سؤال 759: هل أخذ التلاميذ الروح القدس عندما نفخ السيد المسيح في وجوههم (يو 20: 22)، أم في يوم الخمسين عندما حلَّ عليهم الروح كألسنة نار وهبوب ريح عاصف (أع 2: 2-4)؟ وكيف يُعطي السيد المسيح سلطان مغفرة الخطايا للتلاميذ (يو 20: 23) مع أن غافر الخطايا هو الله، وما العمل عندما يُساء استخدام سلطان الحِل والربط؟ وكيف سجل يوحنا الرسول ذلك الموقف المُخزي لصديقه توما (يو 20: 25) الأمر الذي تغاضت عنه بقية الأناجيل؟ وهل عندما هتف توما: "ربِّي وَإِلهِي" (يو 20: 28) استخدمها كأداة للتعجب، أو أنه كان يقصد أي إله وأي رب (1 كو 8: 5)؟

ج: أولًا: هل أخذ التلاميذ الروح القدس عندما نفخ السيد المسيح في وجوههم (يو 20: 22)، أم في يوم الخمسين عندما حلَّ عليهم الروح كألسنة نار وهبوب ريح عاصف (أع 2: 2-4)...؟ قبل الصلب وعد السيد المسيح تلاميذه بأن يُرسِل لهم الروح القدس (يو 14: 16-17؛ 15: 26)، وحلول الروح القدس كان مرتبطًا بالصليب والقيامة: " لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يو 7: 39)... " لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي" (يو 16: 7)، وبعد القيامة المقدَّسة وقبل الصعود وعندما ظهر السيد المسيح للتلاميذ نفخ في وجوههم ليقبلوا موهبة الروح القدس الخاصة بسر الكهنوت: " وَقَالَ لَهُمُ اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو 20: 22-23)، وقال البعض أن كلمة " الرُّوحَ الْقُدُسَ" في هذه الآية جاءت في الأصل اليوناني بدون أداة تعريف، أي "روح قدس". والمقصود بها مواهب الروح القدس، بينما يرى البعض أن " الرُّوحَ الْقُدُسَ" قد وردت في مواضع أخرى بدون أداة التعريف مع أنها تشير للروح القدس وليس لمواهب الروح، مثلما جاء في سفر الأعمال: " وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا" (أع 2: 4) فأنها تتحدث عن الروح القدس وليس مواهبه.
على كلٍ ما معنى هذه النفخة...؟ فعل "نفخ" الوارد هنا لم يرد في العهد الجديد إلاَّ في هذه الآية، بينما نجده في الترجمة السبعينية للعهد القديم، ففي سفر التكوين نفخ الرب الإله في أنف آدم، رأس الخليقة القديمة، نسمة حياة: " جَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً" (تك 2: 7)، وهكذا نفخ اللَّه المُتجسد ربنا يسوع المسيح في وجوه تلاميذه، وهم باكورة الخليقة الجديدة، قوة وموهبة روحه القدس لمغفرة الخطايا. ونفس الفعل "نفخ" نجده أيضًا في سفر حزقيال: " وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ... وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ" (حز 36: 26-27)، وهذا ما حدث أيضًا في سفر حزقيال عندما تقاربت عظام الموتى ودخل (نُفخ) الروح فيها فحييت (حز 37: 9)، وهكذا عندما نفخ السيد المسيح في وجوه تلاميذه وشق الخليقة الجديدة، ومنح لتلاميذه موهبة الروح القدس لمغفرة الخطايا. فالتلاميذ يُمثلون امتداد لإرسالية الابن نفسه، وكما أرسل الآب الابن هكذا أرسل الابن تلاميذه، وكما كان الابن يغفر الخطايا وهو على الأرض أعطى تلاميذه أن يغفروا الخطايا بِاسمه، فهم وكلاء سرائر اللَّه. يقول "متى هنري": " العلامة التي استخدمها "نفخ" ليس فقط لكي يبين لهم بنسمة الحياة أنه حي، بل ليعرفهم أيضًا الحياة الروحية والقوة التي يجب أن يستمدوها منه. وكما أن "نسمة القدير" وهبت الحياة للإنسان وبدأت العالم القديم (عند خلقة آدم)، هكذا أيضًا نسمة المُخلِّص القدير أعطت حياة لخُدَّامه وبدأت عالمًا جديدًا" (466).
