St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

750- هل سبب هلاك يهوذا هو النبؤة التي كانت لا بد أن تتم (مز 41: 9، 55:12-14) ولهذا دعاه السيد المسيح "ابْنُ الْهَلاَكِ" (يو 17: 12) لأنه مختار للهلاك؟ وهل معنى قول السيد المسيح: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" (يو 17: 19) يعني أنه لم يكن مقدَّساً ثم صار مقدَّساً؟ وهل صرنا واحداً مع الله بموجب طلب يسوع: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21)؟

 

سؤال 750: هل سبب هلاك يهوذا هو النبوءة التي كانت لا بد أن تتم (مز 41: 9؛ 55: 12-14) ولهذا دعاه السيد المسيح " ابْنُ الْهَلاَكِ" (يو 17: 12) لأنه مختار للهلاك؟ وهل معنى قول السيد المسيح: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" (يو 17: 19) يعني أنه لم يكن مقدَّسًا ثم صار مقدَّسًا؟ وهل صرنا واحدًا مع الله بموجب طلب يسوع: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل سبب هلاك يهوذا هو النبوءة التي كانت لا بد أن تتم (مز 41: 9؛ 55: 12-14) ولهذا دعاه السيد المسيح " ابْنُ الْهَلاَكِ" (يو 17: 12) لأنه مختار للهلاك...؟ علم اللَّه السابق بمن سيخلصون ومن سيهلكون، ليس هو السبب في خلاص هؤلاء وهلاك أولئك، حتى لو أعلن عن أسماء البعض منهم، وليس بناءً على إعلان النبوءة. وهل إذا أخبرنا مدرس ماهر أن فلان سيتفوق في الامتحان بينما فلان سيرسب، يكون هو المسئول عن تفوق هذا أو رسوب ذاك؟! والطبيب الحازق عندما يبلغنا أن هذا المريض سيتعافى وذلك المريض ستنتهي حياته قريبًا، هل له يد في شفاء هذا وموت ذاك؟! إذًا خلاص الإنسان يتوقف أولًا وأخيرًا على تصرفاته ورغبته الشخصية، وقد يبدأ إنسان مثل يهوذا حسنًا ثم ينحرف عن جادة الصواب فيهلك، فعندما اختار السيد المسيح يهوذا ليكون من جملة الاثنى عشر كان قلبه مُستقيمًا، وكان يُمكنه أن يُكمل طريقه ويرث ملكوت السموات لولا أنه سلّم نفسه لمحبة الفضة. ولأن المستقبل مكشوف لدى اللَّه لذلك جاءت النبوءة تُعلن عن انحرافه وهلاكه بناءً على تصرفاته الخاطئة، وهو كامل السن مسئول مسئولية كاملة عن تصرفاته، ولا يمكن أن نقول أنه معيَّن من اللَّه للهلاك لأنه: " ابْنُ الْهَلاَكِ" (يو 17: 12) كما دعاه السيد المسيح، وبالتالي نُلقي بتبعية هلاكه على الإرادة الإلهيَّة، لأنه من الثابت أن اللَّه: " يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1 تي 2: 4). لقد اختار يهوذا بمحض إرادته طريق الهلاك، وبناءً على هذا الاختيار قال السيد المسيح لتلاميذه: " أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاثْنَيْ عَشَرَ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ" (يو 6: 70) كما قال: " أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ" (يو 13: 18).

