سؤال 728: لماذا لم يطلب السيد المسيح من هذا الرجل الإيمان قبل أن يفتح عينيه (يو 9: 6-7)؟ ومتى جرت أحداث هذه المعجزة؟ وكيف يخبر الأعمى الذي أبصر الجموع بِاسم من شفاه " إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ" (يو 9: 11) وهو يعلم أن الفريسيين يضمرون له الشر؟ ولماذا خشى والدي المولود أعمى أن يشهدا بأن يسوع هو الذي فتح عيني ابنهما (يو 9: 21)، بينما أظهر ابنهما شجاعة نادرة في شهادته القوية (يو 9: 25-33)؟ وكيف يتفق قول السيد المسيح أنه جاء ليدين العالم: " لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَـمِ" (يو 9: 39) مع قوله: " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47)؟

ج: أولًا: لماذا لم يطلب السيد المسيح من هذا الرجل الإيمان قبل أن يفتح عينيه (يو 9: 6-7)؟ ومتى جرت أحداث هذه المعجزة؟
1- لم يطلب السيد المسيح من هذا الرجل الإيمان قبل إيمانه، لأن إيمانه كان واضحًا للعيان، إذ ترك وجهه للسيد المسيح ليُطلي عينيه بالطين، وأطاع قوله بأن يذهب إلى بِرْكَة سلوام ويغتسل رغم صعوبة السير، وآمن بأن الطين الذي يعمي العين السليمة سيفتح عينيه، وآمن أن الماء الذي يزيل الطين سيثبت الطين ويخلق منه عينين كاملتين بكل أجزائهما المُعقدة وأعصابهما و... وقد تدرج هذا الرجل في الإيمان بالسيد المسيح:
أ- آمن هذا الرجل بأن يسوع إنسانًا عظيمًا: " إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ" (يو 9: 11) لكنه ليس مثل أي إنسان إلتقى به في حياته، فهو إنسان يفيض بالمشاعر الإنسانية النبيلة، العطف والشفقة والقوة والعظمة والاتضاع، إنسان تتجلى فيه الإنسانية في أسمى معانيها، إنسان قادر أن يُعيد البصر والبصيرة لإنسان مولود أعمى بلا عينين. أنه " ابْنُ الإِنْسَانِ" الكامل القدوس الذي بلا خطية وحده.
ب- آمن أن يسوع نبيًا عظيمًا: " إِنَّهُ نَبِيٌّ" (يو 9: 17) فكلمته مسموعة في السماء وعلى الأرض، وتعاليمه تشهد بأنه صاحب رسالة عظيمة، هو ليس مجرد نبي بل هو النبي الذي أخبر به موسى رئيس الأنبياء (تث 18: 15). هو ليس مجرد نبي له نبوءة ونبؤات، بل هو رب جميع الأنبياء الذي خلقهم وأرسلهم وحدد رسالة كل منهم.
جـ- آمن هذا الرجل بأن يسوع " ابْنِ اللَّـهِ" (يو 9: 35-38) كما أخبره يسوع، ابن اللَّه الوحيد الجنس الواحد مع أبيه الصالح والروح القدس، وقد سبق إيمانه معرفته، وصدق قول يسوع حتى وإن لم يكن قد أدرك هذا السِر العظيم، سِر التثليث والتوحيد، وتوَّج إيمانه بسجوده للسيد المسيح: " قَالَ أُومِنُ يَا سَيِّدُ. وَسَجَدَ لَهُ" (يو 9: 37) سجود العبادة وليس سجود الإكرام وواضح جدًا إيمان هذا الرجل في عدم إنصياعه للضغوط التي تعرض لها من قِبَل الفريسيين. يقول "وليم ماكدونالد": " إن سخرية الرجل أصبحت الآن لاذعة. ولم يكن الفريسيون ليتوقعوا ذلك. فالرجل خاطبهم بما معناه: "أنتم أيها الرجال الحكام في إسرائيل، كما أنكم مُعلموا الشعب اليهودي، ومع هذا ثمة رجل في وسطكم قادر أن يمنح البصر لعيني الأعمى، ولستم تعلمون من أين هو. فياللعار!"... أخذ الرجل يصبح جريئًا أكثر فأكثر في شهادته، كما أن إيمانه أخذ ينمو، فذكَّرهم بأنه، كمبدأ عام، لا يسمح اللَّه للخطاة، أن يصنع معجزات بواسطتهم فاللَّه لا يرضى على الناس الأشرار، كما أنه لا يمنحهم قوة لصنع الأعمال الخارقة. وبالمقابل يرضى اللَّه على عباده الأتقياء وينعم عليهم... أدرك هذا الرجل أنه كان أول إنسان وُلِدَ أعمى نال البصر في تاريخ البشرية. لم يكن باستطاعته أن يفهم كيف كان بإمكان الفريسيين أن يشهدوا معجزة كهذه، ومن ثمَّ يوجهون الملامة إلى الشخص الذي صنعها. فلو لم يكن يسوع من اللَّه، لما قدر أبدًا أن يصنع معجزة من هذا النوع" (277).