أمَّا في يوم الخمسين فقد تحقَّقت الوعود إذ حلَّ الروح القدس على المجتمعين: " وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع 2: 2-4)، وأقنوم الروح القدس غير المحدود مالئ كل مكان وزمان، وقبل أن يحل على التلاميذ في يوم الخمسين كان معهم، لذلك قال لهم السيد المسيح عن الروح القدس: " وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ" (يو 14: 17). وتساءل البعض هل توما لم يأخذ مواهب الروح القدس من خلال سر الكهنوت، لأنه لم يكن حاضرًا معهم؟ (يو 20: 24) وهذا يُذكرنا بحادثة مماثلة في العهد القديم عندما أخذ الروح من الروح الذي على موسى وجعل على السبعين شيخًا المختارين لمعاونة موسى، وكان منهما الداد ومداد اللذان لم يحضروا ذلك الحدث ومع ذلك: " فَحَلَّ عَلَيْهِمَا الرُّوحُ. وَكَانَا مِنَ الْمَكْتُوبِينَ لكِنَّهُمَا لَمْ يَخْرُجَا إِلَى الْخَيْمَةِ فَتَنَبَّآ فِي الْمَحَلَّةِ" (عد 11: 26). الروح القدس غير محدود ولا يمكن أن نحده بمكان مُعيَن، لذلك رغم غياب توما عن العلية ولكنه أخذ نفس السلطان الذي ناله التلاميذ، سلطان الحِل والربط، وهكذا حدث مع متياس الرسول الذي أُختير بدلًا من يهوذا الإسخريوطي. فالروح القدس لا يُعطى بكيل ولا مقياس " لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي الله الرُّوحَ" (يو 3: 34) إذًا توما ومتياس اللذان لم يحضرا الحدث نالا نفس السلطان بالسوية مع بقية التلاميذ.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: كيف يُعطي السيد المسيح سلطان مغفرة الخطايا للتلاميذ (يو 20: 23) مع أن غافر الخطايا هو الله، وما العمل عندما يُساء استخدام سلطان الحِل والربط...؟ نعم اللَّه هو غافر الخطايا وحده، أمَّا الآباء الرسل فهم وكلاء سرائر اللَّه، فاللَّه هو الذي يغفر الخطايا والأب الكاهن يُعلن هذه المغفرة للإنسان التائب، ويُصلِّي لكيما يحل اللَّه هذا الإنسان من رباطات عبودية الخطية. قال بولس الرسول: " هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ الله" (1 كو 4: 1)... " لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللَّهِ" (تي 1: 7) (راجع 1 بط 4: 10). أما عن أمانة الوكيل فقال السيد المسيح: " فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا" (لو 12: 42). الوكيل له الحق في التصرف بِاسم السيد، ونيابة عنه، وكأنه هو السيد في دائرة اختصاصه التي أُوكل عليها. عندما كان السيد المسيح على الأرض كان يغفر الخطايا وأعلن هذا عدة مرات رغم تزمر الكثيرين. غفر للمفلوج (مت 9: 2) وللمرأة الخاطئة (لو 7: 48) وغيرهما. وقبل أن يصعد إلى سماه أودع رُسله الأطهار وخلفائهم هذا السلطان، يُمارسونه فيما يتوافق مع كلمة اللَّه في الأسفار المقدَّسة، ورجل الإكليروس أمين على هذا السِر المُقدَّس، فإن أساء استخدام هذا السلطان فإنه يتعرَّض للعقوبة التي تصل إلى حد التجريد من رتبته وربما الطرد خارج الكنيسة وخضوعه للتأديب، وإذا حللَّ ما يجب تحريمه، فمثلًا بمنح الحِل للسارق أو الزاني غير التائب والمُتمسك بخطيته، فقوله لا يصبح نافذًا، فبينما يحلّل الخاطئ غير التائب فإن السماء لا تصغى له، بل تظل خطاياه بلا مغفرة طالما أنه لم يقدم عليها ويتب عنها.
