St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

719- لماذا حاول إخوة يسوع الذين لم يؤمنوا به بعد، أن يدفعوه للصعود إلى أورشليم في عيد المظال (يو 7: 3، 4)؟ وهل يوجد تناقض بين قول السيد المسيح: " أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ" (يو 7: 8)، و "حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ" (يو 7: 10)، أم أنها كانت مجرد كذبة بيضاء بريئة؟ وهل السيد المسيح " لَمْ يَتَعَلَّمْ" (يو 7: 15) أم أنه كان يجيد القراءة والكتابة؟

 

سؤال 719: لماذا حاول إخوة يسوع الذين لم يؤمنوا به بعد، أن يدفعوه للصعود إلى أورشليم في عيد المظال (يو 7: 3-4)؟ وهل يوجد تناقض بين قول السيد المسيح: " أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ" (يو 7: 8)، و"حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ" (يو 7: 10)، أم أنها كانت مجرد كذبة بيضاء بريئة؟ وهل السيد المسيح " لَمْ يَتَعَلَّمْ" (يو 7: 15) أم أنه كان يجيد القراءة والكتابة؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: لماذا حاول إخوة يسوع الذين لم يؤمنوا به بعد، أن يدفعوه للصعود إلى أورشليم في عيد المظال (يو 7: 3-4)...؟ بعد معجزة إشباع الجموع، وحديث السيد المسيح مع يهود كفرناحوم عن خبز الحياة النازل من السماء ورفض الكثيرين فكرة العشاء الرباني، تراجع الكثيرون إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه، أمَّا في اليهودية فقد أضمروا الشر له، بل ترصدوا له ليقتلونه ويخلصوا منه للأبد، مما جعل السيد المسيح يكرز في قرى الجليل نحو ستة أشهر، لم يرى فيها أورشليم، ولم يذهب لليهودية: " لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ" (يو 7: 1). لاحظ أن الإنجيل لم يقل أنه خاف وجبن، ولم يقل أنه لم يجسر ولم يجرؤ على التردد على اليهودية، بل قال: " لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ"، فالدافع ليس الخوف والجُبن، بل الحيطة والحذر لأن ساعته التي حدَّدها لم تأتِ بعد، لذلك جميع محاولات اغتياله باءت بالفشل (راجع يو 7: 19، 25، 30، 32، 44؛ 8: 37، 40، 59): " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْد" (يو 7: 6)، فهو سيد المعركة الذي يحدد ساعة الصفر بحسب إرادته.

وكان عيد المظال قريبًا على الأبواب، وهو آخر الأعياد اليهودية، ويقع في الخريف خلال الفترة من 15-22 تشرين، وهو الشهر السابع من السنة اليهودية، ويُقابل شهري سبتمبر وأكتوبر من السنة الميلادية، فكان اليهود يُقيمون في المظال التي يقيمونها في الأرض الفضاء أو على أسطح منازلهم من أغصان الشجر وسعف النخيل وأغصان أشجار غبياء وصفصاف الوادي (لا 23: 40)، يتساوى في هذه المظال الفقير مع الغني، يشكرون اللَّه عقب جمع غلات الأرض والمحاصيل والكروم، ويلتمسون الأمطار للموسم المقبل. يتذكرون غربتهم في صحراء سيناء أربعين عامًا، كما أنهم يترجون مجيء المسيا الذي سينقلهم إلى عصر جديد. كان يخرج موكبان كبيران في فجر كل يوم منذ اليوم الأول من عيد المظال، يجمع أحد الموكبين أغصان الزيتون وسعف النخيل وأغصان أشجار الآس والصفصاف، يربطونها بأشرطة ذهبية أو فضية ويحملونها للهيكل حيث يطوفون حول المذبح وهم يُسبحون ويهتفون: "أوصانا. نطلب إليك خلصنا" كما أنهم يترنمون بالمزمور: " اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ" (مز 118: 1) وفرق التسبيح تعزف الموسيقى مع ضرب الأبواق، وفي اليوم السابع يطوفون هذه الدورة سبع مرات تذكارًا لسقوط أسوار أريحا، وفي اليوم الثامن يكون محفل مقدَّس للرب. أمَّا الموكب الثاني فيقوده رئيس الكهنة وهو يحمل إبريقًا من الذهب ويتجهون إلى بركة سلوان، فيغترف الماء في الإبريق، ويعود إلى الهيكل. يهتف الشعب: "شمر عن ذراعك" فيمزج رئيس الكهنة الماء بخمر ويسكبه على جانب المذبح في فوهة أنبوب فضي يصرف الماء إلى وادي قدرون، تذكارًا للماء الذي انفجر من الصخرة الصماء، بينما يرتل المحفل: " هُوَذَا الله خَلاَصِي فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا. فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ الْخَلاَصِ... صَوِّتِي وَاهْتِفِي يَا سَاكِنَةَ صِهْيَوْنَ لأَنَّ قُدُّوسَ إِسْرَائِيلَ عَظِيمٌ فِي وَسَطِكِ" (إش 12: 2-3، 6) ويقرأون أيضًا الأصحاح السابع والأربعين من سفر حزقيال. كان الشعب يحرص على هذين الموكبين وهم يشقُّون شوارع أورشليم، حتى قال أحد الربيين إن من يتخلف عن أفراح هذا اليوم يفوته تذوق طعم الفرح الحقيقي، وكان في الهيكل منارة ذهبية ضخمة مُرتفعة بها ثمانية شعب وأربع منارات في رواق النساء، كل يوم يُضيئون شعبة عنها فينعكس نورها في أرجاء المدينة، كما أنهم يُوقدون السرج والأنوار في منازل أورشليم وشوارعها، ويسهرون بقرب النار تمثلًا بانتظار المسيا. أراد إخوة يسوع أن يدفعوا يسوع للصعود إلى أورشليم سواء بنية حسنة أو نية رديئة. ومن هم إخوته؟ بالمعنى الضيق هم يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا سواء كانوا أولاد خالته، أو أولاد يوسف من زوجة سابقة، وفي يوم الخمسين كانوا إخوة يسوع مُجتمعين مع الرسل والعذراء مريم في العلية (أع 1: 14).