2- متى جرت أحداث هذه المعجزة...؟ هناك رأيان في التوقيت الذي جرت فيه هذه المعجزة:
أ – قبل الصلب بثلاثة أشهر: رأى البعض مثل سكوت أن أحداث الأصحاحين السابع والثامن جرت في عيد المظال من 15-22 من شهر تشري (يُقابل سبتمبر/ أكتوبر) قبل عيد الفصح الذي صُلب فيه السيد المسيح بنحو ستة أشهر. وأن أحداث الأصحاحين التاليين التاسع والعاشر جرت في الشتاء في عيد التجديد قبل الفصح بثلاثة أشهر: " وَكَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَكَانَ شِتَاءٌ. وَكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ" (يو 10: 22-23).
ب - قبل الصلب بستة أشهر: يرى البعض أن أحداث الأصحاحين الثامن والتاسع مُرتبطان معًا بنفس اليوم من أيام عيد المظال، والدليل على هذا أن الآية الأخيرة من الأصحاح الثامن: " أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا" (يو 8: 59) والآية الأولى من الأصحاح التاسع يستخدم نفس اللفظ " مُجْتَازٌ": " هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا" (يو 9: 1)، وأيضًا في الأصحاح الثامن يتحدث يسوع عن نفسه قائلًا: " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو 8: 12)، وفي الأصحاح التاسع يهب النور للمولود أعمى، كتطبيق عملي على قوله أنه " نُورُ الْعَالَمِ"، حتى قال البعض أنه من الممكن أن يسوع أعلن عن نفسه أنه نور العالم صباحًا وأجرى معجزة تفتيح عيني المولود أعمى قبل الغروب، وما زال نفس النهار قائمًا، ولذلك قال: "4يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَار" (يو 9: 4). وقد سبقت الأسفار المقدَّسة وأعلنت أن تفتيح أعين العميان مُرتبط بالعصر المسياني، كقول المُرنم: " الرَّبُّ يَفْتَحُ أَعْيُنَ الْعُمْيِ" (مز 146: 8) وقال إشعياء النبي: " وَتَنْظُرُ مِنَ الْقَتَامِ وَالظُّلْمَةِ عُيُونُ الْعُمْيِ" (إش 29: 18)... "حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّـحُ" (إش 35: 5)... " وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ" (إش 42: 6-7)، ولذلك أجرى السيد المسيح آيات عديدة خاصة بفتح عيون العمي، ذكرت منها الأناجيل أعمى بيت صيدا (مر 8: 22-26) والأعميان اللذان فتح أعينهم وطلب منهم الصمت أما هما فأشاعا الخبر في تلك الأرض (مت 9: 27-31)، وبارتيماوس الأعمى (مر 10: 46-52) وأعمى أريحا (لو 18: 35-43) بالإضافة للمولود أعمى (يو 9: 6-7) محط الحديث. كما قال السيد المسيح لتلميذي يوحنا المعمدان اللذان جاءا يسألانه إذا كان هو المسيا أم ينتظران آخر: " اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ" (مت 11: 4-5).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: كيف يخبر الأعمى الذي أبصر الجموع بِاسم من شفاه: " إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ" (يو 9: 11) وهو يعلم أن الفريسيين يضمرون له الشر...؟ لا يوجد دليل قاطع على أن هذا الرجل كان على دراية بالصراع المُحتدم بين الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة من جانب، والسيد المسيح من الجانب الآخر، وعندما تشكك الجيران والذين يعرفونه قبلًا عما إذا كان هو المولود أعمى، أم أنه شخص آخر يشبهه، ولا سيما أن العينين ترسمان ملامح الإنسان، حتى عندما يُريدون أن يضعون صورة إنسان دون أن يتعرَّف عليه أحد، فأنهم يخفون عينيه. هؤلاء سألوا هذا الرجل: " كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟" (يو 9: 10) فرد عليهم الرجل الذي وُلِد أعمى: " أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ..." (يو 9: 11). لم يخبر هذا الرجل أولئك المعاندين بِاسم من شفاه نكاية فيه ليؤذيه، لأن يسوع صنع معه كل الخير ولم يصنع معه أي شر، إنما بنفس بريئة صادقة أراد أن يشهد لمن تفضَّل وأعاد إليه نظره، الأمر الذي لم يحدث قط في تاريخ البشرية، وقد انتشله من بئر الظلام الدامس إلى نور الحياة، واعتبر شهادته أمام الجموع ليسوع نوع من رد الجميل له، ولا سيما أن السيد المسيح لم ينهاه عن ذكر اسمه، فشهد له وهو في ملء الثقة أن من يخلق عينين للمولود أعمى، يعجز أي إنسان أن يتصدى له. لقد كان إيمان هذا الرجل إيمانًا ينمو سريعًا، وقد تمتع بغيرة شديدة وذكاء كبير ووفاء عجيب، حتى صار مُتجاسرًا أمام هؤلاء الحاسدين المعاندين المُتكبرين الذين فشلوا في أن يرعبوه أو يخيفونه، فشهد الشهادة الحسنة التي تمجد اسم اللَّه.