ويقول "القديس كيرلس الكبير": " يقول (السيد المسيح) أنه حفظ تلاميذه... حتى أنه لم يهلك منهم سوى واحد فقط، وهو الذي دعاه "ابْنُ الْهَلاَكِ"، وهذا الواحد صار مصيره الهلاك بسبب اختياره، أو بالحري بسبب شره وعدم تقواه. لأنه أمر غير معقول أن يكون التلميذ الخائن قد وقع في شرك الشيطان بقرار إلهي لا يُقاوم، لأنه يكون غير مُذنب في هذه الحالة بخضوعه لحكم السماء، لأن من يُمكنه أن يقاوم حكم اللَّه؟ والآن هو قد أُدين ولُعن... بسبب أن هذا الإنسان التعس وصل إلى هذا المصير نتيجة لاختياره الخاص... فالخائن لم يهلك بسبب أي نبوءة في الكتاب... (بل) لأن شره المُتأصل فيه كان هو سبب خيانة ربه، وصار مصيره الهلاك، والكتاب الذي لا يمكن أن يكذب سبق فأنبأ بهذا... المعرفة المُسبَّقة والتنبؤ بالمستقبل لا تدل على مسرة اللَّه ووصية اللَّه، والنبؤة ليست موجهة لتُجبر على فعل الشر الذي تنذر عنه" (420). ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " لِيَتِمَّ الْكِتَابُ... لا لكي يتحقق الكتاب... ولكن هذا هو أسلوب الكتاب المقدَّس الذي يضع الأمور في تطابق مع بعضها البعض كما لو كانت قد حدثت بسبب كتابتها" (421). ويقول "متى هنري": " كانت هناك علاقة مُميزة ليهوذا باعتباره ليس من بين أولئك الذين تعهد المسيح بحفظهم... كان من بين الذين أعطوا للمسيح، لكنه لم يكن ينتمي لهم. غير أن ارتداد يهوذا وهلاكه لم يسيئ بأي حال من الأحوال لسيده أو لجماعة التلاميذ. إذ كان هو "ابْنُ الْهَلاَكِ"، ولهذا لم يكن من بين الذين أعطوا للمسيح لكي يحفظهم. وأنه لاعتبار مُخيف أن واحدًا من الرسل ثبت أنه "ابْنُ الْهَلاَكِ"، ومكانة الإنسان أو اسمه في الكنيسة لا يضمن له عدم الهلاك، ما لم يكن قلبه سليمًا مع اللَّه. لقد تم الكتاب إذ سبق التنبؤ بخطية يهوذا، وسوف يتم الحدث بكل تأكيد بعد النبوءة تحقيقًا لها، على الرغم من أنه لا يمكن القول أن ما حدث كان نتيجة للنبؤة"(422).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثانيًا: هل معنى قول السيد المسيح: " وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" (يو 17: 19) يعني أنه لم يكن مقدَّسًا ثم صار مقدَّسًا...؟

1- قال السيد المسيح في صلاته الوداعية هذه: " وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ" (يو 17: 19) والمقصود بالتقديس هنا "التخصيص"، مثلما قال اللَّه لموسى: " قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ" (خر 13: 2) أي خصص كل بكر، ومثلما قال اللَّه لموسى أيضًا: " وَتُلْبِسُ هَارُونَ الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ وَتَمْسَحُهُ وَتُقَدِّسُهُ لِيَكْهَنَ لِي" (خر 40: 13) وبالطبع ليس المقصود أن موسى يُطهِر هرون ويقدّسه، لأن واهب القداسة واحد هو اللَّه القدوس، إنما المقصود بتقديسه أي تخصيصه لخدمة الرب وفرزه وتكريسه للخدمة، وعلى نفس المنوال قال اللَّه لموسى: " وَتُقَدِّسُ الْمَذْبَحَ" (خر 40: 10) أي تخصصه لخدمة الرب، لا تقدم عليه ذبائح غريبة، ولا نار غريبة، كما قال اللَّه لموسى: " الأَقْدَاسِ الَّتِي يُقَدِّسُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلرَّبِّ..." (لا 22: 3) فالأقداس أي التقدمات والذبائح التي " يُقَدِّسُهَا" أي "يُخصصها" بنو إسرائيل للرب. وعندما قال اللَّه لإرميا النبي: " وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (إر 1: 5) فقدستك أي اخترتك وخصصتك للخدمة بين الشعوب.

2- لقد قدَّس الآب الابن أي خصَّصه وكرَّسه وهيأ له جسدًا مُقدَّسًا (عب 10: 5) ثم أرسله للخدمة، وهذا ما أوضحه السيد المسيح عندما قال لليهود: " فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ..." (يو 10: 36). وأيضًا الابن قدَّس ذاته، فقال " أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" أي خصَّص وكرَّس ذاته لفداء البشرية، وليس بمعنى أنه طهر ونقى ذاته، لأنه هو القدوس الطاهر الذي بلا خطية وحده (2 كو 5: 21؛ عب 4: 15).

