سؤال 761: هل ارتد بطرس والتلاميذ عن حياة الخدمة والتكريس وعادوا إلى عملهم في صيد الأسماك (يو 21: 3)؟ ولماذا احتقر يسوع تلاميذه بعد القيامة فنادى عليهم "يا غِلْمَانُ" (يو 21: 5)؟ وكيف عرف يوحنا دون بقية التلاميذ أن الواقف على الشط هو الرب (يو 21: 7)؟ وكيف كان بطرس يصطاد وهو عريان، ثم يأتَّزر بثوبه ويُلقي بنفسه في الماء (يو 21: 7)؟

ج: أولًا: هل ارتد بطرس والتلاميذ عن حياة الخدمة والتكريس وعادوا إلى عملهم في صيد الأسماك (يو 21: 3)؟
1- ليست ردة، ولكن عندما كانوا مع السيد المسيح الذي يجول يصنع خيرًا وخصص كل وقته وجهده في الكرازة والتبشير بملكوت السموات، كانوا يعيشون على تبرعات الشعب التي كانت تصب في صندوق عهدة يهوذا الإسخريوطي. أمَّا الآن فالوضع قد تبدل فالمُعلِّم صُلب وقام لم يعد يكرز بنفسه كما كان، ويهوذا أنهى حياته بالانتحار، فلم يعد هناك لا صندوق ولا تبرعات، ولا يوجد مصدر رزق آخر يعيشون منه، فمعظمهم لم يكونوا من الأثرياء، كقول يعقوب الرسول: " اسْمَعُوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ أَمَا اخْتَارَ الله فُقَرَاءَ هذَا الْعَالم أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ" (يع 2: 5)، فحسنًا فكر بطرس في الخروج للعمل, وحسنًا أن يتبعه ستة آخرون.
2- كان بولس الرسول رغم إنهماكه بالكرازة والخدمة والرعاية وتحمل المسئوليات الجسيمة كان يتحيّن الوقت ليعمل في صناعة الخيام، حتى أنه قال: " حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ" (أع 20: 34)، ومن كثرة اهتمامه بالعمل قال: " إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًًا" (2 تس 3: 10).
3- ليس هناك عيبًا في العمل، لذلك تجد الآباء الرهبان رغم أنهم قد كرسوا حياتهم للنُسك والعبادة والأصوام فإنهم يهتمون جدًا بالعمل ليجدوا ما يعيشون به من عمل أيديهم، ويتصدقون بما تبقى على الفقراء.
4- بينما عاد بطرس وزملائه لصيد السمك، فإن "متى" لم يعد إلى مكان الجباية، فإن صيد الأسماك لا يتعارض مع رسولية بطرس، بينما مكان الجباية وما يحدث فيه من تجاوزات لا يتوافق مع رسولية متى الإنجيلي.
ثانيًا: لماذا احتقر يسوع تلاميذه بعد القيامة فنادى عليهم " يَا غِلْمَانُ" (يو 21: 5)...؟ لم يحتقر يسوع تلاميذه لا قبل القيامة ولا بعد القيامة، بل أنه كان كريمًا جدًا في معاملاته معهم، حتى أنه لم يوجه كلمة لوم واحدة لبطرس الذي أنكره ثلاث مرات، ولم يوجه كلمة جارحة ليهوذا الذي سلَّمه، فرغم خيانته الشنيعة لم يصفه أبدًا بكلمة "الخائن". ثم أن كلمة " غِلْمَانُ" التي استخدمها السيد المسيح هنا هيَ تعبر عن شاب حدث، ولا تُعَبِّر عن التحقير أو الإقلال من شأن الإنسان، فرجال إبراهيم الثلثمائة والثمانية عشر الذين هزم بهم ملوكًا عظماء، قال عنهم الكتاب أنهم من " غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ" (تك 14: 14). يقول "القمص تادرس يعقوب": "غلمان باليونانية παιδία: Paidia تعبير يستخدم لمن لهم علاقة قوية مع عاطفة وحنو نحو المتحدث إليهم. الكلمة اليونانية παῖς: Pais معناها حرفيًا الأطفال الصغار أو المُحبوبون، استخدمها الإنجيلي يوحنا للابن الصغير لأحد النبلاء (يو 4: 49) وللطفل المولود حديثًا (يو 16: 21)، لكن يمكن استخدامها للبالغين، بل وتُسْتَخْدَم أحيانًا بالنسبة للجنود، هكذا تحدث السيد المسيح معهم بروح الأبوة نحو أبناء أعزاء لديه، فمع أنه بالقيامة تمتع بالجسد المُمجّد، فإن هذا المجد يُعلن بروح الحب الأبدي والحنو الفائق... كأب مملوء حنوًا يهتم حتى بطعامهم الجسدي، يشبع كل احتياجاتهم الروحية والجسدية" (480).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: كيف عرف يوحنا دون بقية التلاميذ أن الواقف على الشط هو الرب (يو 21: 7)؟ وقف يسوع على شاطئ بحيرة طبرية في الصباح الباكر وسأل الرجال الذين أمضوا الليل في الصيد، وهو العالِم بكل شيء، وهم لم يعرفونه: " يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا" (يو 21: 5) فأجابوه: "لا" واستمر الحديث، ولم يتعرفوا عليه... لماذا؟:
1- لأنهم لم يتوقعوا ظهوره لهم؟ فبعد أن أمضوا ليل صيد فاشل مما عكَر صفوهم، ولا سيما أنه لم ينادي أي منهم بِاسمه، بل عاملهم كأنهم غرباء عنه، ونادى عليهم " يَا غِلْمَانُ" فظنوه أنه مجرد عابر سبيل يسأل عن شراء أسماك.
