St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

749- كيف استطاع يوحنا الرسول أن يتذكَّر الصلاة الوداعية بمفرداتها (يو 17: 1-26) بعد أن سمعها مرة واحدة منذ أكثر من نصف قرن؟ وهل قول السيد المسيح: " أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَك" (يو 17: 3) تنفي عن يسوع المسيح الألوهية؟ وهل إضافته: " وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" تعني أن معرفة الإله الحقيقي وحده لا تكفي للخلاص؟ وعندما طلب السيد المسيح من الآب قائلاً: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ" (يو 17: 5) هل هذا يعني أن الابن لم يكن مُمجداً منذ الأزل؟ وهل اسم اللَّه لم يكن ظاهراً من قبل حتى أن السيد المسيح يقول: " أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ" (يو 17: 6)؟ وهل معنى قوله: "كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي" (يو 17: 6)؟ أنهم لم يعودوا بعد للآب؟

 

سؤال 749: كيف استطاع يوحنا الرسول أن يتذكَّر الصلاة الوداعية بمفرداتها (يو 17: 1-26) بعد أن سمعها مرة واحدة منذ أكثر من نصف قرن؟ وهل قول السيد المسيح: " أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَك" (يو 17: 3) تنفي عن يسوع المسيح الألوهية؟ وهل إضافته: " وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" تعني أن معرفة الإله الحقيقي وحده لا تكفي للخلاص؟ وعندما طلب السيد المسيح من الآب قائلًا: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ" (يو 17: 5) هل هذا يعني أن الابن لم يكن مُمجدًا منذ الأزل؟ وهل اسم اللَّه لم يكن ظاهرًا من قبل حتى أن السيد المسيح يقول: " أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ" (يو 17: 6)؟ وهل معنى قوله: "كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي" (يو 17: 6)؟ أنهم لم يعودوا بعد للآب؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: كيف استطاع يوحنا الرسول أن يتذكَّر الصلاة الوداعية بمفرداتها (يو 17: 1-26) بعد أن سمعها مرة واحدة منذ أكثر من نصف قرن...؟ على الأرجح صلى السيد المسيح هذه الصلاة الوداعية في العلية قبل أن يذهب إلى بستان جثسيماني: " قَالَ يَسُوعُ هذَا وَخَرَجَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ..." (يو 18: 1). وكان يوحنا الحبيب هو أقرب التلاميذ للمعلم، ولا بد أنه تأثر جدًا بهذه الصلاة، وسكب نفسه مع مُعلمه في هذه الصلاة الحارة. يقول "القديس كيرلس الكبير": "وبعد ما أعطى (السيد المسيح) تلاميذه كل التعاليم فيما يختص بالخلاص، وأكمل معرفتهم وهيأهم لمواجهة التجارب، نقل الحديث إلى صلاة" (409). لقد أصغى يوحنا الحبيب لهذه الصلاة بكل جوارحه، وعندما ثارت الشكوك حول ألوهية المسيح بعد أكثر من نصف قرن طفت هذه الصلاة التي تكشف عن ألوهة المسيح على سطح ذاكرة يوحنا فسجلها، وأيضًا لا نغفل دور الروح القدس في هذا العمل الإنجيلي، فهذه الأسفار القانونية هيَ ثمرة عمل مشترك إلهي وبشري، وقد وعد السيد المسيح تلاميذه قائلًا: " وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 14: 26) فهل نستكثر على روح اللَّه القدوس أن يُذكّر يوحنا بما كان، ويُعلق "الأب متى المسكين" على كتابة يوحنا الحبيب لسفر الرؤيا فيقول: "معروف جيدًا وسُجَّل في سفر الرؤيا أن طبيعة القديس يوحنا طبيعة رؤيوية، أي أن روحه حرة تستطيع في أي وقت أن تدخل في مجال الروح لترى حوادث في غاية من الدقة والتسلسل والخطورة، وتسمع حديثًا حدث أو سيحدث سيَّان، بل وتسمع حوارًا دراميًا حزينًا بين أرواح الذين قتلوا وبين المسيح، وأُعطي للقديس يوحنا أن يعي بالروح ويفهم ويتذكر ويُسجل بعد ذلك كل ما سمع بالحرف الواحد، وأن يصف ما رأى بمنتهى الدقة دون أن يزيد أو يُنقِص، رغمًا عن أن ما رأى يفوق العقل والوصف"(410). فهل نستكثر على من سجل لنا سفر الرؤيا أن يُسجل لنا الصلاة الوداعية؟!! قال بولس الرسول: " وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل 1: 11-12)، فسواء يوحنا أو بولس أو بقية كتَّاب الأسفار المقدَّسة، فجميعهم كتبوا بموجب الإعلان الفائق: " أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ... الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ... كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ" (أف 3: 3-5).