ويصور "القديس كيرلس الكبير" مشاعر ذلك الرجل الذي صرخ في وجوه المعاندين: " إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ" (يو 9: 25)، فيقول: " إني لا أنكر النعمة، فإني الآن أملك ما كنت أتوق إليه سابقًا... إني أبصر حقيقة. إني إبتداء من الآن أستطيع أن أنظر الأشياء التي كنت سابقًا أسمع عنها فقط. هوذا نور الشمس الساطع يُضئ حولي! هوذا جمال المناظر الغريبة يُحيط بعيني! ومنذ وقت قصير لم أكن أعرف ما هو شكل أورشليم، أمَّا الآن فأني أرى هيكل اللَّه يتألق فيها، وأرى في وسطه المذبح الموقَّر حقًا. وإذا وقفتُ خارج البوابة، فأني أستطيع أن أرى منطقة اليهودية المُحيطة ويمكنني أن أميّز بين التل والشجرة. وحينما يميل الوقت نحو المساء، فإن عيني لا تعود تفشل في ملاحظة جمال الأمور العجيبة التي هيَ فوق، أي النجوم البراقة ونور القمر" (278).
ثالثًا: لماذا خشى والدي المولود أعمى أن يشهدا ليسوع بأنه هو الذي فتح عيني ابنهما (يو 9: 21)، بينما أظهر ابنهما شجاعة نادرة في شهادته القوية (يو 9: 25-33)...؟
1- استدعى الفريسيون أبوي المولود أعمى والذي أبصر ليستوثقوا منهما أنه ابنهما: " فَسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِـدَ أَعْمَى فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ" (يو 9: 19) فشهد الوالدان بأن هذا الرجل هو ابنهما، وأنه وُلِدَ أعمى، لكن لم يكن لديهما الاستعداد للتضحية من أجل السيد المسيح لأنهما لم يتعاملا معه، وهذا يعكس أهمية العِشرة والعلاقة الشخصية مع الرب يسوع، كما " لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ" (يو 9: 22). كانت عقوبة الطرد من المجمع، ومنع الإنسان من مُمارسة عبادته الجماعية، تمثل عقوبة قاسية على نفس الإنسان اليهودي، وهذه العقوبة بدأت بعد العودة من السبي ودمار الهيكل وصار للمجمع اليهودي مكانته المُتميزة، فأقرها عزرا الكاتب، فعندما أطلقوا نداءً لجميع بني السبي ليجتمعوا في أورشليم كان القرار: " وَكُلُّ مَنْ لاَ يَأْتِي... يُفْرَزُ مِنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ السَّبْيِ" (عز 10: 8). ومن يُطرد من المجمع يُلفَظ أيضًا من المجتمع اليهودي، حتى أن مصدر رزقه يكون في خطر، لأن اليهود يُقاطعونه ويلعنونه.
وكانت عقوبة الطرد من المجمع في الأدب الربي لها ثلاث درجات، الأولى الطرد لمدة أسبوع، والثانية لمدة شهر، والثالثة مدى الحياة، ثم قررت المجامع اليهودية هذه الدرجات الثلاث مع اختلاف مدة الطرد، فالدرجة الأولى وتُعرف "بالندّوي" لمدة ثلاثين يومًا، والدرجة الثانية وتدعى "الشماتا" لمدة ستين يومًا، والدرجة الثالثة وتُعرف "بالمحرَم" أو "الشيريم" فتشمل مدة طويلة، قد تستمر طوال الحياة.