2- بُعد المسافة بينه وبين التلاميذ مع ضعف الرؤيا في الصباح الباكر، وأيضًا انهماك التلاميذ في جمع الشباك، وقد أُنهكت قواهم طوال الليل، فلم يهتموا بالالتفات إليه والتدقيق في وجهه، وربما يكون ظَهَر وغطاء على رأسه مما جعل ملامحه غير واضحة.
3- ربما أُمسكت أعينهم عن معرفته، حتى يتعرفوا عليه بعد هذه المعجزة العظيمة، كما حدث مع تلميذي عمواس اللذان كان ينبغي أن يستوعبا درس النبوءات، ثم تعرفا عليه عند كسر الخبز، هكذا هؤلاء التلاميذ تعرفوا عليه بعد معجزة صيد السمك الكثير وتأكدوا أنه معهم دائمًا وهو المسئول عنهم يدبِّر كل احتياجاتهم.
الأمر العجيب أن التلاميذ انجذبوا إليه قبل أن يعرفونه مَنْ هو، بسبب عذوبة وحنو صوته واهتمامه بهم، حتى أنهم أطاعوه وألقوا الشباك بعد ليل صيد فاشل، لم يعترض عليه أي واحد من السبعة. ألقوا الشباك واندهشوا. وبمجرد أن أبصر يوحنا الحبيب كمية الأسماك الكبيرة التي حوتها الشباك (يو 21: 6) بعد جدب وليل صيد يتيم تعبوا فيه الليل كله ولم يصطادوا شيئًا (يو 21: 3) لاح أمام عينيه معجزة الصيد الأولى (لو 5: 6-7) فأدرك أن من يقف أمامهم هو الرب يسوع، صاحب المعجزتين الأولى والثانية. فإن يوحنا أكثر شخص أحب يسوع من التلاميذ، فبدأ للعيان أنه " التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ"، فيوحنا يُمثل المحبة الفائقة وأكثر من تحدث عن المحبة وأعلن أن " الله مَحَبَّةٌ" (1 يو 4: 16)، وللمحبة عينان ثاقبتان كعيني النسر، ترى ما لا تراه أعين الآخرين، وتتميز المحبة بحساسية يفتقر إليها الآخرون، عندما أبصر أكفان يسوع موضوعة في القبر مرّتبة " وَرَأَى فَآمَنَ" (يو 20: 8) وهنا عندما رأى معجزة صيد السمك الكثير انشقت أمام عينيه حجب الغيب وتعرَّف على يسوع بسهولة ويُسر. وأيضًا إن كان من سمات المحبة إغداق الخير على الآخرين، فإن يوحنا لم يبخل أن يغدق من معرفته على بطرس: " فَقَالَ ذلِكَ التِّلْمِيذ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ هُوَ الرَّبُّ" (يو 21: 7).
رابعًا: كيف كان بطرس يصطاد وهو عريان، ثم يأتَّزر بثوبه ويلقي بنفسه في الماء (يو 21: 7)...
1- كيف كان بطرس يصطاد وهو عريان...؟ سبق الإجابة على هذا التساؤل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم جـ9 س1139، وعهد جديد جـ 6 س532.
2- كيف يُلقي بطرس بنفسه في الماء...؟ كانت السفينة قريبة من الشاطئ والمياه تبدو أنها ضحلة، فعندما أخبر يوحنا بطرس أن الواقف على الشط هو الرب، أئتزر بثوبه وألقى بنفسه في الماء ليلتقي بيسوع سريعًا كنوع من الاعتذار وطلب الصفح والمصالحة. عندما إلتقى بطرس بيسوع منذ أكثر من ثلاث سنوات في معجزة السمك الكثير، وإذ شعر بطرس بثقل خطاياه خرَّ أمامه قائلًا: " اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ" (لو 5: 8) فكم وكم الآن بعد أن أنكره ولعن الاسم المُبارك، كم يشعر بثقل آثامه، لذلك لم يحتمل نفسه عندما عرف أنه الرب، بل سريعًا ما أئتزر ثوبه ليستر عريه وأسرع ليلتقي بيسوع يُقدِّم أسفه واعتذاره دون أن يتفوه بكلمة واحدة. من الجانب الآخر فإن السيد المسيح لم يوجه له كلمة لوم أو تقريع واحدة، ربما فوجئ بطرس فإن المُعلِّم قد أعدّ لهم "جمْرًا مَوْضُوعًا وَسَمَكًا مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَخُبْزًا" (يو 21: 9) ولعل لاح أمامه منظر الجمر في قصر حنان وقيافا الذي اصطلى عليه منذ عدة أيام، وشتان بين جمر يسوع وجمر قيافا، فإن جمر قيافا قاد بطرس للهلع والانكار أما جمر يسوع فإنه قدم له سمكًا مشويًا في وليمة أعدها الرب لأحبائه.
_____
(480) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1281.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/761.html
تقصير الرابط:
tak.la/7h28jxj