قال "حبيب سعيد" عن هذه الصلاة وما سبقها من حديث وداعي: "ويسمو إنجيل يوحنا إلى ذروته السابقة في الفصول (يو 14-17) التي تشتمل على الأحاديث الطلية الجبارة التي يخيل لنا فيها أن المسيح يتحدث إلينا، ويضمنا إلى قلبه في صلواته: " وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ" (يو 17: 20). وقد تكون هذه أحبَّ الفصول إلينا في كتابنا المقدَّس، ولسنا نجد في الأدب المسيحي صفحات أروع من معناها، وأعمق من خشوعها ورهبتها من هذه الفصول" (411). ويقول "آلان مرشدور": " تتفتح صلاة يسوع بمناداة بنويَّة: بوصف لفظة "أب" أن تؤدي ما تعنيه لفظة "أبَّا" الآرامية، وهيَ الكلمة الآرامية، وهيَ الكلمة المألوفة للمناداة: "بابا" ولم تكن مُستخدمة في الديانة اليهودية، فيما كانت مألوفة على لسان يسوع (لو 11: 2؛ مر 14: 36)" (412), ودُعيت هذه الصلاة الوداعية:

أ - الصلاة الكهنوتية: لأنها قُدِّمت من رئيس الكهنة الأعظم للَّه الآب عن الشعب المسيحي في كل زمان ومكان.

ب - الصلاة العائلية: التي قدمها السيد المسيح رب العائلة، ورأس الكنيسة، وراعيها الصالح.

جـ - الصلاة السرائرية: التي قدمها رئيس الكهنة بعد أن قدَّم للكنيسة جسده ودمه من خلال سِر الإفخارستيا.

د - الصلاة التشفعية: التي يشفع فيها السيد المسيح عن كنيسة العهد الجديد بداية من الآباء الرسل وإلى نهاية الزمان، وتمثل صورة لعمل المسيح الشفاعي الذي يقوم به في المقادس السمائية أمام الآب، فلا يُذكر فيها خطايا وآثام شعبه، إنما يطلب لهم البركات الروحية مُتشفعًا من أجلهم حتى يبلغوا بيتهم السمائي.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثانيًا: هل قول السيد المسيح: " أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَك" (يو 17: 3) تنفي عن يسوع المسيح الألوهية؟ وهل إضافته: " وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" تعني أن معرفة الإله الحقيقي وحده لا تكفي للخلاص؟

1- قول السيد المسيح للآب " أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدك" لا تنفي اللاهوتية عن السيد المسيح:

أ- يجب فهم النص في سياقه الكامل، فالنص وُرد في إنجيل يوحنا، الإنجيل الذي يتحدث بصراحة ووضوح عن ألوهية المسيح: " وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله" (يو 1: 1)... " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30)... " أَنَا أَعْرِفُهُ لأَنِّي مِنْهُ وَهُوَ أَرْسَلَنِي" (يو 7: 29)... " خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو 16: 28)... إلخ، فهل بعد هذه النصوص الواضحة والصريحة نصدق من يُشكّك في ألوهية المسيح؟ وكما أطلق السيد المسيح لقب " الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَك" على الآب، فقد أطلق الإنجيل نفس اللقب على الابن، فقال يوحنا الحبيب: " وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (1 يو 5: 20)، وقال يهوذا الرسول: " الإِلهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا لَهُ الْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ الآنَ وَإِلَى كُلِّ الدُّهُورِ. آمِينَ" (يه 25)... إلخ، فهل يقصد يوحنا، ويهوذا أن ينفي الألوهية عن اللَّه الآب؟!!

