سؤال 720: عندما قال السيد المسيح لليهود: " لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي" (يو 7: 19)، لماذا " أَجَابَ الْجَمْعُ وَقَالوُا بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُـبُ أَنْ يَقْتُلَكَ" (يو 7: 20)؟ وعندما أرسل رؤساء الكهنة والفريسيون خدامًا ليقبضوا على يسوع (يو 7: 32) لماذا لم يقبضوا عليه (يو 7: 45)؟ وعندما قال يسوع: " مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو 7: 38) فأين جاء هذا في الكتاب المقدَّس؟ وعندما قال نيقوديموس: " أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ" (يو 7: 51)، هل كان هذا دفاعًا عن الناموس، أم عن يسوع؟ وهل حقًا لم يكن هناك أي نبي من الجليل (يو 7: 52)؟

ج: أولًا: عندما قال السيد المسيح لليهود: " لِماذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي" (يو 7: 19)، لماذا " أَجَابَ الْجَمْعُ وَقَالوُا بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ" (يو 7: 20)؟
1- ربما لم يكن معظم اليهود على دراية بالمؤامرات التي كان يحبكها رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون للإيقاع بالسيد المسيح في شباك الموت، مثلما سألوه ذات مرة عن الجزية: " أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ" (لو 20: 22) وسواء جاءت الإجابة بالإيجاب فهو مُتهم بأنه ضد بني وطنه، وإن كانت بالسلب فهو مُتهم أنه ضد القيصر، فمعظم اليهود لم يقفوا على نوايا هذه القيادات الدينية السيئة (راجع يو 7: 1، 19، 25، 30، 44؛ 8: 37، 40، 59) ولذلك ظنوا أن يسوع متأثر بهواجس شيطانية لا وجود لها في أرض الواقع، ولذلك قالوا له بك شيطان من يطلب أن يقتلك؟ ولو أن السيد المسيح كان به مس شيطاني، فكيف كان يُكلمهم بالعقل والمنطق؟!! احتجوا عليه لأنه شفى مريض بيت حسدا بعد 38 سنة من المرض يوم سبت، مع أنهم يُمارسون ختان الأطفال يوم السبت، فكل ولد يولد في يوم سبت فإنه يُختن في اليوم الثامن لميلاده أي في السبت التالي. قال "الرابي عقيبة": " كل عمل يقع في يوم السبت عادة، يجوز تقديم موعده إلى ما قبل السبت، إلاَّ الختان فإذا وافق سبت، فمن المُحال تقديمه أو تأخيره" (217). وجاء في المدراش اليهودي: " كل مستلزمات الختان ينبغي أن تُنجز يوم السبت" (المرجع السابق ص291)، والسيد المسيح خاطبهم بالعقل والمنطق قائلًا: " فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْبَلُ الْخِتَانَ فِي السَّبْتِ لِئَلاَّ يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي السَّبْتِ. لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا" (يو 7: 23-24)، فهل الختان الخاص بالجسد والذي يؤلم الطفل ويبكيه ويسيل دمه لا يُدنس السبت في نظركم، بينما شفاء إنسان بالكامل مريض منذ عشرات السنين، وشفاءه روحًا وجسدًا ونفسًا، ويضع نهاية للمتاعب والآلام يكسر السبت في نظركم؟!! لا تحكموا حسب الظاهر، لأنه الحكم بحسب الظاهر ربما يظهر أمام الناس أنه حكمًا عادلًا بينما هو غير عادل، وكان الكتبة والفريسيون المراؤون يظهرون أمام الناس كأنهم أبرياء وهم ليسوا أبرياء، لذلك قال لهم السيد المسيح: " وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ من دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ" (مت 23: 27). أيضًا العمل الذي عمله السيد المسيح في شفاء هذا الرجل، هذا العمل المملوء محبة وحنو وعطف ورأفة وشفقة يثبت أنه ليس مختلًا ولا مجنونًا ولا به شيطان.
