St-Takla.org  >   books  >   pope-sheounda-iii  >   god-and-man
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الله والإنسان - البابا شنوده الثالث

14- تواضُع الله

 

الله هو الوحيد المتواضع.

لأنه الوحيد العالي جدًا، الذي لا حدود لعظمته ومجده. ومع ذلك فهو يتنازل لخليقته تواضعًا منه... أما البشر الذين هم تراب ورماد، وقبل ذلك كانوا عدمًا، فأي تواضع يتواضعونه، وعن أي مجد ينزلون؟!

لذلك حسنًا أن أحد الآباء حينما تحدث عن تواضع البشر، قال:

تواضع الإنسان هو أن يعرف نفسه.

مثلما حدث مع أبينا إبراهيم، حينما تشفع في سادوم، قال في كلامه مع الرب "شرعت أن أكلم المولى، وأنا تراب ورماد" (تك27:18)... هنا أبو الآباء عرف نفسه أنه تراب ورماد. لم ينزل من مستوى عال، وإنما عرف مستواه الحقيقي، أنه تراب، مهما أحاط به من غِنَى ومن مركز...

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

St-Takla.org Image: The humble Lord and Savior: Jesus Christ washing the feet of the disciples (John 13:1-17). صورة في موقع الأنبا تكلا: ربنا ومخلصنا المتواضع: السيد المسيح يغسل أقدام التلاميذ (يوحنا 13: 1-17).

St-Takla.org Image: The humble Lord and Savior: Jesus Christ washing the feet of the disciples (John 13:1-17).

صورة في موقع الأنبا تكلا: ربنا ومخلصنا المتواضع: السيد المسيح يغسل أقدام التلاميذ (يوحنا 13: 1-17).

من تواضع الله أنه -وهو ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ16:19)- يتنازل ويتحدث مع هذا التراب والرماد...

يتحدث كثيرًا مع موسى، حتى دُعِيَ "كليم الله". ويعطيه الفرصة أن يقضي معه أربعين يومًا على الجبل، يشرح له ويريه المثال الخاص بخيمة الاجتماع (عب5:8)، حيث قال له "بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته، هكذا تصنعونه" (خر9:25)... وما أكثر الأنبياء والرسل الذين تحدث معهم الرب، وكان هو البادئ بالكلام.

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

بل أن الرب -من تواضعه- كان يعرض بعض تدابيره على أحبائه من البشر قبل أن يتخذ قرارًا.

فقبل أن يحرق سادوم، نراه يقول "هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟! وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع أمم الأرض" (تك17:18، 18). ويسمح الرب لإبراهيم أن يحاوره، بل أن يقول له في جرأة "حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تميت البار مع الأثيم. فيكون البار كالأثيم. حاشا لك أديان الأرض كلها لا يصنع عدلًا؟!" (تك25:18). ويظل يتفاوض معه، حتى يقول له الرب: لا أهلك المدينة من أجل العشرة...

ومن تواضع الله، لما أراد أم يفنى بني إسرائيل بعد أن عبدوا العجل الذهبي، عرض الأمر أولًا على عبده موسى، وقال له "رأيت هذا الشعب، وإذا هو شعب صلب الرقبة "فالآن أتركني ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم، فأصيرك شعبًا عظيمًا" (خر9:32، 10). عجيب هو تواضع الرب في قوله لموسى "اتركني"! والعجيب أيضًا أن موسى لم يترك الرب يفعل ذلك. بل قال له "ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك. اذكر إبراهيم وإسحق وإسرائيل عبيدك...". على أن الأعجب من هذا كله، أن الرب سمع لموسى ونفذ له ما طلبه. وهكذا يقول الكتاب "فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" (خر11:32-14).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

من تواضع الرب، ليس فقط أنه تحدث مع عبيده الأنبياء، بل ما هو أكثر من هذا، تحدث مع الأطفال.

لقد تحدث مع صموئيل الطفل، وكلفه برسالة ينقلها إلى عالي الكاهن الشيخ، بينما كان صموئيل في سن لم يستطع فيه أولًا أن يميز صوت الله...!

وتحدث الرب مع أرميا الطفل. وقال له "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب" (أر5:1). ولما قال أرميا "آه يا سيد الرب. إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد"، حينئذ شجعه الرب وقواه. وقال له "انظر قد وكلتك اليوم على الشعوب وعلى الممالك. لتقلع وهدم وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس"، "هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض... فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك -يقول الرب- لأنقذك" (أر6:1-19).

