St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-sinful-woman
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المرأة الخاطئة (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي) - مليكة حبيب يوسف، يوسف حبيب

4- اختيار الكنيسة

 

"«كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ. لأَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاَصًا إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ». فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ" أ(ع: 13: 46 - 48).

في ذلك الوقت كانت الكنيسة التي اختبرت من بين الأمم تفرح وتمجد كلمة الرب، بعد أن قبلتها بفرح وتمثلت قديمًا امرأة خاطئة، تبكي على ما كانت تفعله فيما مضى وتفرح بما قد بدأ وما تنتظره أيضًا، وهي تقبل بدون تخاذل. لا تقبل بدون بذل، بل وهي تدهن قدمي يسوع بالطيب وتتشبث بخطواته ببمارسة الفضائل.

St-Takla.org Image: A hermit, by an unknown painter, oil on wood, 23.5x19 cm. - Fine Arts Museum, Alexandria, Egypt (image 63) - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, December 5, 2019. صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة ناسك، فنان غير معروف، زيت على خشب، 23.5x19 سم. - من صور متحف الفنون الجميلة، الإسكندرية، مصر (صورة 63) - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 5 ديسمبر 2019 م.

St-Takla.org Image: A hermit, by an unknown painter, oil on wood, 23.5x19 cm. - Fine Arts Museum, Alexandria, Egypt (image 63) - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, December 5, 2019.

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة ناسك، فنان غير معروف، زيت على خشب، 23.5x19 سم. - من صور متحف الفنون الجميلة، الإسكندرية، مصر (صورة 63) - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 5 ديسمبر 2019 م.

لذلك أيضًا، حينما يفحصها ويقارنها ويضعها أمام المجمع كان المسيح يقول لذلك الفريسي برمز: "قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ" (لو 7: 45).

فإذا كان المجمع قديمًا قد قام ببعض الأشياء التي أمر بها فأنه لم يفعل ذلك بمحبة، بل بالحري عن خوف، في ذلة وبأسلوب العبيد؛ لذلك أيضًا حينما كان الله يعطيهم الوصايا كان يهدد بصنوف العذاب التي كانت موضوعة في طريقهم والتي كانت تحدث في الحال، لكي يذعنوا الوصايا خشية أن يصيبهم بهد وقت قليل ما يصيب العبيد، فلم يكونوا يطيعون بمحبة الأبناء لآبائهم.

وهذا ما كان بولس الرسول يقوله حينما كتب رسالته لأهل رومية: "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أيضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ." (رو 8: 15).

لأنه كان يقول أيضًا في هذه الوصية: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث 6: 5). فلم يكن الذين أعطى لهم الناموس يحتفظون تلك الوصية عن محبة، بل عن خوف فقط. حينئذ تكون الوصية شاملة منيعة وعامة. فهو يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت 10: 37 - 39)، لأنه يريد أن تكون المحبة المتفرقة بين الناس التي يشترك فيها الوطن والجنس وقرابة الزيجة والصداقة وكل الأشياء الخارجية، تكون مجتمعة له وحده.

هذا ما أظهرته الكنيسة حقيقة كابنه. كما يليق بالتبني، وبحماس ألقت بنفسها نحو الأخطار التي واجهتها من أجله، حينما أكدت بشارتها بجهاد الاستشهاد وبالعذابات التي تحملتها من أجل التقوى حتى شملت كل الكرة الأرضية.

فمع إن الأناجيل تنذر بالنار التي لا تُطْفَأ: "وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ، إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلاَنِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ فِي النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ. حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ" (مر 9: 43 - 48). فأنها لا تئب بتأثير الخوف بطريقة العبيد؛ لأن ما يكون بعيد المسافة لا يبدو للكثيرين مخيفًا. فقد تحملت الكنيسة صنوف العذاب لأجل المسيح عن محبة، وأظهرت نفسها قوية بها.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

لذلك أيضًا كان يسوع يقول لهذا الفريسي: "وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ" (لو 7: 45). وهذه أيضًا يبين مقدار المحبة للمسيح. فلم يقل: "مَن يحب أباه أو أمه أكثر مني، سوف يتألم بشئ ما أو يكون في عذاب"، لكنه قال: "فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37).