ب- في الآيتين السابقتين مع الآية محل النقاش نجد المساواة بين الآب والابن في المجد، فقال السيد المسيح: " مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ" (يو 17: 1-2) فالأقانيم الثلاثة مُتساوون في جميع الكمالات الإلهيَّة، لهم نفس الطبيعة الإلهيَّة، وليس بينهم عظيم وأعظم، الآب هو كل اللاهوت مع خاصية الأبوة، والابن هو كل اللاهوت مع خاصية البنوة، والروح القدس هو كل اللاهوت مع خاصية الانبثاق. الآب هو الإله الحقيقي (يو 17: 3)، والابن هو الحق (يو 8: 32؛ 14: 6؛ رؤ 3: 7)، والروح القدس هو روح الحق (يو 14: 17؛ 15: 26؛ 16: 7؛ 1 يو 4: 6).

جـ- لم يقل السيد المسيح: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك بدون يسوع المسيح، لم ينفي القول عن السيد المسيح، إنما أثبته قائلًا: " أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ..."، فالإيمان المسيحي الكامل يستلزم الإيمان بالآب والابن والروح القدس. ولو أن السيد المسيح مخلوق وليس من طبيعة الآب فكيف يُساوي بين الإيمان بالآب والإيمان بالابن؟! لقد جعل النص شرط نوال الحياة الأبدية معرفة اللَّه الآب الإله الحقيقي ومعرفة يسوع المسيح الإله الحقيقي المُتجسد، فجعل معرفتنا بالابن مساوية تمامًا لمعرفتنا بالآب، لكي نحصل على الحياة الأبدية، ونُكرر القول أنه لو كان السيد المسيح مخلوقًا فلا يصح أبدًا وضع معرفة المخلوق بالمساواة مع معرفة الخالق. وفي نص آخر: " الَّذِي يُؤْمِنُ بالابن لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بالابن لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ الله" (يو 3: 36). والحقيقة أنه يستحيل على الإنسان أن يعرف اللَّه الآب بدون اللَّه الابن: " الله لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. الابن الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو 1: 18) وقال السيد المسيح: " لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا" (يو 8: 19) وقال لتلاميذه: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ... لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا" (يو 14: 6-7).

د- يجب فهم النص في ضوء التجسد الإلهي، فالابن يُخاطب الآب مؤكدًا على مبدأ الوحدانية " الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" بعيدًا عن آلهة الأمم، وهنا يُخاطب السيد المسيح اللَّه الآب بصفته " ابْنُ الإِنْسَانِ" الذي ينوب عن البشرية، وعندما قال " أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ" لم يقصد أن يميّز بين الآب والابن، إنما قصد التمييز بين " الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ" الذي عرفه اليهود، وبين آلهة الأمم الباطلة، وأكد القديس أثناسيوس أن السيد المسيح قصد الفصل بين الإله الحقيقي والآلهة الكاذبة التي كانت منتشرة في ذلك الزمان، ويقول: "القديس كيرلس الكبير": " البعض قد "عبدوا المخلوق دون الخالق " (رو 1: 25)، وقد تجاسروا أن يقولوا للخشب: "أَنْتَ أَبِي، وَلِلْحَجَرِ: أَنْتَ وَلَدْتَنِي" (انظر إر 2: 27)[س]. لأن البشر التعساء انحدروا إلى مثل هذا الجهل المُطبَق... إذًا، فإن الرب (يسوع) يدعو اللَّه الآب الإله الحقيقي وحده بعكس الآلهة الكاذبة، ويقصد أن يميّز الإله الحقيقي عن تلك التي تُسمى آلهة كذبًا، فإن هذا هو هدف كلماته. إذًا، فمن الصواب تمامًا، أن يتحدث أولًا عن اللَّه أنه واحد وواحد فقط، ثم يذكر بعد ذلك مجده الذاتي بقوله: "ويَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ". لأنه لا يستطيع أحد، بأي حال، أن يبلغ إلى المعرفة الكاملة للآب إن لم يمسك -بالارتباط اللصيق- بمعرفة وليده أي الابن. لأنه من يعرف الآب لا بد أن يعرف الابن أيضًا. إذًا فحينما قال أن الآب هو الإله الحقيقي، فهو لم يستبعد نفسه، فلكونه في الآب، وفي الآب بالطبيعة، يكون هو نفسه أيضًا الإله الحقيقي والإله الوحيد مثلما أن الآب هو الإله الوحيد" (413).