حقًا، ما أعجب هذا التواضع، الذي به يتحدث الرب هكذا مع طفل...

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

أيضًا ما أعجب عمق تواضع الرب في تجسده.

إذ يقول الكتاب عنه في هذا إنه "أخلى ذاته، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في7:2، 8)

ومن تواضعه في هذا التجسد، أنه لم يأت إلى العالم محاطًا بالقوات السمائية وصفوف الملائكة، بل ولد من أم فقيرة، في مزود بقر، حيث لم يكن لهم موضع في المنزل (لو7:2)... وفي تواضعه عاش مرحلة الطفولة. وقيل عنه "وأما يسوع فكان ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو52:2). بل قيل إنه كان خاضعًا لمريم ويوسف (لو51:2).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضعه أنه هرب مع أمه ويوسف إلى مصر (مت13:2).

كان يمكنه أن يضرب هيرودس هذا فيموت، ولكنه لم يفعل، بل ذهب في هدوء إلى مصر، دون أن يقاوم الشر (مت39:5). وقضى سنوات في مصر، إلى أن مات هيرودس فرجع منها وسكن في الناصرة.

ومن تواضعه أنه عاش ما يقرب من الثلاثين سنة، لا يعرفون عنه شيئًا.

عاش في شبه اختفاء إلى أن بلغ الثلاثين، بادئًا خدمته في هذا السن خاضعًا للناموس. وكان بإمكانه في كل سنة منها أن يعمل أعمالًا عظيمة، ولكنه لم يفعل. لأن ساعته لم تكن قد أتت بعد!! (يو4:2).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضعه إنه تقدم إلى معمودية التوبة.

فعل ذلك كباقي الناس، لكي يتم كل بر (مت15:3). مع أن يوحنا استحى منه، قائلًا "أنا محتاج أن اعتمد منك، وأنت تأتي إليَّ!!" (مت14:3). ولكنه تمم المعمودية، وهو غير محتاج إلى توبة، لأنه قدوس (لو35:1). لقد فعل ذلك في اتضاع، لكي ينوب عن البشرية في هذه المعمودية.

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضعه أنه سمح للشيطان أن يجربه!!

ما كان أسهل عليه أن ينتهره فيذهب، كما فعل أخيرًا (مت10:4). ولكنه أعطى الشيطان الفرصة في اختيار نوع التجربة ومكان التجربة. وكان في كل ذلك عمق الاتضاع، حتى أن الشيطان تجاسر أن يقول له "أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (مت9:4)!!

ولم تكن هذه التجارب الثلاث التي ذكرت في إنجيل متى، وفي إنجيل لوقا (لو1:4-13) بل طوال الأربعين يومًا كلها التي في البرية كان يجرب من الشيطان (مر13:1).

بل قيل عنه في الرسالة إلى العبرانيين إنه "مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية" (عب15:4). "لأنه فيما هو قد تألم مجربًا، يقدر أن يعين المجربين" (عب18:2).

إذن تجاربه صدرت عن اتضاع، وعن حب "ليرثى لضعفاتنا (عب15:4).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

* ومن تواضعه أنه لم يكن له أين يسنِد رأسه (مت 8: 10).

بلا بيت، بلا موضِع إقامة. يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت (مت 4: 23؛ لو 13: 23). يستضيفه الناس في بيوتهم.  أما هو فليس له بيت.  أحيانًا يبيت في جبل الزيتون (يو 8: 1) -يعيش حياة الفقر والعوز- حتى أنه حينما طالبوه بأن يدفع الدرهمين، لم يكن له (مت 17: 24-27).

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من تواضع الرب أنه كان يقبل حوار معارضيه.

وما أكثر ما حدث ذلك مع الكتبة والفريسيين والصدوقين والكهنة وشيوخ الشعب. كل أولئك الذين كانوا يريدون أن يصطادوه بكلمة" (لو54:11). وهكذا وقفوا ضده كلما كان يصنع آية في يوم سبت. وبكل اتضاع كان يشرح لهم أنه يحق فعل الخير في السبوت (مت12:12). كذلك حينما سألوه في خبث "أيجوز أن تُعْطَى جزية لقيصر أم لا" (مر17:22). وبنفس الوضع حينما سأله الصدوقيون "في القيامة لمن من السبعة تكون هذه المرأة زوجة، لأنها كانت للجميع؟!" (مت28:22).