ويقول "القديس كيرلس الكبير": " الله الحي وحده هو القادر أن يمنح الخطاة غفران الخطايا... ولكننا نستطيع أن نُدرك معنى النص بالمقارنة بالأمور البشرية مع الاحتفاظ بالفوارق. الذين ينظرون أحكام وقوانين ملوك الأرض أو يلغون قراراتهم هم الذين نالوا المقام والكرامة الملوكية. وقياسًا على هذا، بأي كيفية وأي معنى أعطى المُخلِّص لرسله الكرامة اللائقة باللَّه وحده؟ الكلمة الذي من الآب لا يُمكنه أن يُخطئ وما يفعله إنما يفعله بكل صلاح فهو الذي دبر أن الذين مُنحوا الروح القدس، وهو الرب واللَّه، تصبح لهم القوة على أن يغفروا ويمسكوا الخطايا لأن الروح القدس الساكن فيهم هو الذي يغفر ويمسك، حسب إرادته رغم أن العمل يتم بوسيلة بشرية. والذين لهم روح الرب يغفرون أو يمسكون الخطايا بطريقتين:
أولًا: أنهم يدعون الناس للمعمودية، والذين يستحقون المعمودية بسبب التوبة ونقاوة حياتهم بعد اختبار إلتصاقهم بالإيمان ينالون المغفرة ولكن في نفس الوقت يمنعون بل يطردون الذين لا يستحقون هذه النعمة الإلهيَّة وهكذا يمسكون الخطايا.
ثانيًا: أنهم يغفرون الخطايا أو يمسكونها عندما ينتهرون أبناء الكنيسة الذين يخطئون، ويمنعون الصلح (الصفح) عمن لا يتوب، كما فعل بولس عندما سلَّم الذي زنى في كورنثوس لهلاك الجسد لكي تخلص الروح (1 كو 5: 5) وبعد ذلك أعاده إلى الشركة لكي لا يُبتلع من فرط الحزن (2 كو 2: 7)" (467).
ثالثًا: كيف سجل يوحنا الرسول ذلك الموقف المخزي لصديقه توما (يو 20: 25) الأمر الذي تغاضت عنه بقية الأناجيل...؟
1- يوحنا الرسول هو الوحيد الذي انفرد بذكر قصة شك توما، وعندما سجل هذا الحدث كان القديس توما الرسول قد استشهد، فسجل الحدث لفائدتنا، لتظل عبارة يسوع الخالدة: " طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو 20: 29) نبراسًا للأجيال. وليس هذا الحدث فقط الذي انفرد بذكره يوحنا الحبيب، بل هناك نحو 90% مما جاء في إنجيله لم يُذكر في الأناجيل الإزائية.
2- تعودنا من الكتاب المقدَّس الصراحة التامة، فهو يذكر الأحداث بحلوها ومرها بلا مواربة وبدون تجميل. ألم يذكر خطايا الأنبياء ورجال اللَّه...؟ ألم يذكر خيانة يهوذا الإسخريوطي وإنكار بطرس، وشك بقية التلاميذ: " قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ" (مت 26: 31)؟ ألم يذكر أن هناك من شك في قيامته غير توما: " وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا" (مت 28: 17). " أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ" (مر 16: 14)؟!! نحن نتعلم من تقوى رجال اللَّه وفضائلهم، وأيضًا نتعلم من ضعفاتهم وسقطاتهم، وليس مولود امرأة بلا خطية إلاَّ يسوع المسيح وحده.