أمَّا المعنى الأشمل لإخوته فهم أقاربه وبني وطنه. قال له إخوته أنت تريد أن تكون رسالتك في العلن فلماذا تكرز في قرى الجليل، بينما أورشليم حيث الهيكل والقيادات الدينية هيَ الفيصل؟! لماذا تحصر نفسك في دائرة الظل في الجليل، ولا تذهب إلى أورشليم ولا سيما في هذا العيد المُبهج حيث تصل الأعداد إلى مئات الألوف؟!! " لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً" (يو 7: 4). أراد البعض أن يُسدي له النصيحة وكأنه يفهم أكثر منه، فقالوا أن فرصتك الذهبية في إظهار مهاراتك وإعلان معجزاتك وقدرتك في العيد في أورشليم حيث يقبل اليهود من كل حدبٍ وصوبٍ، عندئذ سيذيع صيتك ويعم الآفاق، وأمَّا البعض الآخر الذي يكن له الكراهية ويحسدونه، فأرادوا أن يدفعوه إلى أيدي قاتليه، وسواء كانوا من الحاسدين الحاقدين أو من الذين أرادوا أن يكتسبوا مجدًا على حساب سلامته، ويفتخرون بابن جلدتهم، فإن السيد المسيح لم يستسلم لرغباتهم، بل ظل في أداء رسالته وإعلان نفسه على أنه ماء الحياة، وخبز الحياة، ونور الحياة، والقيامة والحق والحياة، وهو الكائن منذ الأزل قبل أن يكون إبراهيم... إلخ حتى قال عنه إخوته أنه مختل العقل ومجنون، وظنه آخرون أن به شيطان (راجع مر 3: 21-22).

يفترض "القديس كيرلس الكبير" حسن نوايا إخوته، فيقول: " لا يزال فهمهم عنه قاصرًا، وهم يقلّلون جدًا من النعمة والسمو اللذين فيه، فلا يرون فيه شيئًا أكثر مما يراه الباقون، مخدوعين بالآراء العامة عنه، ظانين أنه هو أيضًا قد وُلِدَ من أبيهم يوسف، ولا يرون التدبير الخفي للسر. لأنه حينما أُجريت معجزات كثيرة سرًا بواسطة المسيح في الجليل، حثوه أن يطلب المجد الباطل، ونصحوه أن يتقبل إعجاب الجموع، وكأن هذا الأمر شيء عظيم للغاية، وكأنه لأجل ذلك وحده، كان يريد أن يصنع معجزات عديدة، فقط لكي يبدو محل إعجاب الناظرين، فينافس الآخرين في مديح الناس له، بحسب عادة بعض الذين يطلبون المجد" (212).