2- إتهام اليهود للسيد المسيح أنه به شيطان كان اتهامًا متكررًا، فتارة: " وَقَالُوا لَهُ أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو 8: 48)، وتارة أخرى: " قَالَ لَهُ الْيَهُودُ الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَانًا" (يو 8: 52)، وتارة ثالثة: " فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ بِهِ شَيْطَانٌ وَهُوَ يَهْذِي" (يو 10: 20). إلخ. بل أنهم قالوا نفس الشيء عن يوحنا المعمدان بسبب نُسكه وتقشفه، فقال السيد المسيح: " لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ فَيَقُولُونَ فِيهِ شَيْطَانٌ" (مت 11: 18)... " فَتَقُولُونَ بِهِ شَيْطَانٌ" (لو 7: 33).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: عندما أرسل رؤساء الكهنة والفريسيون خدامًا ليقبضوا على يسوع (يو 7: 32) لماذا لم يقبضوا عليه (يو 7: 45)؟
1- في هذا الأصحاح نقف أمام ثلاث محاولات للقبض على يسوع، الأولى: " فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ" (يو 7: 30) فقد تطوَّع بعض المتعاطفين مع القيادات الدينية والمطلعين على مدى حقد هذه القيادات على يسوع لذلك طلبوا أن يمسكوه إرضاءً لأهواء ورغبات القيادات الدينية، فتبرعوا من أنفسهم أن يلقوا القبض عليه، بدون أي تكليف من أي سلطة مدنية أو دينية، ولكنهم عجزوا عن القبض عليه والإمساك به: " وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ" (يو 7: 30). الثانية: " فَأَرْسَلَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ خُدَّامًا لِيُمْسِكُوهُ" (يو 7: 32) والمقصود بالخدام هنا بعض من جنود الهيكل، فهؤلاء الخدام كُلفوا بمهمة رسمية للقبض على يسوع، وإذ بهؤلاء الخدام قد أُخذوا بتعاليمه السامية التي لامست قلوبهم الطيبة، فوقفوا أمامه مشدوهين وانصرفوا بسلام دون أن يفكر أحدهم بأداء مهمته الرسمية. الثالثة: يقول يوحنا الإنجيلي: " وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ الأَيَادِيَ" (يو 7: 44)... لقد فشلت هذه المحاولات وغيرها.
2- هؤلاء الخدام جنود الهيكل لم يمسكوا بيسوع ولم يقبضوا عليه، وذلك ليس خوفًا من مؤيديه وأتباعه، وهم كثيرون، بل لأنهم سُبوا من تعاليمه السمائية، فكلامه هو روح وحياة، ولديه الحياة الأبدية يهبها لمن يؤمن به، كما أفصح عن قصر مدة إقامته معهم: " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 33). وكأنه يقول لهم: لقد جئتم للقبض عليَّ، ولو تمهلتم قليلًا فإنني سأرحل من هذا العالم وأعود للآب السمائي الذي أرسلني، فلماذا تتسرعون بالقبض عليَّ؟! وعندما عاد هؤلاء الخدام إلى مرسليهم بخفي حنين، سألوهم: " لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟ أَجَابَ الْخُدَّامُ لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ" (يو 7: 45-46)، وكان هذا رأيهم جميعًا لم ينقسموا على بعضهم البعض مثلما انقسم الشعب: " فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ" (يو 7: 43). يقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: "على أنهم حين ذهبوا إليه وجدوه يعلّم الجموع، واستمعوا إلى تعاليمه الإلهية الرائعة، وإلى عباراته السمائية السامية، البديعة التركيب العميقة المعنى، التي كان ينطق بها في رقى وفي عظمة معًا! في وداعة وهيبة مُجتمعين، فنفذت نورًا إلى أعماق قلوبهم وبهرتهم وسحرتهم، لأنهم لم يكونوا قد سمعوا من قبل إنسانًا قط يتكلم بمثل هذا السمو وهذه الروعة، ومن ثمَّ أحبُّوه وهابوه ولم تطاوعهم قلوبهم على أن يتقدموا إليه ويُلقوا القبض عليه، كما أمرهم رؤساؤهم أن يفعلوا. وعلى الرغم من علمهم بشراسة أولئك الرؤساء وخوفهم مما ينتظرونه على أيديهم من عقاب صارم وتعنيف عنيف، عادوا إليهم دون أن يقبضوا عليه" (218).