ومع أن الفريسيين قد قرَّروا طرد كل من يعترف بيسوع على أنه المسيا: " وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ" (يو 12: 42). وقد نبه السيد المسيح تلاميذه بما سيلحق بهم عندما قال لهم: " سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ" (يو 16: 2)... ومما زاد من قساوة قلب الفريسيين ورفضهم هذه المعجزة هو اعتقادهم أن الأنبياء الكذبة قد يفعلون معجزات عجيبة (تث 13: 1-5) وهذه حقيقة أخبرنا بها السيد المسيح عندما قال: " لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مت 24: 24)، ومع ذلك فإن الفريسيين بلا عذر لأن الأنبياء الكذبة معروفين من ثمارهم ويطلبون مجد أنفسهم وشهواتهم الرديئة هيَ التي تحركهم، أمَّا يسوع فكان شيء آخر. حقًا لو كان هؤلاء الفريسيون يعيشون في تقوى مثل نيقوديموس ويوسف الرامي لقبلوا المسيح وعاشوا الحقيقة.
2- الابن الذي عانى من وحشة الظلام الدامس طوال حياته لم يختبر النور، ثم أبصر، أظهر شجاعة فائقة وجسارة في شهادته لمن أنعم عليه بالبصر والبصيرة، مُستغلًا ذكاءه الحاد، وكفائته العقلية في الحوارات، ورؤيته المُستنيرة، وهذه بعض الملاحظات:
أ- في الوقت الذي ألحَّ فيه الفريسيون على هذا الرجل أن يقر ويعترف بأن يسوع رجل خاطئ: " فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ أَخَاطِئٌ هُوَ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ" (يو 9: 25).
ب- عندما سألوه للمرة الثانية أو الثالثة: " مَاذَا صَنَعَ بِكَ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ أَجَابَهُمْ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذ؟" (يو 9: 26-27).
جـ- عندما شتم الفريسيون الرجل قائلين: " أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ الله وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ" (يو 9: 28-29)، ويعلق "القديس يوحنا الذهبي الفم": " إلاَّ أن قولكم هذا لا يحوي احتجاجًا، لأنكم لستم تلاميذ موسى النبي، ولا تلاميذ السيد المسيح، لأنكم لو كنتم تلاميذ موسى النبي لصرتم تلاميذ السيد المسيح، فلهذا السبب قال لهم السيد المسيح من قبل: "لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي" (يو 5: 46)"(279). لقد رد عليهم هذا الرجل بالعقل والمنطق إذ أوضح لهم أن اللَّه لا يُمجّد الخطاة ولا يسمح لهم بأن يصنعوا معجزات وعجائب، ومُنذ الدهر وحتى اليوم لم يُسمع أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى... (يو 9: 30-32).
لقد بذل الفريسيون قصارى جهدهم ليحصلوا على إدانة ليسوع، أنه رجل خاطئ، من فم هذا الرجل الذي أبصر، وكان الفريسيون يُمثلون سلطة الهيئة القضائية المصغرة لمجمع السنهدريم، وفي لقائهم الأول مع هذا الرجل سمعوا منه كيف صنع يسوع المعجزة: " فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ الله لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ" (يو 9: 16). وفي لقائهم الثاني مع هذا الرجل الذي أبصر لم يطلبوا منه أن يتوخى الصدق والحق، إنما طلبوا منه بإلحاح أن يدين يسوع مُتهمين إياه بأنه كسر السبت، وجاء في "كتاب الجمارا" أن وضع الدواء داخل العين يُعد خطية، وكذلك عجن الطين بالماء خطية، فكون السيد المسيح تفل على الأرض وصنع طينًا فهو ارتكب خطية كسر السبت (راجع الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا جـ 2 ص594). لقد هدَّد الفريسيون الرجل وأرادوا أن يرهبوه مُلوّحين أمامه بعقوبة الإعدام رجمًا بالحجارة، إذ قالوا له " أَعْطِ مَجْدًا ِللَّـهِ" وهيَ عبارة رائعة أسأوا استخدامها، فربما قصدوا أن الذي يستحق المجد هو اللَّه الذي شفاك أمَّا يسوع فإنه رجل خاطئ كاسر السبت ويستحق الرجم، وربما قصدوا بها أنه مُقبل على الموت، وهذه العبارة هيَ التي كانوا يطلبونها من المتهم بخطية تستوجب الموت، حتى إذا فَقَدَ حياته الجسدية لا يخسر مصيره الأبدي، وهو ما فعله يشوع بن نون مع عخان بن كرمى الذي خان الأمانة