وحيث سمعتم هذه، ألم تعرفوا بأن على المُدبِّر أن يعمل ويتمّم وظيفة من هم دونه درجةَ، وإلا يحتقر أو يقلل من شأن الدرجات التي دونه، وأن يبتعد عن هذه الأمور غير اللائقة ويكون غريبًا عنها. هكذا يجب أن تكون أمورنا، وحينما أقول أمورنا، أعني بها أمور الكثيرين وأولهم أنا.
لا يظننّ مَن قد رُقّي من رتبة المُرتّلين إلى رتبة القرّاء، أنه قد وجد الحرّية بهربه من التسابيح والفرض الليلي كمن قد هرب من فخِّ، وهو مستلقٍ على سريره طوال الليل وقد توقفت بُحَّةُ حنجرته (أي لم يعُد يُرتِّل).
![]() |
وذاك الذي قد انتقل من رتبة القراء أو المرتلين إلى درجة الشمامسة، لا نجده يهتم ليُتِمَّ فرض ترتيل أو قراءة، ولا يهتم من كل ما توجبه الشماسية إلا بلبسه حلة[5] فخمة، وبتزيُنه بقطعة القطن البيضاء التي على كتفه، وينسى بأنها رمز لأجنحة الخدّام والقوّات غير المجسمة المالكة السرعة والدّقة وسهولة الحركة. وأعرف الكثير من الأفودياقونيين[6] الذين يخجلون بدرجتهم الذين لولا من أجل القوت الذي (ينالونه) من الهِبات التي يقدمها المؤمنون للكنيسة لكانوا من شدة خجلهم يهربون من إيقاد السُرج في قد الأقداس، ولا يتفكّرون بأنه إن كان الذين يخدمون الملوك الأرضيين ويحملون السُرُج لهم على أيديهم، أو يُؤدّون إحدى الخدمات البسيطة وغير المهمة والتي قد تكون من أجل إشباع البطون يُعتبرون مغبوطين وشرفاء وعظماء عند الذين في الخارج لأنهم يشتركون بالوقار الذي في قصور الملوك، فكم بالحري يكون أولئلك الذين يخدمون خالق البرايا وملك الملوك، والذين لا يمكننا وصف ما يتنعّمون به من دالّة وشدّة احترام، وما سوف يتمتعون به من مجد أعظم، فعِوَض خدمتهم هذه ووقوفهم في الكنيسة سوف ينالون الوقوف الأخير ببرارة أمام ديّان كل الخليقة في الهيكل الروحي المقدس العجيب ذاك الذي يرتّل عنه داؤد قائلًا: “طوبى للذين يسكنون في بتك، ويسبحونك إلى أبد الآبدين، وطوبى للذي تختاره وتقرّبه ليسكن في ديارك” (مز 65: 4). إن إيقاد السُرج في الهيكل الإلهي ليست للأصاغر ولا للمحتقرين، وسأبيّن ذلك جَليًّا من كتب الشريعة ܟܬܒ̈ܐ ܟܗܢܝ̈ܐ، إن الذي مُسِحَ أولًا رئيس كهنة، أخا موسى، هرون الذي كان لابسًا الحلّة الكهنوتية التي كانت مرصعة بالذهب والحجارة الكريمة، كان قد أُمِرَ من الرب أن يقوم بهذه الخدمة بيده هو، ففي سفر العدد قد كُتِبَ: “وكلّم الرب موسى قائلًا: كلّم هرون وقل له، متى رفعتَ السُّرُج فإلى قدّام المنارة تضيئ السَُرُج السبعة، ففعل هرون هكذا. إلى قدّام المنارة رفع سرجها كما أمر الرب موسى” (عدد 8: 1-3).
أما نحن القُسُس والأساقفة، فيكفينا إسم القسيس والأسقف لنجلس وننسى تمامًا وظيفة خدمتنا، وهذا هو المقصود (أي أن نكون قد اقتنينا الاسم فقط) فنُعرَف باسمنا (قسيس، أسقف) من دون الفعل. وهذا ينطبق أيضًا على الشعب، فإن مداومة أحدهم على دخول الكنيسة جعلت اسمه “ملتزِم، مداوِم[7]” فيتكبَّر ويتعجرف لأجل الإسم فقط، فلا نجده في صلوات الليل ولا يزور معنا مزارات الشهداء[8]، ويكون فقط قد صلى معنا إحدى الصلوات المسائية.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
أما إن قلتَ أنك تصلّي وترتِّل بطريقتك الخاصة، فاخرج إذًا من المدينة وتشجّع وقاوم (التيار) وتنسك متحولًا إلى (العبادة) الفلسفية. لماذا تخلط التدبيرين معًا، أعني التدبيرين الرهباني والمدني، فممارستهما ليست بمشتركة. ولطالما كنتَ في المدينة فأنتَ ملزم بالقدوم إلى الكنيسة لئلا تسيء إلى تركيبة وانسجام الأعضاء التي تُكمِّل جسد المسيح في كل حين، أي حين يجتمع المؤمنون، ولئلا تحل رِباط وحدة الروح القدس على حد قول بولس الرسول، أولم تسمعه يقول: “جسدٌ واحدٌ وروحٌ واحدٌ كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد” (أف 4: 4). ولماذا لا تفيدنا نحن أيضًا لتعطي من نفسك مثالًا بمشاهدتنا إياك. أما تظنني كنتُ أفرح أكثر منك بالصلاة الخاصة والمتميزة والتي بسكون، لكنني لا أُبلبلُ النظام، بل أعلم كيف أميّز الأماكن والأوقات، ولا ننسى ما تتطلبه الفلسفة (علم معرفة حسن التصرف ܦܝܠܣܘܦܘܬܐ ܝܕܥܬܐ ܗܝ ܕܫܦܝܪܘܬ ܕܘܒܪ̈ܐ[9]) والتوحّد، وأيضًا أعرِف ما يتطلبه تدبير المسيحيين (المؤمنين) الذين في العالم والاحتفال والاجتماع الذي في الكنيسة في كل خدمة (قومة). ولا أستطيع إلا أن أصمت حيال أولئك الذين اختاروا حياة الرهبانية من الرجال والنساء ويُخبرون ويكتبون بالرسائل والكتب: فلان اللابس المُسوح، وفلانة اللابسة المعدن (الثقيل)، وفلان الحبيس، وغاب عن ذهنهم واضع الناموس القائل: لا تدع يسارك تعلم ما تفعله يمينك (مت 6: 3).
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/various/severus-ordination-as-bishop/function-before-title.html
تقصير الرابط:
tak.la/n3r5fhk