أمَّا "القديس يوحنا الذهبي الفم" فيفترض سوء نية إخوته، فيقول: " تبدو كلماتهم صادرة عن أحباء، لكنها كانت صادرة عن خبثاء، فإنهم يتهمونه بالجُبن هنا مع محبة المجد الباطل. فالقول "لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي الْخَفَاءِ" هو تعبير يوجه لأشخاص يتسمون بالجُبن، ومن يتشككون في الأعمال التي يُمارسونها أنها لست حقيقية. وبإضافة " وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً" يتهمونه بالمجد الباطل" (213). وأيضًا القيادات الدينية في أورشليم لم تخفي حقدها وسوء نيتها، فيقول "القس أبو الفرج": " قال يوحنا فم الذهب ما أعظم جرم اليهود، وما أفظع إثمهم بطلبهم يسوع يوم العيد ليقتلوه عوضًا عن طلبهم إياه ليؤمنوا به تقديسًا للعيد" (214).

ويقول "الأب متى المسكين": " وهكذا يشترك الجليليون مع التلاميذ الذين رجعوا إلى الوراء، مع إخوة الرب... بسبب انتظارهم اليهودي التقليدي الكاذب لمجد دنيوي في شخص ملوكية المسيا، فلما أدركوا أن نهاية رسالة المسيح هيَ موت وذبح وجسد ودم، انقلبوا ناقدين وناقمين وعلى الأقل جدًا غير فاهمين... ولكن هذا الموقف من إخوة الرب لم يمنع أن يصبح يعقوب أخو الرب واحدًا من الرسل فيما بعد، ولا أن يكون يهوذا غير الإسخريوطي أحد التلاميذ الاثنى عشر المؤتمنين، وهذان الاثنان بالذات يبدو أن خبرتهما المؤلمة أنشأت إيمانًا ساخنًا حارًا بعد استعلان مجد الرب بالقيامة، فكتب كل منهما رسالته، ولكن يبدو من الرسالتين مدى تأثر الشخصية بالتقليد والقوالب اليهودية القديمة إلى حد ما، مما يكشف عن سر عثرتهم الأولى" (215).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: هل يوجد تناقض بين قول السيد المسيح: " أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ" (يو 7: 8)، و"حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ" (يو 7: 10)، أم أنها كانت مجرد كذبة بيضاء بريئة...؟

1- أراد إخوة يسوع من يسوع أن يصعد للعيد علانية مع تلاميذه، ليُظهِر نفسه للعالم، أمَّا السيد المسيح العارف بخبايا الأمور يُدرك أن صعوده بهذه الطريقة مع الجليليين المُتحمسين له، والآلاف التي تشتهي أن تلتقي به في أورشليم سيثير حقد وغيرة القيادات الدينية مما سيؤدي إلى اغتياله، بينما الوقت الذي حدده لنفسه لم يأتِ بعد، لذلك قال لهم: " إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ" (يو 7: 6) فساعة الصفر التي حدَّدها ليدخل أورشليم كملك ظافر ثم يتوَّج على عود الصليب لم تحن بعد، أمَّا الإنسان فوقته حاضر في كل حين، وكلٍ حسب أجله، كقول داود النبي: " فِي يَدِكَ آجَالِي" (مز 31: 15) وكقول الجامعة لمن يُغامر بحياته ويقبل على مهام انتحارية: " لاَ تَكُنْ شِرِّيرًا كَثِيرًا وَلاَ تَكُنْ جَاهِلًا. لِمَاذَا تَمُوتُ فِي غَيْرِ وَقْتِكَ" (جا 7: 17). وبعد أن صعدوا هم في أفواج وزحام بدونه، صعد هو في هدوء في وقت توقف فيه الرحيل إلى أورشليم، وعلَّق يوحنا الإنجيلي قائلًا: " لاَ ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ" (يو 7: 10). صعد نحو اليوم الرابع من العيد الذي كان يستغرق ثمانية أيام، وبعد أن هدأ الرؤساء والفريسيين إذ بحثوا عنه ولم يجدوه فاستراحت نفوسهم إلى حد ما، وهذا ما كان يُدركه يسوع ويعرفه جيدًا، ففوَّت عليهم الفرصة للكيد منه وتدبير مؤامرة قتله.

يقول "الأب متى المسكين": " وهؤلاء كانوا يبحثون عنه في كل الجماعات القادمة من الجليل - على مستوى مباحث أمن الدولة - ولم يجدوه. وهكذا صحَّ فكر المسيح وقوله لإخوته: "اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ" (يو 7: 8)، لأنه تخلَّف عن الركب حتى لا يُعطي أعداءه فرصة لتدبير المكائد" (216).

