سؤال 762: هل يُعقَل أن التلاميذ وهم يقفون مُندهشين أمام إنسان عاد من الموت بعد ثلاثة أيام يشغلون أنفسهم بصيد الأسماك الكثيرة (يو 21: 11)؟ وهل العدد (153) له دلالة معينة؟ وكيف يقول يوحنا: "هذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ" (يو 21: 14) مع أنه ظهر بعد قيامته أكثر من مرتين قبل هذا الظهور؟ وما الداعي أن يسأل السيد المسيح بطرس نفس السؤال ثلاث مرات (يو 21: 15-17)؟ وهل هناك فرق بين كلمة " أَتُحِبُّنِي" وكلمة " أُحِبُّكَ" في الأصل اليوناني؟

ج: هل يُعقَل أن التلاميذ وهم يقفون مُندهشين أمام إنسان عاد من الموت بعد ثلاثة أيام يشغلون أنفسهم بصيد الأسماك الكثيرة (يو 21: 11)...؟
1- عندما ظهر السيد المسيح بعد موته للتلاميذ أول مرة: " فَجَزِعُوا وَخَافُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي... وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين..." (لو 24: 37-42). أما في هذا الظهور على بحر طبرية فلم يُفاجئ التلاميذ بقيامته، بل كانت حقيقة القيامة قد تأكدت تمامًا واستقرت في وجدانهم بعد أن ظهر لهم أكثر من مرة، كما ظهر لآخرين. فلا مجال للجزع والخوف والدهشة، إنما تقبلوا ظهوره بأريحية لأنه ظهر من قبل مرارًا.
2- معاملة السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة ببساطة وسلاسة وتواضع كثير أذهبت عنهم كل دهشة وخوف وتعجب. انظر فقد خرجوا من المركب ليجدوا الرب يسوع قد أعدَّ لهم مائدة الطعام الطازج، فجلسوا معه يأكلون ويتحادثون.
3- إحصاء عدد الأسماك لا يحتاج لجهد، فقد اعتاد الصيادون المشتركون في الصيد أن يقسموا السمك فيما بينهم، فوضعوا سبعة أوعية بعددهم وفيما هم يفرغون الشباك يضعون في كل وعاء سمكة، فوضعوا في كل منها 21 سمكة كبيرة بإجمالي 7 × 21 = 147، وتبقى لديهم (6) سمكات فعلموا أن الإجمالي كله 153 سمكة كبيرة.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: هل العدد (153) له دلالة بعينه...؟ معجزة صيد السمك الكثير في الحقيقة هيَ معجزة مركبة شملت عدة معجزات:
أ- معجزة صيد السمك الكثير.
ب- عدم تخرُّق الشباك.
جـ- الجمر المُشتعل بالنار.
د- توافر الخبز والسمك المشوي.
وتعددت آراء المُفسرين في دلالة رقم (153)، فقال البعض أن هذا الرقم يحوي 3 + 50 + 100 تشير (3) للثالوث القدوس، ورقم (50) يشير إلى سنة اليوبيل ونوال الحرية وأيضًا عيد حلول الروح القدس في عيد الخمسين، ورقم (100) يشير إلى قطيع المسيح (مائة خروف)، فرقم (153) يشير إلى قطيع المسيح، الذين نالوا نعمة الروح القدس، وتلامسوا مع عمل الثالوث القدوس. ونورد هنا رأي القديس كيرلس الكبير، ورأي القديس أوغسطينوس:
1- القديس كيرلس الكبير: قال أن رقم (100) يشير للأمم، ورقم (50) يشير لليهود، و(3) إشارة للثالوث، فرقم (153) يشير لجميع المؤمنون من أمم ويهود يؤمنون بالثالوث القدوس.
2- القديس أغسطينوس: قال لو جمعنا الوصايا العشر بالإضافة إلى مواهب الروح القدس السبع 10 + 7 = 17. فالرقم 153 هو محصلة جمع الأرقام من 1 إلى 17.
أي 1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 + 8 + 9 + 10 + 11 + 12 + 13 + 14 + 15 + 16 + 17 = 153.
وجاء في "القاموس الموسوعي للعهد الجديد": "يعتبر جمع 153 مسجلة في (يو 21: 11) موضوع آخر للجدال، فقد اختارت العديد من كنائس الآباء التفسير الرمزي للرمز... لكن ربما من الأفضل أن نأخذ الرقم حرفيًا، لاقتراح المصادر القديمة أن عملية عد السمك كانت تتم لتقسيمه بين الصيادين المُشاركين في عملية الصيد. لاحظ أن يوحنا يُعطي أرقام محددة في أماكن أخرى حيث من غير اللازم البحث عن معنى رمزي [ مثل عدد (46) سنة في (يو 2: 20)، و(5) أروقة في (يو 5: 2)، و(38) سنة في (يو 5: 5) ]" (481).
ثالثًا: كيف يقول يوحنا: "هذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ" (يو 21: 14) بينما ظهوراته من قبل تعددت أكثر من مرتين...؟ قال يوحنا الحبيب: "هذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ بَعْدَمَا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ" (يو 21: 14) فحدَّد هنا وحصر ظهورات السيد المسيح لتلاميذه، وليس ظهوراته في مجملها، فلا يدخل في نطاق هذه الظهورات ظهوراته لمريم لمجدلية ومريم الأخرى، وبطرس، ولتلميذي عمواس، ويعقوب، ولخمسمائة أخ ... إنما كما هو واضح وضوح النهار من النص ومن نفس الآية أنه يتحدث عن ظهوراته لتلاميذه، فقد خصَّ بالذكر ظهور السيد المسيح للتلاميذ في العلية بأورشليم، والأبواب مُغلَّقة، ولم يكن توما معهم في عشية يوم قيامته، هذه هيَ المرة الأولى، والثانية في الأحد الثاني للتلاميذ ومعهم توما، وهذه هيَ المرة الثالثة إذ إلتقى بهم على شاطئ بحيرة طبرية في الجليل في وضح النهار.