وكدَّر إسرائيل، إذ قال له: " يَا ابْنِي أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَاعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي" (يش 7: 19). وأوضحت "المشنا" أنه يتحتم قبل رجم المحكوم عليه أن يعترف، حتى عندما يموت لا يفقد نصيبه الأبدي: " أنهم وهم رافعون الحجر وهم على بُعد عشرة أذرع يأمروه أن يعترف، وذلك بقولهم: "أَعْطِ مَجْدًا للَّـهِ" وذلك يقصد أنه إذا مات يكون قد اعترف وأعطى المجد للَّه فيكون له نصيب في الدهر الآتي" (280). ويقول "الأب متى المسكين": " فلما أعطى الولد المجد للَّه أصرَّ على صحة المعجزة ورفض رفضًا باتًا الإنصياع وراءهم أن يسوع رجل خاطئ، بل ورفض أن يكرّر لهم طريقة شفائه ولم يعبأ بنيتهم وتهديدهم له بالموت، فلما أيقنوا أن كل محاولاتهم باءت بالفشل شتموه، وهدَّدوه ملوَّحين بنوع العقوبة التي تناسب اتهامًا آخر "أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ" مما يفيد أنهم صمموا على تطبيق القرار الذي وصفه السنهدريم: "إن كل من يعترف بيسوع يُطرد من المجمع". ودافع الولد عن يسوع المسيح دفاعًا أظهر منه أنه لم يُعطَ عينين فقط بل بصيرة وقلبًا شجاعًا لا يهاب الموت في سبيل الشهادة للحق!!" (281).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
رابعًا: كيف يتفق قول السيد المسيح أنه جاء ليُدين العالم: " لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ" (يو 9: 39) مع قوله: " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47)؟ ... قال السيد المسيح: " لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يو 9: 39) فالسيد المسيح لم يأتِ في مجيئه الأول ليُدين العالم بل ليُخلص البشرية بالصليب، ولكن مجيئه هذا قسَّم البشرية إلى فريقين، فريق يقبله ويؤمن به، وفريق آخر يرفضه وربما يجدف عليه، فيحكم على نفسه بالدينونة، فالمقصود بالدينونة هنا التمييز بين الذين يُبصرون ابن اللَّه ويؤمنون به، وبين الذين يتعامون فيرفضون الإيمان به، كقول السيد المسيح: " حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" فمن الذين أبصروا هذا الرجل الأعمى الذي أبصر شمس البر وآمن به ودافع عنه ببسالة عجيبة، ومن الذين تعاموا الفريسيين الذين اتهموا يسوع بأنه خاطئ وكاسر السبت. غير المُبصر أبصر ونال البصيرة الروحية، والذين يدعون أنهم مُبصرين فهماء وحكماء ومدافعين عن ناموس موسى فقدوا بصيرتهم الروحية وسقطوا تحت حكم الدينونة. فقول السيد المسيح: " لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ" هو التمييز بين أناس وأناس، وإعلان ما في قلوب هؤلاء وقلوب أولئك، كقول سمعان الشيخ: " هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ" (لو 2: 24).
جاء السيد المسيح نورًا في العالم فانجذب إليه أبناء النور مثل السامرية ومريض بيت حسدا والمولود أعمى، وناصبه العداء أبناء الظُلمة من الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة. أمَّا قول السيد المسيح " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47) فهو أنه لم يحكم على أحد خلال مجيئة الأول الذي صنع فيه فداءً للبشرية، وصالح السمائيين مع الأرضيين. أمَّا في مجيئه الثاني فسيأتي ليدين كل أحد " لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَـبِ مَا صَنَعَ خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّ" (2 كو 5: 10).
_____
(277) تفسير إنجيل يوحنا، ص459، 460.
(278) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص675، 676.
(279) شرح إنجيل يوحنا - إعداد القمص أغسطينوس البراموسي، ص114.
(280) أورده الأب متى المسكين - المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص84.
(281) أورده الأب متى المسكين - المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص84، 85.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/728.html
تقصير الرابط:
tak.la/a6w4z53