2- قال السيد المسيح لإخوته: " أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ" (يو 7: 8) لم يقل: أنا لست أصعد على الإطلاق، إنما قال " بَعْدُ" وهذه الكلمة فيها حل اللغز، فهو لن يصعد الآن، ولكن لا مانع أن يصعد في وقت لاحق. لم ينفِ الصعود المُطلّق إلى أورشليم إنما نفى الصعود في الوقت الراهن، فالاعتراض ليس على الصعود وعدمه، بل على الوقت الملائم وغير الملائم للصعود. وهذا ما أوضحه يوحنا الحبيب:

أ- " وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا" وبالطبع لم يصعد معهم.

ب- "حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا" (يو 7: 10).

 

3- صعد إخوة يسوع إلى أورشليم في بداية العيد ليعيدوا العيد بكامل طقوسه. ذهبوا في أفواج ضخمة، وبعد أن انتهت ضجة رحلات الحج هذه صعد السيد المسيح إلى أورشليم من أجل مهمة أخرى وهيَ التعليم " وَلَمَّا كَانَ الْعِيدُ قَدِ انْتَصَفَ صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْهَيْكَلِ، وَكَانَ يُعَلِّمُ" (يو 7: 14). انتظر حتى انتصف العيد ليُعطي فرصة للقيادات الدينية لمراجعة موقفها العدائي منه، وأيضًا يُعطي فرصة لرواد الهيكل لإعادة تقديرهم لتعاليمه ومعجزاته وهويته، وفعلًا: " وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ صَالِحٌ. وَآخَرُونَ يَقُولُونَ لاَ بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ" (يو 7: 12).

4- في صعود السيد المسيح إلى أورشليم لم يتجه مباشرة إلى أورشليم، بل قال متى الإنجيلي: " وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذَا الْكَلاَمَ انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (مت 19: 1)، وقال مرقس الرسول: " وَقَامَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (مر 10: 1) وعندما وصل إلى أورشليم وجد الجموع كانت تناجي بعضها البعض بين مؤيد ومعارض (يو 7: 12) أما رؤساء الكهنة والفريسيون فأنهم كانوا يفتشون عليه " وَيَقُولُونَ أَيْنَ ذَاكَ" (يو 7: 11) وواضح من قولهم " ذَاكَ" دون أن يذكروا اسمه أنهم يحقّرون من شأنه، ووصل بالبعض إلى إتهامه بأنه " يُضِلُّ الشَّعْبَ"، وسرت الهمهمات بين الجموع " لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَارًا لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ" (يو 7: 13).

 

5- الأمر المُدهش أن بعض النُقَّاد المشكّكين ادعى أن قول يسوع: " أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ" (يو 7: 8) ثم صعوده، هو مجرد كذبة بيضاء بريئة من يسوع، وهم يتجاهلون أن الكذب خطية ولا يوجد كذبة بيضاء وأخرى سوداء، ويتغافلون أن يسوع المسيح هو الكمال المُطلّق الذي تحدى العالم كله قائلًا: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو 8: 46) فهو القدوس وحده الذي بلا خطية: " الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1 بط 2: 22). وكيف يكذب من أدان الكذب والكذاب، وقال: " وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ" (رؤ 21: 8) مع أبيهم إبليس: " لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو 8: 44).

 

ثالثًا: هل السيد المسيح " لَمْ يَتَعَلَّمْ" (يو 7: 15) أم أنه كان يجيد القراءة والكتابة...؟ كان السيد المسيح يعرف القراءة والكتابة جيدًا، لأنه في طفولته التحق ببيت المدراش في ناصرة الجليل، وعندما: " دَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأ فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ" (لو 4: 16-17)، وكان يجيد الكتابة: " وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ" (يو 8: 6)، وكان يعرف اللغة اليونانية فتحدث مع اليونانيين الذين آتوا إليه قائلين لفيلبس: " نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ" (يو 12: 21)، وعندما تعجَّب اليهود من معرفته للكتب " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ تعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 16)... " إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّـهِ" (يو 8: 40)، والحديث هنا من جهة ناسوته كمُرسَل من اللَّه، وكتعبير عن علاقة الحُب الكائنة بينه وبين الآب، فقال: " تعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 16)، وقد: " تَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ كَيْفَ هذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ" (يو 7: 15) كان قصدهم أنه لم يتعلم عن أحد الربيين، مثلما تعلم شاول الطرسوسي عند قدمي غمالائيل (أع 22: 3).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(212) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص451، 452.

(214) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص501.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/719.html

تقصير الرابط:
tak.la/bn6t9fz