بشر إرميا النبي قبل الوقت بهذا الظهور العجيب الذي يليق جدًا بالله قائلًا: "ها أيام تأتي يقوم الرب وأقيم غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقًا وعدلًا في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمنًا وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا" (أر 23: 5- 6).
إن هذه النبوة تختص بلا نزاع بالمسيح، هذا ما يقوله كل المشتغلين بالكتاب المقدس، حتى ولو جزئيًا. لأنه بعد داود لم يملك أي ملك صديق، نظرًا لأن كل الذين خلفوا داود كانوا مذنبين، بإستثناء حزقيا ويوشيا، وهما اللذان تنبأ بعدهما إرميا بهذه النبوة. فقبل الكلمات التي ذكرناها كان يقول عن يكنيا (كيناهو) الذي صار ملكًا بعد وفاة يوشيا: "هل هذا الرجل كيناهو وعاء خزف مهان مكسور أو إناء ليست فيه مسرة" (لو 22: 28).
ومن جهة أخرى فإنه من المؤكد تمامًا أن كلمات النبوة تنحدر إلى الزمن التالي والزمن المستقبل. ومع ذلك فإن الاسم "غصن بر" لن يُعطَى بجدارة لأي أحد آخر من الذين تملكوا سوى للمسيح؛ فهو شمس البر الذي جعل أشعة معرفة الله تضيء لنا؛ كما مارس أيضًا العدل والحق على الأرض حينما بسط على كل الأرض نواميسه ذات العدالة العليا المطلقة؛ وفي أيامه أيضًا خلص يهوذا وسكن يعقوب في أمان.
![]() |
في الواقع أن فترة إنقسام الشعب إلى قسمين: إسرائيل ويهوذا منذ زمن الملك سليمان ما تزال حتى النهاية، فهناك مملكتان منفصلتان. لكن بصفة عامة كل الذين كانوا منفصلين قد خضعوا وأطاعوا على حد سواء بشارة المسيح وملكوته، وأخذوا نيرًا واحدًا. وعلى أي حال فإنه بسبب يهوذا الذي ترجمته "المعترف" وبسبب إسرائيل الذي ترجمته "العقل الذي يرى الله" يطلق "يهوذا الذي خلص" على أولئك الذين في الوقت الحالي قد إقتربوا من الإنجيل وهم في منزلة المعترفين، وندعو "إسرائيل الساكن في أمان" على أولئك الذين آمنوا وجازوا مرحلة التأمل، فهم بذلك يعرفون الله أو يرونه، وهم ثابتون بالمعرفة آمنين وكأنهم يسكنون ويستريحون فيما عرفوه.
وهذان الفريقان يؤلفان جسد الكنيسة الوحيد، وهما موضوعان تحت سلطان المسيح وحده الذي يعلن عنه إرميا النبي أيضًا بجدارة أنه يدعى يهوصادق Josédec وهو ما معناه في الترجمة اليونانية "بر الله" والمسيح هو بر الله الآب وهو أيضًا الحكمة والقدرة. اسمع بولس الرسول الذي يكتب لأهل كورنثوس: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 1: 30).
حينما تنبأ إرميا بهذه النبوة عن يسوع قائلًا: "سوف يدعى يهوصادق"، بر الله، عرف بدقة تامة وبوضوح تام من هو الذي يتنبأ عنه من بين كلماته وكأنه يرى بعينيه ذاتهما أيضًا، فاستنار بظهور ذاك الذي كان حينئذ آتيًا وهو الذي نراه الآن، وهكذا في فرحة صرخ قائلًا: "إنه من الأنبياء" وهو يشير إليه كما بالإصبع قائلًا: "أنه هو الذي كان في الأنبياء والذي أوحى إليهم والذي جعلهم بطرق مختلفة يعلنون هذه النبوات المتعلقة بشخصه ذاته".
بخصوص ذلك الظهور، ظهور الله الكلمة الذي تأنس لأجلنا، يقول زكريا النبي أيضًا بطريقة إلهية تمامًا: "هوذا الرجل الغض اسمه ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب" (زك 6: 12).