ويقول "الأب متى المسكين": " الخدام والضابط وجدوا أنفسهم أمام سلطة ذات مستوى أرقى وأعلى لم يواجهوها من قبل، شلَّت أيديهم وجمدَّت أرجلهم. لم يكن سهلًا على أنفسهم ولا على وظائفهم أن يعودوا بدونه، ولكن كان سهلًا عليهم أن يفقدوا "هذه" و"تلك" ولا يمدوا أيديهم عليه!!! لم يكن الخوف وحده الذي أرعبهم من الاقتراب إليه، ولكن كلامه كان فيه روح وحياة أنعشت نفوسهم المُجدبة، ورفعت من أرواحهم فوق السنهدريم والقوانين والوظائف والحياة والموت. فعادوا فرحين لأنهم لم يقبضوا عليه وليكن ما يكون... أما الزمان اليسير الذي حسبه الرب وقاسه، فكان ستة شهور ليأتي الفصح الأخير وليكمل الزمان ويُذبح المسيح فصحنا... وهو يتكلم بنفس المشاعر التي تجول في قلوبهم فهو مُرسَل كما هو مُرسلون، هم مُرسلون من السنهدريم وهو مُرسَل من اللَّه... والكلام واضح لهم ومؤثر للغاية. رسالتهم قبض ودينونة وعنف، وهم كرهوها أشد الكره، ولولا أكل العيش لتركوها. ورسالته وضحت أمامهم أنها للحب والسلام والفرح والشفاء والشكر. لقد خجلوا جدًا من أنفسهم وعادوا يتحدثون بفضل الذي سمعوه" (219).
ثالثًا: عندما قال يسوع: " مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو 7: 38) فأين جاء هذا في الكتاب المقدَّس...؟ سبق مناقشة موضوع اقتباسات كتَّاب العهد الجديد من أسفار العهد القديم ورأينا أن هناك عدة أنواع من الاقتباسات:
1- الاقتباس النصي: يلتزم المُقتبس بذكر النص كما ورد بذات الألفاظ.
2- الاقتباس الضمني: يلتزم المُقتبس بالمضمون دون التقيد باللفظ، فبينما قال ميخا النبي عن بيت لحم أنها الصغرى قال القديس متى "وأنتِ لست الصغرى" فقد كانت صغيرة قبل أن يُولد السيد المسيح فيها، ثم صارت لها شهرتها العالمية بعد ولادته فيها.
3- الاقتباس البسيط: يأخذ المُقتبس الاقتباس من نص واحد فقط.
4- الاقتباس المركَّب: يأخذ المُقتبس الاقتباس من أكثر من نص، مثلما اقتبس مرقس الإنجيلي من سفري إشعياء وملاخي في حديثه عن يوحنا المعمدان (مر 1: 2-3) ولذلك قال: " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" ولم يقل: كما قيل بالنبي...
5- الاقتباس الجزئي: اقتباس جزء من النص.
6- الاقتباس الكلي: اقتباس مقطع كامل.
كما أن هناك اقتباسات تجمع بن نوعين من الاقتباسات مثل الجمع بين الاقتباس النصي (اللفظي) والمركب، أو الاقتباس الضمني والاقتباس الكلي... إلخ وللمزيد يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 1 س43. وما قاله السيد المسيح هنا " مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ" تجده قد ورد في العهد القديم عدة مرات على لسان اللَّه، فالاقتباس هنا غير مباشرة، فهو اقتباس بالمعنى مع الأخذ في الاعتبار أن السيد المسيح هو اللَّه المتجسد:
† " أَخْرَجَ مَجَارِيَ مِنْ صَخْرَةٍ وَأَجْرَى مِيَاهًا كَالأَنْهَارِ" (مز 78: 16) وهنا يشير للصخرة الصماء التي تفجر منها الماء لتُعطي حياة لشعب اللَّه في البرية: " وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (1 كو 10: 4).
