سؤال 729: هل يُعقَل أن للخراف أسماء يناديها بها الراعي فتتبعه (يو 10: 3)؟ وما معنى أن السيد المسيح هو باب الخراف (يو 10: 7)، وهل هو باب الخراف أم أنه البواب أم أنه الراعي؟ وهل يُعقَل أن جميع الأنبياء الذين جاءوا قبل السيد المسيح هم سُراق ولصوص (يو 10: 8)؟

ج: أولًا: هل يُعقَل أن للخراف أسماء يُناديها بها الراعي فتتبعه (يو 10: 3)...؟ قال السيد المسيح: " يَفْتَحُ الْبَوَّابُ وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا... وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ" (يو 10: 3-5)، وهذا أمر مُعتاد في بلاد فلسطين، فالراعي في تلك البلاد كان يربي الأغنام من أجل الاستفادة من صوفها أكثر من الاستفادة من لحومها، فكانوا يتركون الخراف تعيش لسنوات طويلة، فتتولَّد علاقة مودة وآلفة بين الراعي وخرافه، وتألف الخراف صوت الراعي ونداءه، حتى لو كان هذا النداء مجرد صفير صادر من فم الراعي. وقد انتشرت في تلك البلاد الحظائر التي كانت تستوعب أكثر من قطيع، فبداخلها تختلط القطعان، ولكن عندما يأتي صوت الراعي في الصباح وهو يقف على باب الحظيرة تتحرك كل أغنام هذا القطيع دون بقية القطعان مُتجهة نحو راعيها، فتتبعه ولا تتخلف غنمة واحدة عن الموكب، فيقودها الراعي إلى المراعي وإلى مياه الراحة، ينتقل بها من منطقة معشبة إلى منطقة معشبة أخرى، وعند منابع المياه قد تعود القطعان وتختلط معًا، فقيل عن يعقوب: " وَإِذَا فِي الْحَقْلِ بِئـْرٌ وَهُنَاكَ ثَلاَثَةُ قُطْعَانِ غَنَمٍ رَابِضَةٌ عِنْدَهَا" (تك 29: 2) وإن كان من السهل اختلاط القطعان في الحظيرة أو عند منابع المياه، فإنه من السهل أيضًا أن يجمع كل راعي خراف قطيعه بمجرد النداء عليها، وهذا المنظر الرائع كان مثار إعجاب "آدم سميث" في كتابه: "الجغرافية التاريخية للأرض المقدَّسة" فيقول: " إنه بينما كان جالسًا ليستريح على مقربة من عين ماء، مستظلًا بفئ إحدى الأشجار، أقبل إلى العين أربعة رعاة، لكل منهم قطيع خاص. وإذا فقطعانهم قد اندفعت لترتوي من عين الماء، فاختلط حابلها بنابلها، وبعد أن استقى الرعاة للأغنام سوية، وكان وقت القيلولة قد انقضى، أخذ العجب من هذا السائح (آدم سميث) كل مأخذ، حين رأى الرعاة، وقد انفرد كل منهم عن الآخر، ووقف في مكان ظاهر على رأس الوادي، وأطلق صوته الرنان بنداء خاص، وإذا بالأغنام قد افترق بعضها عن بعض، كما يفترق الليل عن النهار، وما هيَ إلاَّ لحظة، حتى التأم معًا كل فريق منها مكوّنًا قطيعه الخاص، كما تلتئم الجداول الصغيرة لتصب في النهر"(282).