يا لعظمة دقة النبوة! من الذي لا يسبح ذلك الذي نطق بوضوح بهذه الكلمات قبل سنين عديدة بواسطة خدامه، ذاته الذي في آخر الأيام حقق الكلمات التي قيلت قبل الوقت؟ "اسمه شرق"(1) يقول النبي فعلًا. أنه نور نور الآب(2). "كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم" (يو 1: 9) لذلك دعي باسم لائق.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
فإن من خواص النور والشمس أن ينيرا من الأعالي ويسلطا أشعتهما على الكون لإضاءته وإشراكه في الضوء الذي ينبعث منهما. وأن شمس البر، النور الذي لا يدنى منه "الذي وحده له عدم الموت ساكنًا في نور لا يُدْنَى منه" (1 تي 6: 16) أخذ على عاتقه أن يتجسد ويتأنس لأجلنا، أشرق لنا حينما أخذ شكل العبد وتنازل هو نفسه بإرادته قد أشرق لنا. وقد تنازل هكذا متواضعًا جدًا واظهر ذاته قليلًا قليلًا وأنارنا بكل لاهوته.
لذلك حينما بشر زكريا مقدمًا بهذا العجب قال: "هوذا الرجل الغض اسمه ومن مكانه ينبت ويبني هيكل الرب" (زك 6: 12).
وقد شرح داود هذه الفكرة بطريقة أخرى حينما تكلم عن هذا الإشراق الذي يحدث في الدنيا فقال أشرق من الغرب(3) (في الظلمة). ويصيح هو أيضًا مع يوحنا المعمدان للذين كان يتعين عليهم أن يصيروا شهودًا لإشراقه: "أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة" (مت 3: 3؛ مر 1: 3؛ لو 3: 4). "قوِّموا طريق الرب" (يو 1: 23). فيقول داود: "أعدوا طريقًا للراكب في القفار باسمه واهتفوا أمامه" (مز 68: 4).
في الواقع لو أنه حجب مجده الخاص حسب التدبير الإلهي إذ أشرق في الظلمة، إلا أنه مع ذلك الرب. لأنه حتى حينما صار إنسنًا لم يتخل عن كونه رب وإله. وفعلًا لو أن المرنم أعلن أن الشمس تشرق في الظلمة، فإنها لن تصير نفسها مظلمة، بل العكس يبين ذلك أن في الغرب (أو في الظلام) كان الضوء المشرق. وبنفس الطريقة إذ كانت حالتنا غاربة وكانت سوداء من جراء الخطية، محرومة من العمل الإلهي، فقد جعلها كلمة الله مشرقة حينما بارك عبورنا إلى هذه الحالة الجديدة حيث صرنا نفيض عدلًا وطهارة ونتزين بالفضائل الأخرى، بتجسده الذي به صنعت أعمال النور وكل ما هو خير بين البشر.
إذا أراد ملك أن يذهب إلى مدينة صغيرة غير معروفة وعاجزة تمامًا عن احتمال مجيئه، فإنه في الغالب يجعل نفسه صغيرًا ويزيل عظمة كبرياء المظاهر والمجد الذي يحيط به لكي يصير محتملًا من هذه المدينة. ولكنه رغم ذلك لا يستطيع إلا أن يدخل كملك متنازلًا بصفة عامة عن مظاهر رتبته. هكذا أيضًا ابن الله، كلمة الآب الغير مدرك، الأبدي، أراد أن يأتي في صورة بشرية في هذا العالم وهو عنده على حد تعبير أحد أنبيائه كنقطة يملأه بطريقة إلهية "هوذا الأمم كنقطة من دلو وكغبار الميزان تحسب. هوذا الجزائر يرفعها كدفة" (أش 40: 15). على قدر ما كان ذلك مستطاعًا، فقد تواضع.
تواضع من مجده الذاتي وجاء إلى الإهانة(4)- ففي ذلك فعلًا أخلى ذاته وأصبح هكذا ممكنًا الوصول إليه- وبأسلوب لا مثيل، وبطريقة فائقة خاصة تسمو على كل الطرق الأخرى، دخل إلى عالمنا من باب إلهي ملكي، يعني من البتولية، بميلاده في الجسد من الروح القدس ومن العذراء والدة الإله.
_____
(1) النص الفرنسي: Son nom est orient ومن بيت لحم أشرق للخليقة.
(2) النص الفرنسي: La lumiére de la lumiére du Pére.
(3) النص الفرنسي حرفيًا Il s'est levé à l'occident والمقصود بذلك أنه أشرق للذين في الظلمة ووادي ظل الموت، جنس البشر الذي حطمته الخطية وهبط إلى الجحيم ومن المغارة والمزود أشرق للخليقة.
(4) النص الفرنسي: Il s'est humilié de sa proper gloire et est venu à l'humiliation.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-nativity/prophecies.html
تقصير الرابط:
tak.la/3pv3gdk