3- عندما قال السيد المسيح: " أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" قال هذا باعتباره إنسانًا حمل طبيعتنا البشرية، وقدَّسها لصالحنا، حتى نكون نحن مُقدسين في الحق أي فيه. يقول "القديس أثناسيوس الرسولي": " كما أن المسيح الذي يُقدّس الجميع يقول لأبيه أنه من أجلنا يقدّس ذاته (يو 17: 19) ليس لكي يصير اللوغس نفسه مقدَّسًا، بل لكي يُقدّسنا نحن جميعًا في نفسه. هكذا أيضًا بنفس المعنى قيل أن "اللَّه رفَّعه" (في 2: 9) ليس لكي يزداد هو في الرفعة، إذ أنه هو نفسه العلي، بل لكي يصير هو نفسه لنا برًَّا (1 كو 1: 30)، ولكي نرتفع نحن فيه بل وندخل أبواب السموات التي افتتحها هو أيضًا من أجلنا عندما قيل أمامه: "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية، فيدخل ملك المجد" (مز 24: 7). وفي هذا لم تكن الأبواب مُغلقة أمامه هو، إذ أنه هو الرب وخالق الكل، بل من أجلنا نحن أيضًا كُتب ذلك، نحن الذين كان باب الفردوس مُغلقًا أمامنا" (ضد الأريوسيين 1: 41) (راجع القس أنسطاسي شفيق - اللاهوت في إنجيل يوحنا).

ويقول "القديس كيرلس الكبير": " قال ربنا يسوع المسيح أنه قدَّس نفسه لأجلنا لكي نكون نحن أيضًا "مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ" بأي معنى تقدَّس هو، وهو بالطبيعة قدوس، لكي نتقدَّس نحن أيضًا، دعنا إذًا نبحث هذا الأمر، ونحن مُلتزمون بتعاليم الكنيسة، وغير مُبتعدين عن قاعدة الإيمان المُستقيمة. إذًا، نقول أن الابن الوحيد، وهو بالطبيعة اللَّه وفي صورة اللَّه الآب، ومساوٍ له "قد أخلى نفسه" بحسب الكتاب، وصار إنسانًا مولودًا من امرأة، آخذًا كل صفات طبيعة الإنسان، ما عدا الخطية، وبطريقة لا يمكن النطق بها، وحَّد نفسه بطبيعتنا بإرادته الحرة، لكي يجدد طبيعتنا، في نفسه أولًا، وبواسطة نفسه... ولكونه هو نفسه أيضًا بالطبيعة قدوس كإله، وهو يمنح الخليقة كلها شركة في الروح القدس من أجل استمرارهم وثباتهم وتقديسهم، بل بالحري هو نفسه يعمل بنفسه لتقديس جسده الخاص... وهو قد فعل هذا لأجلنا وليس لأجل ذاته، لكي إذ تبدأ نعمة التقديس منه هو أولًا، فأنها تصل حتى إلى جنس البشر..." (423). كما يقول "القديس كيرلس الكبير" أيضًا: "... لذلك لا نتعجب عندما يُعلن الرب أنه يُقدس ذاته، رغم أنه هو بالطبيعة قدوس، ولا نتعجب عندما يُدعي اللَّه أباه، في الكتاب، رغم أنه هو نفسه بالطبيعة إله... فكما مات بالجسد لأجلنا كإنسان، رغم كونه إله بالطبيعة، وكما جعل نفسه بين المخلوقات بسبب إنسانيته، وهو يدعو اللَّه أباه، وهو رب الكل، هكذا يؤكد أنه يُقدّس نفسه لأجلنا، لكي حيثما يصل تأثير تقديسه لذاته إلينا نحن، على أساس أنه هو باكورة الطبيعة البشرية، فنحن أيضًا يمكن أن "نتقدّس في الحق" أي في الروح القدس" (424).

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " فإن قلت: وما معنى قول السيد المسيح للآب: " أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي"؟ أجبتك: أي أُقدم لك ذاتي ذبيحة، والذبائح كلها تُدعى مقدَّسة، والتي تقدم للَّه فهيَ على جهة التحقق مقدَّسة..."(425). ويقول "القديس أغسطينوس": "ماذا عنى بكلماته: " وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي" إلاَّ أني أقدسهم فيَّ، إذ هم (جزء) مني؟ فإن هؤلاء الذين يتحدث عنهم، كما قلت هم أعضاؤه، والرأس مع الأعضاء هم المسيح... وبنفس السمة يقول الرسول نفسه في موضع آخر "الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي" (كو 1: 24). لم يقل شدائدي بل "شَدَائِدِ الْمَسِيحِ"، لأنه كان عضوًا في المسيح... ولكي نتأكد من هذا في العبارة الماثلة أمامنا لاحظ ما يلي بعد ذلك... "لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ". وماذا يعني هذا سوى "فيَّ" وذلك حسب الحقيقة أن الحق هو الكلمة التي في البدء، والتي هيَ اللَّه" (426).