ويقول "القديس أثناسيوس الرسولي": " إذا قالت الشمس أنا مصدر النور الوحيد للأرض أثناء النهار، فهل هيَ تنفي هذا الأمر عن أشعتها؟! أم أن الشمس هيَ مصدر النور وأشعتها أيضًا؟! وعن طريق أشعتها توصل النور للأرض. فكأن الشعاع يقول لها أنت مصدر النور وحدك، وأنا الشعاع الذي أرسلتيه للأرض لكي يُنير الأرض، ونحن الاثنين واحد، الشمس والشعاع واحد، أي شيء واحد" [راجع د. غالي - موقع هوليبايبل - معنى " يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو 17: 3)]. وقد سبق مناقشة هذا الاعتراض والرد عليه بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول ألوهية المسيح س74".

2- معرفة اللَّه الواحد المُثلث الأقانيم لازمة وضرورية لنوال الخلاص، وجاءت الوصية الأخيرة من السيد المسيح لتلاميذه وخلفائهم: " فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابن وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 28: 19)، فلكي ينال الإنسان الحياة الأبدية لا بد أن يؤمن، وينال المعمودية بِاسم الثالوث القدوس، فقال الابن: " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يو 5: 24) وكما أوضحنا يستحيل على الإنسان أن يصل إلى الآب إلاَّ بالابن: " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو 14: 6)، ولا نستطيع أن نقر بألوهية الابن إلاَّ بالروح القدس (1 كو 12: 3)، وقال يوحنا الحبيب: " فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا... وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1 يو 1: 2-3)، وعلمنا آباء الكنيسة أن كل عطية هيَ من الآب بالابن في الروح القدس. إذًا كل من يعترف بألوهية الآب ويُنكر ألوهية الابن أو ألوهية الروح القدس يُحرم نفسه من الحياة الأبدية.

 

ثالثًا: عندما طلب السيد المسيح من الآب قائلًا: " وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ" (يو 17: 5) هل هذا يعني أن الابن لم يكن مُمجدًا منذ الأزل...؟ مجد الثالوث القدوس مجد واحد، فمجد الابن مجد أزلي بأزلية الآب، وفي تجسده لم يتخلى الابن عن مجده، ومجده لم يُفارقه لحظة، والدليل على أن مجد الابن مساوٍ لمجد الآب واضح في قول السيد المسيح: " أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ... وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو 17: 4-5) وعندما طلب المجد من الآب لم يطلبه لكونه " ابْنُ الإِنْسَانِ" الذي حمل طبيعتنا البشرية، فطلب المجد لحسابنا. قال بولس الرسول عن الابن: " الَّذِي وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ" (عب 1: 3) فالابن بهاء مجد الآب، وفي سفر الرؤيا جاءت تسبحة الأربعة والعشرين شيخًا: " أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ 4: 11). يقول "القديس كيرلس الكبير": " فقد يظن أحد من صيغة كلامه كأنه يقول أن عنده بعض النقص في المجد، ولكن أي واحد يعرف جلال الابن الوحيد وعظمته سوف ينفر سريعًا من مثل هذه الفكرة الخطيرة. لأنها حماقة عظيمة أن يُظن أن الابن ينقصه أي قدر من المجد، أو تنقصه الكرامة الواجبة له، رغم أنه "رب المجد" كما تدعوه الكُتب الموحى بها (انظر 1 كو 2: 8؛ يع 2: 1). وخاصة أننا نراه يقول للآب في موضع آخر: "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو 17: 5) إذًا، فمن يمكنه أن يشك، أو من هو مختل العقل أو هو معادي لكل حق حتى لا يعرف ويقرُّ أن الابن الوحيد ليس مجردًا من المجد الإلهي الخاص بطبيعته الذاتية، ولكنه حيث أنه كان في صورة اللَّه، وفي مساواة كاملة معه، فإنه لم يحسب المساواة باللَّه غنيمة (انظر في 2: 6) ورغم ذلك نزل إلى وضاعة الطبيعة البشرية، وأخلى نفسه من مجده..." (414).

ويقول "دكتور وليم إدي": "صرَّح المسيح هنا أنه كان له مجد إلهي قبل تجسده، وسأل الآب أن يسمح له بترك حال التواضع الذي تنازل إليه اختياريًا لفداء الخطاة، وأن يرجع إلى المكان الأسنى الذي كان له مُنذ الأزل، لأنه واحد من الأقانيم الثلاثة المتساويين في المجد والقدرة. ولم يسأل بذلك مجدًا جديدًا أعظم مما كان له، بل سأل رفع حجاب ناسوته الذي أخفى مجده لكي تنتشر أشعته" (415).

