St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

709- هل العددان (يو 5: 3، 4) غير أصليين في النص، لأنهما لم يردا في بعض المخطوطات القديمة وبعض الترجمات؟ وقد حذفت الترجمة اليسوعية والكاثوليكية آخر العدد (يو 5: 3) " يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ" بالإضافة للعدد (يو 5: 4)، وورد هذا العددان في الترجمة العربية المشتركة بين قوسين؟ ولماذا اختار السيد المسيح هذا المريض بالذات (يو 5: 5) دون أن يسأله عن إيمانه قبل أن يشفيه، واختار أن يشفيه في يوم سبت (يو 5: 9)؟ وكيف يسأل السيد المسيح مريضاً طريحاً منذ 38 سنة: " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ" (يو 5: 6)؟

 

سؤال 709: هل العددان (يو 5: 3-4) غير أصليين في النص، لأنهما لم يردا في بعض المخطوطات القديمة وبعض الترجمات؟ وقد حذفت الترجمة اليسوعية والكاثوليكية آخر العدد (يو 5: 3) " يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ" بالإضافة للعدد (يو 5: 4)، وورد هذا العددان في الترجمة العربية المشتركة بين قوسين؟ ولماذا اختار السيد المسيح هذا المريض بالذات (يو 5: 5) دون أن يسأله عن إيمانه قبل أن يشفيه، واختار أن يشفيه في يوم سبت (يو 5: 9)؟ وكيف يسأل السيد المسيح مريضًا طريحًا منذ 38 سنة: " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ" (يو 5: 6)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل العددان (يو 5: 3-4) غير أصليين في النص، لأنهما لم يردا في بعض المخطوطات القديمة وبعض الترجمات؟

1- هذان العددان سقطا من أحد النُسَّاخ وهو ينسخ مخطوطته، وهذا أمر وارد من ضمن الأخطاء غير المتعمدة التي يقع فيها النُسَّاخ، وقد ناقشنا هذا بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 2 من س105 إلى س119، والمخطوطات التي اعتمدت على هذه المخطوطة ونسخت منها خلت من هذين العددين، بينما ظل هذان العددان في العدد الأكبر من المخطوطات القديمة، مثل النسخة الإسكندرية التي ترجع للقرن الخامس الميلادي وكذلك في المخطوطة الفاتيكانية وغيرهما. وأيضًا وُجد هذان العددان في الترجمات القديمة مثل الترجمة السريانية البشيتا، والترجمة اللاتينية الفولجاتا، ووجدتا في "الدياتسرون" الذي يرجع إلى عام 175م، واقتبسها بعض الآباء الأولين مثل العلامة ترتليان، والقديس أمبروسيوس، والقديس جيروم، والقديس يوحنا الذهبي الفم، والقديس كيرلس الكبير والقديس أغسطينوس، واعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه البِركَة هيَ تصوير للمعمودية، ونزول الملاك يُشير لعمل الروح القدس، فمياه المعمودية تدفن كل خطايا وآثام وشرور الإنسان، ويخرج منها إنسانًا جديدًا ابنا للَّه ويصلح للملكوت.

2- إن كانت الترجمة اليسوعية والكاثوليكية خلتا من هذين العددين، فأنهما جاءا في ترجمة فاندايك، وترجمة الحياة، وترجمة الأخبار السارة، وترجمة اللجنة القبطية للأنبا غريغوريوس وآخرون، كما جاءت في كثير من الترجمات الإنجليزية مثل:

- King James Bible

- New American Siandard Bible

- American King James Version

- Darby Bible Translation

3- لو حذفنا عبارة: " لأَنَّ مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلًا بَعْدَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ اعْتَرَاهُ" (يو 5: 4) فإننا نفرّغ القصة من مضمونها ومحتواها، ولصارت القصة قصة شفاء عادية من الأملاح المعدنية التي حوتها مياه البِركَة، فما الداعي لذكرها في الإنجيل؟!! ولماذا تجمع هذا العدد الكبير من المرضى؟! وماذا ينتظرون؟!! (راجع وليم ماكدونالد - تفسير إنجيل يوحنا، ص414).

 

ثانيًا: لماذا اختار السيد المسيح هذا المريض بالذات (يو 5: 5) دون أن يسأله عن إيمانه قبل أن يشفيه، واختار أن يشفيه في يوم سبت (يو 5: 9)؟

1- في السنة الثانية من خدمة السيد المسيح شاءت الحكمة الإلهية أن يشفى هذا الإنسان المريض منذ 38 عامًا، أي قبل ولادة يسوع المسيح بالجسد بسبع سنوات، فهو الحالة المستعصية في هذا المكان، وأكثر من طال انتظاره، فهو معروف لدى جميع الذين يأتون ليصنعوا رحمة مع هؤلاء المرضى، فشفاءه يُمثل بارقة أمل لكل إنسان طال مرضه واستعصت حالته على الشفاء، وشفاءه يهب الأمل لكل مريض مُتأزم يرجو المراحم الإلهية، وشفاءه يُنقذ أي إنسان من أن يسقط في بالوعة اليأس. وشفاءه يُجسم الافتقاد الإلهي، فهوذا إنسان ليس له إنسان يُعينه، افتقده ابن الإنسان، فأنعم عليه بالشفاء والبرء والصحة والعافية... إلخ.