رابعًا: ما الداعي أن يسأل السيد المسيح بطرس نفس السؤال ثلاث مرات (يو 21 : 15-17)؟ وهل هناك فرق بين كلمة "أتحبني" وكلمة "أحبك" في الأصل اليوناني...؟
1- بسؤال السيد المسيح الثلاثي لبطرس: " أَتُحِبُّنِي..." قد شفى جراحات بطرس الذي أنكر سيده ثلاث مرات. لقد منحه المُعلِّم الفرصة ثلاث مرات ليؤكد على محبته له. في هذا اللقاء أخذ السيد المسيح يُشكّل من بطرس الشخصية القيادية الهامة. فبعد أن تعثَّر في الطريق للملكوت، يُقيمه سيده من سقطته، ويُعيده إلى رتبته، ويُعالج جروحه العميقة، ويُعيد له الثقة بالنعمة الإلهيَّة، ويُقيمه خادمًا مُميَّزًا في الكنيسة الأولى، حتى أنه بعظة واحدة يربح ثلاثة آلاف نفس للملكوت... ياللعجب!! يقول "الأب أندره سكريما" عن إنكار بطرس رسول المسيح له: " إن أثر جحوده الثلاثي الصائر بحريته الكاملة ليلة القبض على يسوع لا يزال باقيًا، وكان لا بد أن يُمحى فيعمد يسوع إلى فتح الحوار ليساعد التلميذ المُذنب على أن يحكي عن نفسه... (يو 21: 15-17)... نرى محبة يسوع لخاصته تدفعه إلى مبادرة الحنان الشخصية هذه نحو سمعان بطرس العزيز عليه لاستعادته إلى الشركة الكاملة، شركة الذين أصبحوا الآن مختومين بختم القيامة. ومن البديهي أن تأكيد بطرس ثلوثًا محبته ليسوع يُمحي جحداته الثلاث واحدة فواحدة" (482). وسؤال السيد المسيح لبطرس: " أَتُحِبُّنِي" أكثر من محبة هؤلاء لي، وإذ تعلَّم بطرس درس الاتضاع أجاب " نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ" (يو 21: 15).
2- في سؤال السيد المسيح لبطرس " أَتُحِبُّنِي" استخدم الكلمة اليونانية ἀγάπη: agape "أغابي"، بينما في إجابة بطرس " أُحِبُّكَ" استخدم من قبيل التواضع الكلمة اليونانية φιλέω: phileo "فيليو" التي تعبر عن المحبة الأخوية الطبيعية التلقائية التي تُسْتَخْدَم للتعبير عن المحبة السائدة بين الإخوة وبين الأصدقاء. أما كلمة "أغابي" فهيَ تحمل معنى أشمل وأعمق، هيَ محبة الفكر والعقل والإرادة أكثر من المحبة القلبية ومحبة العواطف، فهيَ المحبة التي تشمل الجميع حتى الأعداء، المحبة التي تجعل الإنسان مُستعدًا أن يموت من أجل أعدائه، أنها المحبة التي قدمها الآب بابنه يسوع المسيح للبشرية: " وَلكِنَّ الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا... لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ الله بِمَوْتِ ابْنِهِ" (رو 5: 8، 10). هذه المحبة (الأغابي) هيَ بذرة لا تذرع في القلب إلاَّ من خلال الابن يسوع المسيح، وهيَ تُعد ثمرة من ثمار الروح القدس: " لأَنَّ مَحَبَّةَ الله قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رو 5: 5). الأغابي أن تحب الخير للجميع (رو 15: 2؛ غل 6: 10)، ولا تصنع شرا مع أحد: " اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ" (رو 13: 10) والقريب هو كل إنسان يحتاج للمعونة مثلما رأينا في السامري الصالح، حتى لو كان عدوًا. الأغابي هيَ الطريق لحياة الكمال: " الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ" (كو 3: 14) (للمزيد راجع الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية جـ 5 إنجيل يوحنا ص372، 373، وأيضًا أ. ج. ماكلاود - تفسير الكتاب المقدَّس - مركز المطبوعات المسيحية جـ 2 س298، وكذلك فرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص5-7).
يقول "دكتور وليم إدي": " أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ... أظهر بطرس بهذا الجواب المحبة والتواضع، لأنه صرّح بمحبته دون أن يدَّعي زيادتها على محبة سائر إخوته له، واستشهد بعلم المسيح بذلك. فكأنه قال: نعم، أن عملي يدل على أني لا أحبك لكنك أنت تعلم ما في قلبي من المحبة لك، وأظهر تواضعه بأمرين: (1) عدم إدعائه زيادة محبته للمسيح على محبة غيره من الرسل له. (2) نوع المحبة التي صرَّح بها، لأن سؤال المسيح: "أَتُحِبُّنِي؟" في اليونانية غير جواب بطرس. فالكلمة الأولى تتضمن أعظم المحبة، كمحبة الملائكة والقديسين في السماء للَّه فلم يدَّع بطرس أنه محبته (فيليو) تستحق أن تُحسب كتلك المحبة (أغابي)، وبيَّن أنها كمحبة الصديق للصديق" (483).
_____
(481) فيرلين د. ميردوج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد - المفردات اللاهوتية، ص83.
(482) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص128، 129.
(483) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص222.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/762.html
تقصير الرابط:
tak.la/cm7ra2c