3- كان توما مُحبًا ومُخلصًا لمُعلِّمه، على قدر كبير من الشجاعة، حتى أن السيد المسيح عندما كان مُزمعًا أن يذهب إلى بيت عنيا والأخطار تهدده، قال قولته الشهيرة: " لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" (يو 11: 16). ولكن بعد أن جرى ما جرى، وبعد أن رأى توما وسمع، وصُلب يسوع ومات، وكُفن، ودُفن، وقام حراس أشداء يحرسون قبره، فكيف يقوم؟! لو قام سيقتلونه ثانية. يقول "الأب متى المسكين": " إن أهوال الصلبوت ضيَّعت من عقل توما كل معقولية الحياة من بعد الموت، لقد أصابت المسامير فكر توما بأكثر مما أصابت به يد الفادي. الفادي قام بيديه في ملء الحركة والحياة، وفكر توما تسمَّر بالموت وبقى بلا حراك"(468). فكم كان حزن توما، حتى أنه فارق الجماعة إلى حين وإنسل بعيدًا يجتر أحزانه وآلامه وتعاسته؟! كانت روحه مُحبطة وغاضبة، فعندما أخبره الرسل أن يسوع قام لم يُصدقهم، لم يُصدق الرسل العشرة ولا المجدلية ولا المريمات: " فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ" (يو 20: 25). لقد اعتاد توما أن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، فطلب الدليل الملموس المحسوس لكي يصدق ويثق ويؤمن. فهو لا يعرف أن يرائي أو يداري، وتنازل السيد المسيح وعالج شك توما برؤية العيان، فلم يحتمل توما، إنما صرخ "رَبِّي وَإِلهِي". يقول "وليم باركلي": " لا حل وسط عند "توما"، فأما أن يؤمن أو لا يؤمن على الإطلاق، وإن آمن فهو يصل في إيمانه إلى أبعد الحدود، أنه لا يمسك بالعصا من وسطها، وإذا كان يتمسك بالشك ففي سبيل أن يصل إلى أقصى اليقين. ومتى وصل إليه، أسلم نفسه وكيانه وعقله في فرحة هذا اليقين المبارك" (469).
جاء في "التفسير التطبيقي": " فبرغم شك توما فإنه ظل أمينًا ووفيًا للمؤمنين وليسوع ذاته... أن توما الذي كثيرًا ما ندعوه "توما المتشكّك" يستحق الاحترام لإيمانه، كان توما شكَّاكًا، لكن شكوكه كانت بقصد أن يعرف الحقيقة... ولم يتمسك توما بشكوكه ويتشبث بها بل آمن بفرح عندما زالت شكوكه. لقد عبَّر توما عن شكوكه تمامًا ونال إجابة كاملة عنها، فكان التشكك هو وسيلته الوحيدة للاستجابة، وليس طريقة أو أسلوبًا للحياة..." (470).
4- لتوما يرجع الفضل في أنه أكد لنا أن جسد يسوع الذي صُلب هو الذي قام من بين الأموات. يقول "القديس كيرلس الكبير": " فهو يكشف لهم عن جنبه الجريح ويريهم آثار المسامير، وهكذا أعطانا البرهان الكامل أنه قد قام بجسده أي هيكله الذي عُلِق على الصليب، وأنه أعاد إلى الحياة ذلك الجسد الذي لبسه. وبذلك سُحق الموت الذي كانت له القدرة على كل الأجساد... ولماذا احتاج أن يُريهم يديه وجنبه؟ الأهمية القصوى لاقناعهم وإيمانهم بقيام جسده. ورغم أن الوقت كان مناسبًا جدًا أن يغير جسده إلى شكل وجمال فائق يناسب القيامة إلاَّ أنه قرر حسب تدبيره وعنايته أن يُظهِر جسده بشكله كما كان منذ البداية لكي لا يتصوَّر أحد أنه يلبس شكلًا آخر غير ذلك الشكل الذي صُلب به. كما أن عيوننا لم تكن لتستطيع أن تحتمل مجد الجسد المقدَّس... لذلك كان مناسبًا جدًا ألاَّ يغيّر ربنا يسوع المسيح هيئة جسده إلى الجمال الفائق المناسب للقيامة، بل يظهر بشكله المعروف لديهم لكي لا يعتقد أحد أن جسده الذي أخذه من العذراء والذي صُلب ومات حسب الكتب، لم يقم. أو أنه أخذ جسدًا آخر في القيامة... ولو أن جسده الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟!" (471).