ثانيًا: ما معنى أن السيد المسيح هو باب الخراف (يو 10: 7) وهل هو باب الخراف أم أنه البواب أم أنه هو الراعي...؟ قال السيد المسيح: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ" (يو 10: 7)... " أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى" (يو 10: 9)، وهنا نجد عدة معاني تشع من هذه الآيات الذهبية:
1- السيد المسيح هو الراعي الصالح: " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو 10: 11)، وكان الراعي في أرض فلسطين يتجوَّل أحيانًا مع قطيعه عدة أيام بحثًا عن المراعي الخضراء، وكانت تنتشر الحظائر على سفوح التلال، فعندما يحل المساء يُدخِل الراعي قطيعه إلى إحدى هذه الحظائر التي لم يكن لها أبواب، فكان الراعي يحل هذه المشكلة بأن ينام مكان فتحة الباب، مُعتبرًا نفسه أنه صمام الأمان، الباب الحصين، الذي يمنع تسلل أي حيوان مُفترس إلى داخل الحظيرة، كما يمنع تسلل أي خروف إلى خارج الحظيرة لئلا تفترسه الذئاب الجائعة، فالسيد المسيح هو الباب وهو البواب الذي يقف بالمرصاد أمام الغرباء واللصوص والذئاب ويحفظ الخراف في أمان.
2- السيد المسيح هو الباب الذي من خلاله نعبر من هذا العالم المادي المضطرب إلى العالم الروحي والحياة الأبدية والحضرة الإلهية، هو السلم الصاعد إلى أعلى السماء. يقول "الأب أندره سكريما": " إن المسيح هو الباب بمعنى أنه مكان الدخول والخروج بين عالم وآخر، مكان الدخول من العالم الأرضي إلى العالم السماوي، من المستوى البشري إلى المستوى الإلهي. كان الناس قبل المسيح يُريدون الدخول من الباب إلى العالم السماوي ولكنهم كانوا يسعون إلى ذلك كسراق: لنذكر شعوب برج بابل... يقول الرب: أي أنا هو الصلة، أنا هو الاتصال الحقيقي بين العالمين، وذلك لكل جنس البشر... كان اليهود بصورة خاصة بدون راعٍ يرعاهم، واللصوص الذين كانوا يسرقونهم هم الفريسيون"(283).
3- ردًا على التساؤل: هل السيد المسيح هو باب الخراف أم أنه البواب أم أنه هو الراعي؟ فقد أجاب عليه قديمًا "القديس أغسطينوس" قائلًا: " ليتنا لا نرتبك أيها الإخوة في فهمه، إذ يحمل بتشبيهات بكونه هو الباب وأيضًا البواب. لأنه ما هو الباب؟ طريق الدخول. من هو البواب؟ ذاك الذي يفتح الباب. إذًا من هو ذاك الذي يفتحه إلاَّ هو نفسه حيث يكشف عن ذاته ليُرى"(284). كما يقول "القديس أغسطينوس" أيضًا: " لقد قال أنه هو "الراعي" كما قال أنه هو "الباب" نجد الاثنين في نفس الموضع. كلًا من "أَنَا هُوَ الْبَابُ" (يو 10: 7) و"أَنَا هُوَ الرَّاعِي" (يو 10: 11). في الرأس هو الباب، وفي الجسد هو الراعي... الذي يدخل من الباب هو الراعي أما الذي يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص، يبدد ويشتت ويهلك" (285). ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "عندما يحضرنا (السيد المسيح) إلى الآب يدعو نفسه "بابًا"، وعندما يرعانا يدعو نفسه "راعيًا". فلكي لا تظنوا أن عمله الوحيد أن يحضرنا إلى الآب لذلك دعا نفسه راعيًا" (286).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل يُعقل أن جميع الأنبياء الذي جاءوا قبل السيد المسيح هم سرَّاق ولصوص (يو 10: 8)...؟ قال السيد المسيح: " جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ" (يو 10: 8)، فمن هم الذين قصدهم المسيح بقوله: " جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي"؟
1- هم الأنبياء الكذبة: الذين قال الرب عنهم: " وَالرُّعَاةُ عَصَوْا عَلَيَّ وَالأَنْبِيَاءُ تَنَبَّأُوا بِبَعْل وَذَهَبُوا وَرَاءَ مَا لاَ يَنْفَعُ" (إر 2: 8)... " فَقَالَ الرَّبُّ لِي بِالْكَذِبِ يَتَنَبَّأُ الأَنْبِيَاءُ بِاسْمِي. لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ وَلاَ كَلَّمْتُهُمْ. بِرُؤْيَا كَاذِبَةٍ وَعِرَافَةٍ وَبَاطِل وَمَكْرِ قُلُوبِهِمْ هُمْ يَتَنَبَّأُونَ لَكُمْ" (إر 14: 14). " لَمْ أُرْسِلِ الأَنْبِيَاءَ بَلْ هُمْ جَرَوْا. لَمْ أَتَكَلَّمْ مَعَهُمْ بَلْ هُمْ تَنَبَّأُوا" (إر 23: 21).