ويقول "وليم باركلي": " والأصل في كلمة "يتقدَّس" هو "هاجيازين" أو "أجيازين" وهيَ مشتقة من لفظة "أجيوس"، ولقد تُرجمت الكلمة "أجيوس" في الترجمة الإنجليزية المعتمدة، كما في ترجمة فاندايك العربية "قدوس". ولكن المعنى الرئيسي هو مُفرز أو مختلف. إذا كان هناك شيء نصفه بكلمة "أجيوس" فهو معناه مختلف عن نظائره وعن غيره من الأشياء العادية" (427). (راجع أيضًا فرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص13). ونحن أيضًا عندما نُصلِّي للَّه في الصلاة الربانية: "ليتقدَّس اسمك" نعلم أن اسمه مُقدَّس ولكننا نطلب أن يتقدَّس اسمه بنا وفينا، مُصغِين إلى قول بطرس الرسول: " نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ" (1 بط 1: 15).

 

ثالثًا: هل صرنا واحدًا مع الله بموجب طلب يسوع: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" (يو 17: 21)...؟ سبق مناقشة هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى س743 عهد جديد. كما نؤكد أننا لا نقرُّ ولا نعترف بتأليه الإنسان، بمعنى أن الإنسان سيظل إنسانًا لن يُشارك اللَّه في طبيعته الإلهيَّة، ولن يصير يومًا إلهًا، ولن تختلط الطبائع قط. نؤمن أننا سنكون في وحدة مع اللَّه " شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2بط 1: 4) ولن نكون شركاء في الطبيعة الإلهيَّة، ولم يُساوي السيد المسيح وحدتنا معه بوحدته مع الآب، فلم يقل: أنت أيها الآب فيَّ وفيهم، ولم يقل: أنا وهم فيك. إنما قال: " أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك" لأن الآب والابن واحد في الجوهر الإلهي، وعندما قال: " ليكونوا هم واحدًا فينا" كان يشير لوحدة المؤمنين مع الثالوث القدوس. وأيضًا عندما قال السيد المسيح: " وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَني" (يو 17: 22) لم يقصد مجد اللاهوت، إنما قصد مجد الكلمة المتجسد، لأن مجد لاهوته لا يُعطيه لأحد: " أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ..." (إش 42: 8). يقول "القديس كيرلس الكبير": " إن الابن الوحيد له وحدة جوهرية وطبيعية مع أبيه، إذ أنه مولود وصادر منه بمعنى حقيقي وهو كائن فيه... ولكن حيث أنه في تجسده لأجلنا لخلاص أنفسنا، تخلى -كما لو كان- عن ذلك الوضع الذي كان له من البدء... فإن ذاك الذي كان من البدء في العرش مع الآب ينال هذا المجد وهو في الجسد كهبة... فإن الابن الوحيد يقول أن ذلك (المجد) الذي أُعطي له، إنما أُعطيَ لجسده... فهو يقول... "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" لأن الابن يسكن فينا... وهكذا نرى أن المسيح هو رباط الاتحاد بيننا وبين اللَّه الآب... لقد جَعلنا مُكملين في الوحدة مع اللَّه الآب، من خلال وساطة المسيح... لذلك، فإن ما أخذه (الابن) وناله... لنا نحن. فكما أنه حينما قام حيًَّا بعد أن أخضع قوة الموت، فإنه تمم قيامته ليس لنفسه، لأنه هو الكلمة وهو اللَّه، بل أعطى لنا هذه البركة من خلال نفسه وفي نفسه... صرنا مُشاركين لقيامته ومجده... إذ هو يفيض علينا بالأشياء التي تخصه ويشركنا معه في كل ما هو خاص به وحده" (428).

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي عن علاقة السيد المسيح بالآب: "علاقته باللَّه الآب علاقة الابن بأبيه، ولكنها ليست كعلاقة الابن البشري بأبيه البشري، مهما كانت هذه العلاقة وثيقة وعميقة وتنطوي على الحُب كله والإجلال كله والوفاء كله، ولكنها علاقة الابن الإلهي بأبيه... لأنهما معًا جوهر واحد متحد في كيان واحد وكينونة واحدة تتسامى جدًا على فهم البشر وتتجاوز عقلهم المحدود إلى أقصى الحدود بالنسبة للَّه الذي لا حدود له... فلا يمكن إدراك ماهيته والتعالي إلى كنه طبيعته، لا بإلهام منه هو ذاته، ذلك الإلهام الذي لا يخص به إلاَّ الأتقياء والأطهار والأبرار والقديسين" (429).