5- تساءل البعض: هل لمس توما جراحات المسيح أم اكتفى برؤية المسيح حيًا أمامه...؟ قال السيد المسيح لتوما: " لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَاتُومَا آمَنتَ" ولم يقل له "لأنك لمست آثار جراحاتي آمنت" وهذا يوضح أن توما آمن بمجرد أن رأى السيد المسيح قائمًا أمامه بجسده وصوته وحلو حديثه، فلم يعد محتاجًا للمس آثار الجراحات وطعنة الحربة، وإن كان قد لمس فعلًا فذلك ليس لكي يؤمن ولكن طاعة لأمر سيده: " قَالَ لِتُومَا هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي" (يو 20: 27). يقول "القمص تادرس يعقوب": " لم يكن توما شكَّاكًا بالصورة التي ظنها في نفسه، فأنه ما أن رأى الرب أمامه وسمع صوته حتى شعر بعدم الحاجة إلى لمس جراحات سيده، وأعلن في الحال إيمانه به، صارخًا: "ربِّي وَإِلهِي". لعل مجرد رؤيته لسيده سحبت قلبه للعالِم بكل شيء، فأعلن له ما قاله للتلاميذ بأنه لن يؤمن ما لم يملس جراحاته... اختلفت الآراء، فالبعض يرى أن توما أعلن إيمانه ولم يلمس جراحات السيد، وآخرون يرون أنه أعلن إيمانه فعلًا، وفي طاعة لسيده لمس جراحاته، وإن كان لم يعد محتاجًا إلى ذلك لكي يؤمن" (472).
رابعًا: هل عندما هتف توما " ربِّي وَإِلهِي" استخدمها كأداة للتعجب، أو أنه كان يقصد أي إله وأي رب (1 كو 8: 5)...؟ عندما هتف توما " رَبّي وَإِلهِي" لم يقصد أن تعبر عن تعجبه، كما يقول البعض "Oh my God" لأن السيد المسيح العالِم بخبايا القلوب أوضح أن الأمر يتعلق بالإيمان وليس بالتعجب، ولذلك: " قَالَ لَهُ يَسُوعُ لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ. طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو 20: 29). وأيضًا لم يقصد توما أي رب وأي إله كقول بولس الرسول: " يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ" (1 كو 8: 5). يقول "القديس كيرلس الكبير": " أن توما حينما يقول "ربِّي وَإِلهِي" فهو يستعمل أداة التعريف (في الأصل اليوناني) أي ليبين بذلك أنه يوجد رب واحد وإله واحد. فهو لا يقول "ربِّي وَإِلهِي" بدون أداة التعريف، لكي لا يدع أحدًا يتخيل أنه يدعوه رب وإله كما يدعو أي واحد منا أو من الملائكة القديسين، وذلك على اعتبار أنه: " يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ" في السماء وعلى الأرض، بالمعنى الذي أشار إليه بولس الحكيم (انظر 1 كو 8: 5)، ولكن توما يعترف أنه بالحري بمعنى خاص، بأنه الرب الواحد، والإله الواحد، المولود من الآب، وأنه بالطبيعة الرب والأله، حينما يقول " رَبِّي وَإِلهِي"..." (473).
_____
(466) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس جـ 1 - الأناجيل الأربعة، ص787.
(467) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص510.
(468) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1303.
(469) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص548، 549.
(470) التفسير التطبيقي، ص2243، 2245.
(471) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص501.
(472) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1267، 1268.
(473) ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص518، 519.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/759.html
تقصير الرابط:
tak.la/9admjj5