فبكل هذا القدر نهتم للأسماء وليس للأعمال، والكل يهتم بأن يقال عنه بأنه كذا، ولا يهتم بأن يكون فعلًا ما يُقال عنه. وسبب كل هذه التي ذكرناها يعود إلى الرأس، الأسقف الذي بسببه تضررت جميع الأعضاء، فلو أهمّتني الأعمال لما اهتم الآخرون بالأسماء فقط. والآن إن دعاني أحدهم أسقفًا وليس رئيس أساقفة أو بطريركًا وجرّدني من هذين المقطعين الأخيرين (الصّفتين)(10) لتألّمتُ كمن يقطعون عن جسده الأعضاء الأساسية والأكثر أهمية لحياته، ولو كنتُ أعلم أن من يشتهي الأسقفية يشتهي الأعمال الصالحة، وأن الارتقاء (بشرف) الدرجات يعني أيضًا زيادة في الأعمال وليس تجاهلًا لدرجات الخدمة السابقة، لعرف الشماس أيضًا من كل بد إن كان أحد يشتهي الخدمة (الشماسية) فإنه يشتهي عملًا صالحًا وهكذًا أيضًا الكاهن يعلم أن كل ما هو من وقار أضيف فيما بعد والارتقاء في درجات الكهنوت لا تُجرَّد مَن يُرقَّى ولا تجعله عاريًا ومُجرّدًا من الدرجات السابقة.
![]() |
ويجب أن تضاف على كل هذه كلمة بولس “فإننا نحن الذين في الخيمة نئنُّ مثقَلين، إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها” (2 كو 5: 4). وهكذا أيضًا لا تضيع الشماسية لأننا قد لبسنا فوقها درجة الكهنوت. ولا يضيع المرتّل وينطفئ القارئ إن هو لبس درجة الشماسية. فهو كل هذه معًا، وهو مُلزم بإتمامها كلها. فلو كان يخطر ببالنا الوقوف أمام عرش المسيح المخوف وما يجب أن نعطيه من جواب عن أنفسنا لما كنا انتفخنا بالأسماء إذ ترقّينا في المجد (الدرجات)، بل بالحري كنا سننظر إلى ثقل كل واحدة منها علينا ولخلدنا الأرض واختبأنا مرتجفين خوفًا ولكنّا قد فكرنا بما سيحصل لنا يوم الدّين.
فماذا أستطيع أنا أن أفعل لئلا أبكي وأتنهّد بمرارة. إذ لم ألمس بعدُ ما هناك من أمور أمام باب الأسقفية، ولم أضع بعد رجلي على العتبة. ففيما يتعلّق بكلمتنا الأولى التي نقولها للناس، قد يقول عنا أحدهم: أننا نصرخ نحو الناس السلام لجميعكم(11) ما أعظم قوتها وكم أنا بعيد عنها، إنني لم أتخيل حتى في حلم أن على أن أجعل الجميع مسالمين يقابلون إخوتهم بهدوء وسلام، كما قال أبناء يعقوب لأخيهم يوسف “إننا مسالمون وليس عبيدك جواسيس” (تك 42: 11). وكما رتّل داؤد النبي: “ما أطول سكنى نفسي مع الذين يبغضون السلام” (مز 119: 6)، وكما قال بولس بإرشاده “اتبعوا السلام مع الجميع” (عب 12: 14) “وليملك في قلوبكم سلام الله” (كو 3: 15).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
فعلى مَن يكرز بالسلام لبيعة الله، ألا يكون فقط مسالمًا، بل وصانعًا للسلام، ليتمكن من أن يُسكن في قلوب سامعيه السلام والطمأنينة والموقف المستقيم، فهو يتخذ له من المسيح الحبر الأعظم مثالًا الذي بحسب التدبير (الإلهي) هو الوسيط بين الله والناس (1 تي 2: 5)، ذاك الذي سالم بدم صليبه، على حد قول الرسول بولس، من في السماء وعلى الأرض. أما بالنسبة للأرضيين، فإنه سالَمَ (بدمه) بين بني إسرائيل وبقية الأمم، وجعل منهما كنيسة واحدة داعيًا أبناءهما على حدّ سواء مساويًا إياهما بالمجد. وأما السماويين وخاصة بما يتعلّق بالآب السماوي فقد أرضاه (بدمه) وسالَمَ ما بينه تعالى وبين البشرية المتخاصمة التي كانت مرذولة لديه حسب عدله، واجتذب الملائكة من السماء ليسبحوا: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة(12)” (لو 2: 14). ولذلك فإنه تعالى يُبيّن بأن صانعي السلام يعتبرون ممارسين لشيء من خواصه تعالى حين قال: “طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يُدعَون” (مت 5: 9) وكأنه يقول بأنهم يتشبّهون بي. فكيف أكون أنا صانع سلام؟ كيف أسالِم الآخرين وأنا لم أدعُ نفسي أولًا لهذا؟ ولَم أسالِم بعدُ إنساني الخارجي مع إنساني الداخلي وذلك أن “الجسد يشتهي ضد الروح، وأما الروح فقد جُعِلت ضد الجسد” (غل 5: 17) فليست تلجمُه إذا ما انجرف وراء الغرق في الملذّات وإظهار الغضب ومالَ إلى كل ما يمتُّ إلى هذه الضعفات بصلة. فإين هو البطريرك في كل هذه؟ وأين هو رئيس الأساقفة؟ فلتظهر الرئاسة في حينها، ولتُسيطِر على كلّ ضعف رديء فلا تنقاد هي إلى كل هذه بعبودية، فالعبد الذي لا يستطيع أن يكون آمر نفسه كيف يستطيع أن يقود الآخرين؟
_____
(10) συλλαβασ
(11) ܫܠܡܐ ܠܟܠܟܘܢ ܡܙܥܩܝܢ ܚܢܢ
(12) ܫܦܝܪܘܬ ܨܒܝܢܐ
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/various/severus-ordination-as-bishop/role-in-reconciliation.html
تقصير الرابط:
tak.la/2prs6kn