كانت كلها أسئلة تحمل خبثًا وإحراجًا. ولكنه كان يجيب عليها، بغض النظر عن الدافع السيئ للسؤال، ومحاولة السائلين أن يوقعوه في خطأ!!

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضعه أنه كان يقبل دخول ولائم الخطاة.

فلكي يرفع نفسية الخطاة التائبين، كان يقبل أن يدخل بيوتهم ويأكل معم. حتى أنهم اتهموه بأنه "أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة" (مت19:11). وكان يقول لهم "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى... لأني لم آت لأدعو أبرار بل خطاة إلى التوبة" (مت11:19-13).

حقًا، ما أعظم تواضع الرب حينما يجلس مع هؤلاء الخطاة والمرضى، وحينما دخل بيت زكا رئيس العشاريين، واحتمل انتقاد اليهود له في كيف يدخل بيت رجل خاطئ. ولكنه بكل اتضاع أجابهم: اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم. لآن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو5:19-10).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضع الرب أنه أبقى على الشيطان ولم يفنه.

على الرغم من أنه يحارب ملكوته وبإصرار. بل قبل منه طلبه مرتين أن يجرب أيوب الصديق مشتكيًا على ذلك البار (أي 2، 1).

ومن تواضع الرب أنه سمح أن يحل الشيطان من سجنه. وهو يعلم أنه سيعمل ضد ملكوته وأنه سيخرج ليضل الأمم (رؤ7:20، 8).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

ومن تواضع الرب قبوله أن يحاكم أمام مجلس السنهدريم.

وأن يشق رئيس الكهنة ثيابه ويقول عنه "قد جدف. ما حاجتنا بعد إلى شهود" (مت65:26). كذلك قبوله أن يقف في المحاكمة أمام بيلاطس الذي أرسله أيضًا إلى هيرودس فاستهزأ به!!

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

مِن تواضعه أيضًا قبوله كل آلام الصليب وإهاناته.

إنه تواضع ممزوج بالحب لأجل خلاصنا. تواضع قبل فيه صنوف التحدي والاستهزاء، مستهينًا بالخزي من أجل السرور الموضوع أمامه (عب2:12). وهذا السرور هو أن يفدينا ويكون كفارة عن خطايا كل العالم (1يو2:2).

إنه تواضع قبل فيه أن يلطم ويجلد ويبصق على وجهه، ولهذا يقول له في القداس الغريغوري "بذلت ظهرك للسياط، وخديك أهملتهما للطم" وكان هذا تحقيقًا للنبوة التي قيلت عنه في سفر أشعياء النبي "بذلت ظهري للضاربين، وخدِّي للناتِفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق" (اش6:50).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

عجيب أن الرب جعل صلبه علنًا، وقيامته وصعوده سرًا.

في تواضعه قبل أن يكون صلبه أمام جميع الناس معلقًا أمامهم على جبل الجلجثة. أمام مجد القيامة فكان سرًا لم يره أحد، بل أعلن عنه الملائكة والقبر الفارغ. وكذلك مجد الصعود لم يره سوى تلاميذه (أع9:1).

St-Takla.org                     Divider   فاصل موقع سانت تكلا دوت أورج للكنيسة المسيحية

فلنشكر هذا الرب المتواضع الذي لم يستح أن يدعونا أخوة له...

بل صار بكرًا وسط أخوة كثيرين (عب11:12-17). وقيل أن يشركنا أيضًا في ملكوته، حيث نسكن معه في أورشليم السمائية التي هي مسكن الله مع الناس (رؤ3:21). وحينئذ يتحقق وعده القائل "حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا" (يو3:14).

من نحن يا رب حتى نكون معك؟! نحن التراب والرماد المزدرى وغير الموجود (1كو28:1)؟!

إنه ليس استحقاقنا، بل هو تواضعك.

أنت المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلس مع رؤساء شعبه (1صم8:2)...

إلهنا المتواضع الذي رفض الملك، وقبل الصليب، لأنه حقًا قد ملك على خشبة... ليكن أسم الرب مباركًا من الآن وإلى الأبد. قد أعطانا صورة الله "الوديع والمتواضع القلب" (مت29:11).


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/god-and-man/humility.html

تقصير الرابط:
tak.la/6q5syhg