2- نعم لم يسأل السيد المسيح هذا الرجل عن إيمانه، لكن هذا الرجل الذي كاد أن يفقد إيمانه، أظهر إيمانه بأعماله، إذ نفذ ثلاثة أمور يصعب تنفيذ أي منها بدون إيمان:

أ- " قُمِ" فقام من فراش المرض بعد 38 عامًا، أول مرة ينهض فيها ودون أن يُساعده أحد، ولم يقل للسيد المسيح: اشفني أولًا حتى أستطيع أن أقوم، إنما أطاع وقام ونهض، وكأنه عائد من الموت للحياة.

ب- " احْمِلْ سَرِيرَكَ" وهذا يحتاج إلى درجة إيمان أقوى، فلا يكفي أن أقوم، ولا يكفي أن أقوم بدون مد يد المساعدة، بل أقوم وأحمل سريري.

جـ- " وَامْشِ" وهذا يحتاج إلى درجة إيمان أقوى وأقوى. أحمل سريري وأسير على قدمي حتى أبلغ بيتي وأذهب للهيكل وأعود أنظر أمجاده!!

يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " انظر إلى إيمان هذا المخلع أنه لما سمع من المسيح "قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" لم يضحك، ولكنه نهض وصار معافى، لم يُخالف ما أشار به عليه، وحمل سريره ومشى" (149). ويقول "القس أبو الفرج": " فقال يوحنا فم الذهب أن المسيح لم يطلب من المخلع الإيمان كما طلب من المرضى الآخرين الذين أبرأهم، لأن هؤلاء كانوا قد سمعوا بعجائبه ورأوها فلزمهم الإيمان بقدرته على صنع العجائب، أما المخلع فلم يُمكنه أن يعرف الرب يسوع! ولا سمع شيئًا عنه، فلم يكن يمكنه أن يؤمن" (150).

وقد يعترض البعض قائلًا: ألم يكن كافيًا أن السيد المسيح يشفي هذا الرجل دون أن يأمره بحمل سريره والسير في شوارع أورشليم مما أثار حفيظة اليهود واستفز مشاعرهم، وهؤلاء النُقَّاد لم يدركوا أن مدة إقامة هذا الرجل بجوار البِركَة زمنًا هذا مقداره، فربما خسر كل ممتلكاته، حتى أنه لم يعد له سرير آخر في بيته، فالعالِم بكل شيء أوصاه أن يأخذ سريره معه. أيضًا كونه يحمل سريره ويمشي أمام كثير من الناس الذين يعرفونه سيجعلهم يتساءلون كيف نهض من فراش المرض بعد عشرات السنين، وبهذا يوجه نظرهم نحو المسيا.

3- اختار السيد المسيح أن يشفي هذا المريض في يوم سبت لعدة أسباب نذكر منها:

أ- أراد الرب يسوع أن يُبطل وصايا الفريسيين الذين حافظوا على حفظ السبت بطريقة مُقززة، حتى قالوا أن هناك نوع من عُقَدْ الحبال التي تحتاج كلتا اليدين ممنوعة في السبت، مثل عقدة البحَّار أو عقدة الجمَّال، أمَّا العقدة التي تحتاج ليد واحدة وتُحل بيد واحدة فهيَ لا تكسر السبت، وحرَّموا حمل ثقل يزيد عن مقدار وزن ثمرة التين الجافة، أو كأس واحد من النبيذ، أو جرعة لبن واحدة، أو مسحة من الزيت، فلا يحل للإنسان أن يستخدم عكازيه اللذين يتوكأ عليهما، أو طاقم أسنانه، أو ساقه الخشبية، ولا تتحلى المرأة بمصوغاتها، ولا تحمل المُرضعة طفلها، ولا يحمل الرجل أبرة مشبوكة في ثوبه، والبعض حرَّم أكل البيضة التي تضعها الدجاجة في يوم سبت، فأراد السيد المسيح أن يصحح تلك المفاهيم الخاطئة.

ب- أراد الرب يسوع أن يُعلّم الشعب أن عمل الرحمة لا يكسر وصية السبت، فالكهنة يختنون الأطفال في اليوم الثامن حتى لو كان سبتًا، وإن سقط خروف في حفرة في يوم سبت فإن صاحبه يخرجه من الحفرة.