† " وَيَصِيرُ السَّرَابُ أَجَمًا وَالْمَعْطَشَةُ يَنَابِيعَ مَاءٍ" (إش 35: 7).
† " لأَنِّي أَسْكُبُ مَاءً عَلَى الْعَطْشَانِ وَسُيُولًا عَلَى الْيَابِسَةِ" (إش 44: 3).
† " أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ" (إش 55: 1).
† " وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ" (إش 58: 11).
† " فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لِبَيْتِ دَاوُدَ وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ" (زك 13: 1).
† " تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر 2: 13).
وكل ما سبق وغيره يتوافق معه أقوال السيد المسيح التي تربط بين الإيمان والمياه، فقد قدم نفسه للسامرية على أنه "الماء الحي" وقال: " وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ" (يو 4: 14)... " إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" (يو 7: 37) وفي سفر الرؤيا قال: " وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا" (رؤ 22: 17). ومن خلال مياه المعمودية المقدَّسة يُولد الإنسان من الماء والروح ويصير ابنًا للَّه، وعندما يرش الأب الكاهن الشعب بالماء فإنه يذكرهم بمعموديتهم.
رابعًا: عندما قال نيقوديموس: " أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ" (يو 7: 51)، هل كان هذا دفاعًا عن الناموس، أم عن يسوع؟ وهل حقًا لم يكن هناك أي نبي من الجليل (يو 7: 52)؟
1- لقد قصد نيقوديموس وهو عضو بارز في مجمع السنهدريم أكبر هيئة دينية مدنية في إسرائيل أن يقول كلمة حق في حق الناموس وحق السيد المسيح، فمن جهة الناموس قال رؤساء الكهنة: " هذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ" (يو 7: 49) وشايعهم الفريسيون في هذا، فأراد نيقوديموس أن يرد عليهم بنفس المنطق فكأنه يقول لهم: وهل أنتم تفهمون الناموس؟! هل الناموس يدين إنسانًا دون أن يسمع منه؟!! أليس الناموس يوجب على رجال القضاء الاستماع لدفاع المتهم (راجع تث 1: 16-17؛ 17: 8؛ 19: 15)؟!! فبموجب كلامهم ومنطقهم أدانهم. هل تريدون أن تحموا الناموس من الغير ولا تحمونه من أنفسكم؟!! وللأسف فإن الفريسيين لم يتفهموا قول الحق على لسان نيقوديموس بل قالوا له: " أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ" (يو 7: 52)؟ يقول "متى هنري" عن نيقوديموس: " لقد كان حصيفًا إذ أقام حجته على أساس مبادئ ناموسهم، وهيَ قاعدة قانونية لا تقبل جدلًا أنه يجب عدم إدانة أحد " لم يُسمع منه أولًا " دفاعه. وبينما كانوا قد وبخوا الشعب باعتباره "لا يفهم الناموس" نرى نيقوديموس هنا بطريقة غير مباشرة يرد التهمة عليهم. وقيل عن الناموس هنا أنه "يدين" و"يسمع"، و"يعرف"... ولكل قاضٍ أذنان لكي يسمع طرفي النزاع، والناس لا يجب أن يحاكموا طبقًا لما يُقال عنهم بل بحسب ما ارتكبوه. والمحاكمة يجب أن تراعي الحقائق لا الوجوه، وميزان العدالة يجب أن يُستخدم قبل سيف العدالة" (220).