وهذه صفة أولئك الذين حباهم الله نعمة، لهم أن يقولوا ذلك وهم مطمئنون ويختاروا دون شك ما يرغبون. لأن هذه المرأة بعد أن اشتعلت فيها هذه المحبة، كانت تقبل قدميه وتحني رأسها وهي تمسح الدموع بشعرها وبعد أن سمع بطرس الرسول "أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أيضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»" (يو 13: 8 - 9).

وفي اشتعال محبتها جعلت رأسها الخاطئة تلمس قدميه الإلهتين؛ وبينما كانت تغتسل بالماء الذي يأتي من الدموع التي كانت تسيل وتنزل علة أقدام يسوع، كانت رأسها مليئة بكل معرفة، بينما كانت قديمًا لا تشعر بالخطايا التي كانت ترتكبها بسبب العادة القديمة.

فضفيرة الشعر كأنها شيء لا يحس، تقطع دون أن تسبب ألمًا في الجسم كما تسببه الأعضاء إذا قطعت منه. فحينما كانت المرأة الخاطئة تمسح قدمي ربنا يسوع المسيح بشعرها، كانت تنكر انعدام الشعور، لذلك أيضًا كانت تشعر بغفران خطاياها وكانت تحب كثيرًا: "قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا" (لو 7: 47).

قيل ذلك لتعليم هذا الفريسي وكل الجمع الذين يفكرون في الناموس أن المرأة وهي لم تكمل حق الناموس عليها، كانت تحتاج لمغفرة صغيرة؛ لأن الذي يشعر شعورًا تامًا يعرف جيدًا أنه يحتاج إلى مغفرة عظيمة، فيغفر له كثيرًا؛ ينظر إلى كل المحبة كأنها قليلة، ويقول ما هو مكتوب في نشيد الأنشاد "إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ، تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا." (نش8: 7).

إذن أن كان أحد يريد أن يحب المسيح، فلا يكن ذلك بمحبة غير فعالة، بل ليمسحه بعطر الفضائل، ملازمًا هذه الوصية وغير ملازم لتلك، لأن الطيب شامل لكل الوصايا. هكذا أيضًا يكون عبير رئيس الكهنة والمعلم. فموسى كان يسمع الله يقول: "وَأَنْتَ تَأْخُذُ لَكَ أَفْخَرَ الأَطْيَابِ: مُرًّا قَاطِرًا خَمْسَ مِئَةِ شَاقِل، وَقِرْفَةً عَطِرَةً نِصْفَ ذلِكَ: مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَقَصَبَ الذَّرِيرَةِ مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَسَلِيخَةً خَمْسَ مِئَةٍ بِشَاقِلِ الْقُدْسِ، وَمِنْ زَيْتِ الزَّيْتُونِ هِينًا(1). وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ.

"وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: يَكُونُ هذَا لِي دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ فِي أَجْيَالِكُمْ" (خر 30: 32-25، 31).

يجب إذن علينا كما إننا قد مسحنا، أن نجعل الأطياب المذكورة في الناموس تتضوع من كلمة التعليم وليس من زهرة أخرى غريبة، فلا يبدوا لها رائحة مصطنعة، ولا نأتي بها إلى خزي دفين وفق روايات الوثنين؛ لأن مثل هذه الأساليب ليس فيها شذي الفضائل، بل بالحري سم مميت. ويجب أيضًا أن كون هذه العطور المذكورة في الناموس موزونة بالموازين التي يذكرها العارفون بفن العطارة والكهنة معلمو الأرثوذوكسية، وأن نطرد بعيدًا ما يخرج من سلطانهم ونعتبره كفرًا، حتى وأن كان الذي يقوله بولس الرسول: "وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!" (غل 1: 8).

وبهذه الطريقة يمتزج عطر التعليم الخالي من التغيير بعطر أعمال السامعين، وتكون جميعًا حسب قول بولس الرسول: "رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ" (2 كو 2: 15).

 

له المجد إلى أبد الدهور آمين.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) نوع من المعايير.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-sinful-woman/churchs-choice.html

تقصير الرابط:
tak.la/tsm8hr9