وقد رأى البعض أن المجد الذي طلبه السيد المسيح من اللَّه الآب هو مجد الصليب، فالصليب هو العرش الذي مَلَكَ عليه السيد المسيح على البشرية: "ملك الرب على خشبة" (مز 96: 10) [سبعينية] وعندما اقتربت ساعة الصليب قال السيد المسيح: " قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 12: 23). يقول "وليم باركلي": " وكم من مرة ظهرت دلائل السمو والجلال والكرامة، في اللحظات الأخيرة في حياة الشهداء. وهكذا كان "يسوع" مع الفارق... لقد كان في الصليب مجد يسوع، لأن يسوع لم يكن أكثر جلالًا قدر ما كان في موته... لقد كان في الصليب مجد يسوع لأن جاذبية الصليب قد اجتذبت إليه الجموع أكثر مما اجتذبتهم حياته وتعاليمه ومعجزاته. وما زال الصليب إلى يومنا الحاضر وإلى نهاية الأجيال، سيظل أقوى مغناطيس يجتذب القلوب، ويجمع النفوس حول يسوع"(416).

رابعًا: هل اسم الله لم يكن ظاهرًا من قبل حتى أن السيد المسيح يقول: " أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ" (يو 17: 6)؟ وهل معنى قوله: " كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي" (يو 17: 6)؟ أنهم لم يعودوا بعد للآب...؟

1- ليس المقصود بالاسم هنا الاسم الذي يُعرف به أو يُنادى به، مثل "اللَّه"، و"الرب"، أو "يهوه"... إلخ، إنما المقصود التعرف على طبيعة وصفات صاحب هذا الاسم، وهذا ما أوضحه السيد المسيح في قوله للآب: " وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ" (يو 17: 26) أن المقصود أن يتعرفوا على عظمة حُب الآب لنا: "هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ..."، والذين يعرفون طبيعة اللَّه ومحبته للبشر يثقون فيه كقول داود النبي: " وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ" (مز 9: 10)، كما قال داود النبي أيضًا: " أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ" (مز 22: 22) فكانت نبوءة عن مُخلصنا الصالح الذي أخبرنا وحدثنا عن الآب، وتنبأ إشعياء النبي قائلًا: " لِذلِكَ يَعْرِفُ شَعْبِيَ اسْمِي. لِذلِكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ الْمُتَكَلِّمُ" (إش 52: 6). إذًا ليس المقصود مجرد إظهار اسم اللَّه، بل أن يتعرَّف الإنسان على طبيعة وصفات وأعمال اللَّه الآب. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الاسم الذي عُرِف به اللَّه في العهد القديم هو "يهوه" كان لا يُنطق به أحد، سوى رئيس الكهنة عندما كان يدخل إلى قدس الأقداس يوم الكفارة العظيم. أمَّا الشعب كله فعند قراءتهم الأسفار المقدَّسة عندما يأتي اسم "يهوه" لا ينطقونه، إنما ينطقون عوضًا عنه "أدوناي" أي "السيد"، حتى صار اسم "يهوه" شبه مجهول أمام جميع الشعب، حتى تجسّد ابن اللَّه وحدثنا عن اللَّه الآب، ورأيناه يتحدث معه، وسمع صوت الآب تارة في المعمودية، وتارة في التجلي، وتارة ثالثة سمع صوته وهو يُمجد ابنه. يقول "وليم باركلي": " كان اسم اللَّه مقدسًا عظيمًا في عصر "يسوع"، حتى أن الرجل العادي ما كان يعرف شيئًا عنه، وما كان مفروضًا أن يُنطق به. لقد كان اللَّه أرفع وأعظم من أن يعرفه رجل الشارع أو ينطق بِاسمه. وهكذا يقول "يسوع": لقد أعلنت لكم اسم اللَّه، هذا الاسم المقدَّس الذي لا يستطيع إنسان أن ينطق به. لقد أعلنته لكم في العمل الذي أكملته، والمهمة التي من أجلها جئت. لقد قربت إليكم اللَّه العظيم السامي البعيد، حتى أن أبسط الناس يستطيع أن ينطق به ويعرفه" (417).