وعندما قال السيد المسيح: " وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي" (يو 17: 23) لم يقصد بلفظة " كَمَا" المساواة بل المُشابهة، فلو كانت الطبائع متساوية لحملت الكلمة معنى المساواة، أمَّا في حالة اختلاف الطبائع فإن " كَمَا" تحمل معنى التشابه، ومن الطبيعي أن طبيعتنا البشرية تختلف عن الطبيعة الإلهيَّة لذلك فلفظة " كَمَا" هنا تحمل معنى التشابه. يقول "القديس أغسطينوس": " الآب يحبنا في الابن، لأنه فيه اختارنا قبل تأسيس العالم (أف 1: 4) لأن من يحب الابن الوحيد بالتأكيد يحب أعضاءه خلال عمله. إنه طُعمنا فيه بالتبني، لكننا لسنا مُعادلين الابن الوحيد الذي به خُلقنا وأعيدت خلقتنا إذ يُقال "وأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي" فإن الشخص لا يكون دائمًا مساويًا للآخر حيث يُقال: "كما هذا هكذا الآخر"... أنه يحب الابن من جهة لاهوته... يُحبه أيضًا بكونه جسدًا لأن الابن الوحيد صار إنسانًا... أما بالنسبة لنا فبكوننا أعضاء في ذلك الذي يحبه، ولكي ما نصير هكذا، لقد أحبنا لهذا السبب قبل أن يخلقنا" (430).

صلى السيد المسيح قائلًا: " أَنَا فِيهِم وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو 17: 23)، فعندما يحيا المؤمنون في وحدانية الروح، يستريح اللَّه وسط شعبه، لذلك لا تكف الكنيسة عن الصلاة والتضرع: "وحدانية الروح التي للمحبة فلتتأصل فينا"، وقال بولس الرسول: " الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ" (كو 1: 27). طلب السيد المسيح في صلاته التشفعية هذه: " مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ"، ونحن بدورنا نسعى نحو حياة الكمال التي ينشدها لنا الرب يسوع: " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48). واضعين أمام أعيننا مبدأ بولس الرسول: " لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في 3: 12) (راجع عب 5: 9؛ 7: 28؛ 10: 14؛ 12: 23). وما سجله يوحنا الحبيب في (يو 17: 23) نجد صداه في رسالته الأولى: " وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ الله. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ" (1 يو 2: 5) (راجع أيضًا 1 يو 4: 12، 17-18). والمقصود بحياة الكمال هنا الكمال النسبي، كمال النضج والملائمة والقصد، مثل قولنا عن طفل أنه مُكتمل النمو، بالرغم أنه ما زال طفلًا، فقد تحقق فيه قصد الطفولة. يقول "الأب متى المسكين": إن الكلمة اليونانية المُستخدمة للتعبير عن التكميل في (يو 17: 23): " لا تعني تكميل الناقص، بل تكميل الكمال، وتُتَرْجَم بالإنجليزية Rerfected، فالذين اتحدوا بالابن والآب لم يعودوا ناقصين يحتاجون إلى التكميل بل هم مهيَّأون لقبول الكمال. فالمسيح سبق ومنحهم خصائصه بقوله: "وأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي... لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" أي ليبلغوا "كمال" الوحدة. هذا الكمال عبَّر عنه بولس الرسول بقوله: " لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ الله" (أف 3: 19)... كما عبَّر عنها القديس يوحنا بقوله: "ممْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا... وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَة" (يو 1: 14، 16)..." (431).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(420) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص382، 383.

(422) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس، جـ1 - الأناجيل الأربعة، ص748.

(423) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص398.

(424) المرجع السابق، ص402.

(425) شرح إنجيل يوحنا للقديس يوحنا الذهبي الفم - إعداد القمص أغسطينوس البراموسي، ص178.

(427) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2 ص431.

(428) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص410-412.

(429) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس، جـ 5 تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص316.

(431) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1081.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/750.html

تقصير الرابط:
tak.la/bydx737