدمت هذا الزيت المعطر كبرهان على محبتها. ولذلك فقد اهتممت بمحبتها، تلاحظ عنايتي الإلهية دائمًا حركة روحها، وأسبق وأذهب لما بعد ذلك؛ لأجل محبتها منحتها مقدمًا تاركًا لها ديوناُ عديدة، قبل أن تحكم أنت نفسك أن اللمس الخارجي نجس، لأن المرأة قد تطهرت مقدمًا من الداخل. هكذا بالتالي لم تكن خاطئة، يا هذا، تلك التي حسبتها خاطئة. إذ إنها بعد أن عرفت غنى العطية، وزنته بالمحبة الزائدة".

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

أرأيت كيف تتألق الصورة؟ لنبحث إذن وننظر إلى ما هو خفي وأكثر تألقًا. أن هذا الفريسي في الواقع يمثل صورة مجمع اليهود الذي سكن كلمة الله أولًا بالقرب منه، لم يكن معروفًا سوى في فلسطين، كما لو كان في بيت واحد، بينما كان يظهر بجانب خيمة الشهادة، كما يقول بفم ناثان النبي للملك داود الذي كان يريد أن يبني هيكلًا: "لأَنِّي لَمْ أَسْكُنْ فِي بَيْتٍ مُنْذُ يَوْمِ أَصْعَدْتُ إِسْرَائِيلَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، بَلْ سِرْتُ مِنْ خَيْمَةٍ إِلَى خَيْمَةٍ، وَمِنْ مَسْكَنٍ إِلَى مَسْكَنٍ." (1 أي 17: 5).

هكذا اشترك معهم في المائدة الروحانية حينما وضع أمامهم وصايا الناموس مبدئيًا، مثل حروف الهجاء في تعليم الأولاد الصغار، على أنها من ناحية أخرى كانت تحمل كمال العبادة في الخدمة الروحانية. وحينما أرسل الله أنبياءه الذين لم يعلموا ويرشدوا لأجل حاضرهم فحسب، بل للمستقبل بالنبوة. وأخيرًا قام في وسطهم حسب التدبير الإلهي، وظهر بتجسد الكلمة وعاش بينهم. "هُوَ وَجَدَ كل طَرِيقَ التَّأَدُّبِ وأعطاها ليعقوب غلامه، وَإِسْرَائِيل المحبوب منه. بَعْدَ هذا عَلَى الأَرْضِ ظهر، ومع الناس تكلَّم" (با 3: 37 - 38). وساعدهم بطرق شتى وبالرغم منهم أيضًا، وفي غاية التدبير الإلهي اتخذ مكانة على المائدة، ثم اضطجع في أورشليم كما في بيت يهودي، ثلاثة أيام في قبره.

لذلك كان يقول "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (مت 15: 34). وأيضًا كان يأمر تلاميذه قائلًا "بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ." (مت 10: 6). إذ أنه في كل شيء كان يفضل ذلك لكي يبين لهم أنهم يصيرون غرباء عن كل مغفرة إذ لم يؤمنوا.

وبينما كانوا يشتكون على المائدة دون عمل، ودون أن يغتدوا غذاء الذين يرغبون في الأمور الإلهية، فإنهم حينما ذاقوا شبعوا حالًا ونطقوا بشتائم، " فَسَمِنَ يَشُورُونَ وَرَفَسَ. سَمِنْتَ وَغَلُظْتَ وَاكْتَسَيْتَ شَحْمًا! فَرَفَضَ الإِلهَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَغَبِيَ عَنْ صَخْرَةِ خَلاَصِهِ" (تث 32: 15).

 

حينئذ دخلت المرأة الخاطئة في البيت. أن الكنيسة قد حضرت من نفسها، فهي التي اختبرت من بين الأمم في كل المسكونة، وقد آمنت طوعًا بالمسيح الذي كان ضد المائدة مع الأشرار وناكري الجيل.

وحسنًا جدًا قال الكتاب:"وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً" (لو 7: 37) ليس بأسلوب واحد، بل بكل الطرق المختلفة من جهة الخطية وخاصة العهارة. وأعتاد الكتاب فعلاُ أن يطلقها على كل خطية على وجه العموم، وبالأخص ترك عبادة الله وخدمته، فهي في كل مرة تؤدي إلى عبادة الأصنام الميتة. والحجارة والأخشاب، بدلًا من عبادة الله الواحد وحده.

وهذا ما يقوله داود أيضًا مرنمًا لله: "مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ. قَدْ فَنِيَ لَحْمِي وَقَلْبِي. صَخْرَةُ قَلْبِي وَنَصِيبِي اللهُ إِلَى الدَّهْرِ. لأَنَّهُ هُوَذَا الْبُعَدَاءُ عَنْكَ يَبِيدُونَ. تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ." (مز 73: 25 - 27). ويقول أيضًا: "بَلِ اخْتَلَطُوا بِالأُمَمِ وَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَهُمْ. وَعَبَدُوا أَصْنَامَهُمْ، فَصَارَتْ لَهُمْ شَرَكًا.وَذَبَحُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ لِلأَوْثَانِ. وَأَهْرَقُوا دَمًا زَكِيًّا، دَمَ بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمِ الَّذِينَ ذَبَحُوهُمْ لأَصْنَامِ كَنْعَانَ، وَتَدَنَّسَتِ الأَرْضُ بِالدِّمَاءِ. وَتَنَجَّسُوا بِأَعْمَالِهِمْ وَزَنَوْا بِأَفْعَالِهِمْ." (مز106: 36 - 39).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

وكذلك في سفر القضاة أيضًا: "فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَدَفَعَهُمْ بِأَيْدِي نَاهِبِينَ نَهَبُوهُمْ، وَبَاعَهُمْ بِيَدِ أَعْدَائِهِمْ حَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا بَعْدُ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. حَيْثُمَا خَرَجُوا كَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ لِلشَّرِّ، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ وَكَمَا أَقْسَمَ الرَّبُّ لَهُمْ. فَضَاقَ بِهِمُ الأَمْرُ جِدًّا." (قض 2: 14-15).

فكانت الكنيسة إذن قد أتت مثل هذه الأعمال وكانت تنموا فيها هذه العادات، كانت خاطئة وخطيئتها متنوعة عديدة الأشكال.

وفي كلمة الإنجيل القائلة: "وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً" (لو 7: 37) دلالة كبيرة. فهي كانت مشهورة بطريقة ما في كل المدينة بسبب الشر، وعرف عنها في كل مدينة لدى الناس أنها خاطئة، وهي لا تتقرب مجرده، لكن بعد اعترافها بالمسيح بعين المعرفة. ويقول الكتاب: "إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ" (لو 7: 37).

أحضرت بفرح وعاءً من المر مملوءًا بالعطر، رمز إلى الإيمان المجيد الحقيقي الطاهر الذي يحوي قوام الفضائل الزكية كما يحوي الوعاء الزجاجي الرائحة الزكية، ويشير إلى العطر العقلي.

حينما وقفت من الخلف، أي بعد المجمع، إذ إنها كانت مدعوه ومقبولة في المرتبة الثانية، وهذا أيضًا ما كان الرسل أنفسهم يقولونه لليهود الذين لم يؤمنوا ولم يطيعوا الإنجيل.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-sinful-woman/pride-of-pharisee.html

تقصير الرابط:
tak.la/3qm4hcp