أما من جهة موقفه من السيد المسيح فواضح أن نيقوديموس لم يكن موافقًا القيادات الدينية التي أدانت يسوع بشدة وبدون وجه حق، لأنه عرفه والتقى به عندما ذهب ليتعلم منه (يو 3: 1-13) وأشار يوحنا الحبيب لهذا اللقاء قائلًا: " قَالَ لَهُمْ نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ لَيْلًا وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ" (يو 7: 50)، وقد اكتمل إيمان نيقوديموس وظهرت شجاعته عندما رأى شجاعة يسوع في مواجهة الموت فأُنتزع الخوف من قلبه، وشارك يوسف الرامي في تكفين ودفن يسوع باكرام عظيم (يو 19: 38-42).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
2- حكم رؤساء الكهنة والفريسيون على السيد المسيح بسبب موطنه، فما دام هو يسكن في الجليل إذًا من المستحيل أن يكون نبيًا، وقدموا مغالطتهم التي تفضح إما جهلهم أو سوء نيتهم إذ قالوا لنيقوديموس: " فَتِّشْ وَانْظُرْ إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ" (يو 7: 52)، وتجاهلوا تمامًا دبورة النبية من سبط نفتالي، ويونان النبي العظيم، وناحوم، وإيليا النبي الناري الذي كان من تشبه من سبط نفتالي (1مل 17: 1)، وتلميذه أليشع النبي من أيل محولة بالجليل (1مل 19: 16)، وعاموس النبي، وأخيا الشيلوني، وحنة بنت فنوئيل من سبط أشير (لو 2: 36)... راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 10 س1227. وحتى لو صح قولهم فرضًا فهل معنى عدم ظهور نبي في منطقة معينة في الماضي يعني عدم قيام نبيًا في تلك المنطقة مستقبلًا؟! وهل يصح أن نأخذ الماضي حكمًا مُطلقًا على المستقبل؟!! لقد تجاهل هؤلاء القادة:
أ- نبوءة إشعياء النبي الواضحة: " طَرِيقَ الْبَحْرِ عَبْرَ الأُرْدُنِّ جَلِيلَ الأُمَمِ. اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ" (إش 9: 1-2)، وقد تحقَّقت هذه النبوءة في شخص يسوع المسيح (مت 4: 14-16).
ب- إن يسوع المسيح بحسب النسب هو من سبط يهوذا، سواء من جهة العذراء مريم كما أورده القديس لوقا في إنجيله، أو من جهة يوسف النجار بحسب النسب الذي أورده القديس متى في إنجيله.
يقول "القديس كيرلس الكبير": " باطلًا يقول الفريسيون عن المسيح مخلصنا " إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ " لأنه كان بالأحرى بهم أن يستفسروا كيف وهو الذي جاء من أبوين يهوديين (يو 6: 42)، أن يكون جليليًّا، وأن يأخذوا في الاعتبار أخيرًا أنه تربى في الناصرة، ولا يضلون عن الإيمان به لهذا السبب" (221).
ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " وقد أحنق أعضاء السنهدريم دفاع زميلهم نيقوديموس عنه، فأرادوا تجريحه بأن يصفوه بهذا الوصف ويصفوه بهذه الوصمة (أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ؟). وفي سبيل ذلك برهنوا على جهلهم حتى بالشريعة التي يزعمون أنهم علماؤها وفقهاؤها والمتبحرون فيها، إذ قالوا -لتسفيه مسلك زميلهم- أنه " لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ " مُعتقدين بذلك أنهم قدموا الدليل القاطع والحجة التي لا سبيل إلى نقضها، مع أنهم يعرفون جيدًا أو لا يعرفون على الإطلاق أن يونان النبي قد قام من الجليل، وأن ناحوم النبي قد قام من الجليل. ولكنهم عموا أو تعاموا عن هذه الحقيقة، وجهلوها أو تجاهلوها، وقد طمس الغيظ قلوبهم وذهب الحقد بالبقية من عقولهم" (222).
_____
(217) أورده الدكتور القس إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا، ص291.
(218) الإنجيل للقديس يوحنا - ترجمة اللجنة المشكلة بمعرفة البابا كيرلس السادس، ص365.
(219) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ1، ص494، 495.
(220) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس، جـ 1، ص639.
(221) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1، ص568.
(222) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس جـ 5 - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص174، 175.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/720.html
تقصير الرابط:
tak.la/6x8g9k4