2- قال السيد المسيح: " أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي" (يو 17: 6) وتساءل البعض: هل هذا يعني أن هؤلاء المؤمنين الذين أعطاهم الآب للابن، لم يعودوا ملكًا للآب؟ بلا شك أن كل ما للابن هو للآب، وما هو للآب هو للابن (يو 17: 10) فعندما قال السيد المسيح: " لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ للابن" (يو 5: 22) فليس معنى هذا أن الآب لم يعد ديانًا، لأن الآب يدين بواسطة ابنه. ومن الملاحظ أن يوحنا الحبيب كان مُغرمًا باستخدام فعل " أعطى" حتى أنه استخدمه في إنجيله (76) مرة منها (17) مرة في الصلاة الوداعية. والعطاء في إطار الثالوث القدوس ليس هو نوع من الهبة أو المنحة أو النعمة، ولكنه عطاء نابع من وحدانية الجوهر، فالآب أعطى كل شيء للابن بحسب الطبيعة، وهكذا العطاء في إطار الثالوث القدوس هو بالطبيعة وهو سِر أيضًا لا يمكن إدراكه، لأنه عطاء كامل شامل يتخطى حدود الزمان والمكان، عطاء أزلي أبدي مستمر بلا انقطاع. لا ينتقص شيئًا من الأقنوم الذي يُعطي، ولا يزيد شيئًا للأقنوم المُعطى له. يقول السيد المسيح: " كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي" لا يتعارض مع قوله: " كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" (يو 16: 15)، أما القصد من قوله: " كَانُوا لَكَ" أي كانوا إسرائيليين لم يعرفوا غير الآب (يهوه) ويجهلون ابنه وروحه القدوس، فسلمهم اللَّه الآب للَّه الابن ليُعرفهم سِر الثالوث القدوس، وأيضًا ليستكمل معهم مشوار خلاصهم، وليس خلاصهم هم فقط، بل خلاص العالم كله. قال السيد المسيح للآب: " إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ" (يو 17: 2) إشارة لجميع الأمم، فالبشارة ليست قاصرة على اليهود فقط، إنما هيَ متاحة لكل شعوب العالم، وجميع العطايا التي يهبها اللَّه للبشر هيَ من الآب بالابن في الروح القدس، مثلما علمنا الآباء، وفي قصة خلاص الإنسان نلاحظ أن عمل الآب قد سبق عمل الابن، وعرف الناس أصلًا اللَّه الآب يهوه، ثم تعرفوا على الابن والروح القدس بعد التجسد والفداء. يقول "القمص تادرس يعقوب": " يتساءل القديس أغسطينوس: هل الذين كانوا للآب لم يكونوا للابن؟ حتمًا من هم للآب هم للابن أيضًا، فلماذا يقول "كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي"؟ كانوا للآب كما للابن الكلمة، وإذ جاء للعالم مُتجسدًا قبلوا الابن المتجسد فصاروا تلاميذ له. لم يقل "كانوا لنا" لأن الابن وهو ابن الآب ينسب السلطان للآب"(418). ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " ألا ترون المساواة في الكرامة؟ فلئلا عند السماع: "أعطيتني" يبدو لكم أنهم قد تحولوا من سلطان الآب، أو كانوا قبل ذلك خارج سلطان الابن، لذلك أزال هاتين الصعوبتين بقوله هذا... لهذا فإن القول "أعطيتني" قيل من قبيل التنازل، لأن كل ما للآب هو للابن، وما للابن هو للآب، هذا ما يمكن أن يُقال عن ابن بالنسبة للبشر، ولكن لأنهما (الآب والابن) هما على مستوى المساواة في الكرامة..." (419).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(409) شرح إنجيل يوحنا، جـ2، ص1004.

(410) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص400.

(411) شرح بشارة يوحنا، ص264.

(412) سلسلة أبحاث كتابية/ 15 الإنجيل بحسب القديس يوحنا، ص319.

(413) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص358.

(414) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص352، 353.

(415) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص189.

(416) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص412.

(417) ترجمة الدكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص421.

(418) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1097.

(419) المرجع السابق، ص1100، 1101.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/749.html

تقصير الرابط:
tak.la/x799772