2- هم الكهنة الفاسدون: " رُعَاةٌ كَثِيرُونَ أَفْسَدُوا كَرْمِي" (إر 12: 10)... " وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ وَيُبَدِّدُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي يَقُـولُ الرَّبُّ" (إر 23: 1)... " كَانَ شَعْبِي خِرَافًا ضَالَّةً قَدْ أَضَلَّتْهُمْ رُعَاتُهُمْ. عَلَى الْجِبَالِ أَتَاهُوهُمْ" (إر 50: 6-7)... " وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ. تَأْكُلُونَ الشَّحْمَ وَتَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَتَذْبَحُونَ السَّمِينَ وَلاَ تَرْعَوْنَ الْغَنَمَ" (حز 34: 2-3)... " وَيْلٌ لِلرَّاعِي الْبَاطِلِ التَّارِكِ الْغَنَمِ" (زك 11: 17).
3- هم حراس الشريعة من الكتبة والفريسيين: الذين اخترعوا وصايا وتعاليم غريبة وثقيلة واعتبروها أنها مساوية لوصايا الناموس، وسرقوا مجد اللَّه، وكل ما سعوا إليه هو الحصول على مديح وتعظيم الناس لهم، وأن يدعونهم سيدي سيدي (مت 23: 5-7). هؤلاء الذين رعوا أنفسهم، وقد دعاهم السيد المسيح كاشف الخفايا والخبايا بأنهم " سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ" فالسارق يتسلل إلى الحظيرة وبالمُكر والخداع يسبي النفوس ويسرقها، أمَّا اللص فإنه يقتحم الحظيرة علانية، فهم كذبة أولاد إبليس الذي هو " كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو 8: 44).
4- بعض مثيري الفتنة: الذين جاءوا قبل السيد المسيح مثل "ثوداس" الذي قُتل هو وكل من معه، و"يهوذا الجليلي" (أع 5: 36-37).
ومثل هؤلاء الفئات الضالة ومن على شاكلتهم لم تسمع الخراف الأمينة لهم، ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " لم يتكلم (السيد المسيح) هنا (يو 10: 8) عن الأنبياء، كما إدَّعى الهراطقة، فإنه إذ آمن كثيرون بالمسيح سمعوا للأنبياء واقتنعوا بهم. إنما يتحدث هنا عن ثوداس ويهوذا وغيرهما من مثيري الفتنة" (287).
ويوجه "بوب إتلي" نظرنا إلى أن بعض النُسّاخ الذين وجدوا صعوبة في فهم هذه الآية (يو 10: 8) مثل ناسخ المخطوطة D حذف كلمة "جميع"، وناسخي المخطوطتين P75، P45 حذفا كلمة "قبلي"، لتكون الآية أسهل في التفسير، بينما الأصل حوى كلاَّ الكلمتين "جميع" أو "قبلي" (راجع بوب إتلي - إنجيل يوحنا والرسالة 1، 2، 3 ليوحنا - تعليقات تفسيرية).
_____
(282) أورده الدكتور القس إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا، ص422.
(283) ترجمة رهبنة دير مارجرجس الحرف - دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص152.
(284) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1، ص719.
(285) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1، ص729.
(286) المرجع السابق، ص721.
(287) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 2، ص723.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/729.html
تقصير الرابط:
tak.la/xyz4whd