جـ- من يضع الدستور أو القانون من حقه أن يُعدل فيه، فالسيد المسيح هو "رب السبت" فهو الذي أعطى وصية السبت، فمن حقه أن يبدل السبت بالأحد يوم قيامته من الموت، فالسبت كان ظلًا ليوم الراحة الحقيقية (الأحد)، ولهذا أجرى السيد المسيح الكثير من معجزات الشفاء في أيام السبوت (مت 12: 9-14؛ مر 1: 21-25؛ 3: 1-6؛ لو 6: 6-11؛ 13: 10-16؛ 14: 1-6؛ يو 9: 14) ودافع عن تلاميذه عندما قطفوا السنابل وأكلوا منها يوم سبت (مت 12: 1-8)، وأوضح السيد المسيح المفهوم الصحيح للسبت (مت 12: 11-12؛ لو 13: 10-16؛ يو 7: 20-24).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: كيف يسأل السيد المسيح مريضًا طريحًا من 38 سنة: " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ" (يو 5: 6)؟ سأل السيد المسيح هذا الرجل المريض لعدة أسباب:

1- سأله ليؤكد رغبته في الشفاء، فربما طول مدة إقامته في هذا المكان جعلته يتأقلم مع هذا الوضع الردىء ويرضى به، وربما يكون الأمل قد مات في أعماقه. ثم أن عطايا اللَّه لا تُفرض على الإنسان، ولا تُمنح له عنوة، لأن اللَّه يحترم حرية إرادة الإنسان، ولا يهب عطاياه إلاَّ لمن يرغب فيها ويقبلها، حتى أنه لا يفرض ملكوته على أحد. لن يحيا الإنسان حياة القداسة في هذا الدهر ولا يدخل الملكوت في الدهر الآتي إلاَّ إذا كان يشاء ويرغب في هذا بكامل إرادته. يقول "القديس كيرلس الكبير": " كان الدليل الساطع على منتهى صلاح المسيح، إنه لم يكن ينتظر توسلًا من المرضى، بل كان يُلبي طلباتهم بحنوه ومحبته. لأنه كما ترون، قد أسرع نحوه حيث يرقد، وتعاطف مع المريض الذي كان بلا راحة. لكن سؤاله عما إذا كان المريض يريد شفاءًا، لم يكن من قبيل الجهل بشيء معروف وظاهر للعيان بل سؤال من يريد أن يحرك الرغبة الجادة في الشفاء، ليُثير فيه توسلًا باجتهاد أكثر. أن السؤال ما إذا كان المريض يُريد أن ينال ما اشتاق إليه كان سؤالًا عظيمًا في طرحه وقوة تعبيره، إذ للمسيح السلطان على العطاء، وها هوذا مُستعد أن يُقدِّم الشفاء، إنما ينتظر فقط طلبة الذي يُريد أن ينال النعمة" (151).

2- عندما سأل السيد المسيح هذا المريض " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأ؟" أجاب طريح الفراش: " لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ" (يو 5: 4) أظهر دعة هذا الرجل ومدى تواضعه، فإن السؤال لم يستثيره ولم يستفزه، ولم يقل حتى في نفسه: إن لم أكن أشتاق للشفاء فلماذا لازمت هذا المكان زمنًا هذا مقداره؟! لم يضجر الرجل من السؤال، لأن السؤال كان مُغلَّفًا بالحُب، بل أن السؤال أثار مكامن أشواقه واشتياقاته نحو الشفاء. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "سأله لا لكي يعرف (أنه يُريد الشفاء)، فإنه لم يكن السيد محتاجًا إلى ذلك، وإنما أراد إبراز مُثابرة الرجل، وأنه بسبب هذا ترك الآخرين وجاء إليه... مُثابرة المفلوج مُذهلة... لقد استمر راقدًا ولم ينسحب من البركة... لنخجل أيها الأحباء، لنخجل ونتنهد على شدة تراخينا. ثمانية وثلاثون عامًا وهو ينتظر دون أن ينال ما يترجاه ومع هذا لم ينسحب لم يفشل بسبب إهمال من جانبه، وإنما خلال ضغط الآخرين وعنفهم ومتاعبهم. هذا كله لم يجعله مُتبلدًا، بينما نحن إن ثابرنا في الصلاة لمدة عشرة أيام من أجل أمر ما ولم ننله تهبط غيرتنا"(152). كما قال "القديس يوحنا الذهبي الفم" أيضًا: " لم ينطق بتجديف نظير ما يقوله أكثر الناس في مصائبهم، ولا لعن يومه ولا استصعب السؤال، ولا قال للمسيح أنك جئت بي مُستهزأ إذ تسألني أتريد أن تبرأ؟ لكنه قال بوداعة كثيرة: "يَا سَيِّدُ لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ: على الرغم من أنه لم يعرف من هو سائله ولا شعر أنه اعتزم أن يشفيه، لكنه وصف أحواله كلها بدعة وما طلب شيئًا أكثر"(153). كان كل ما يصبو إليه هذا المفلوج أن يسوع يتردّد عليه، حتى إذا جاء الملاك ليُحرك الماء يعينه على النزول أولًا للبِركَة.

3- كان السبب في مرض هذا الإنسان خطيته، مثلما أُصيبت مريم بالبرص عندما تكلمت عن أخيها موسى بالرديء (عد 12: 10)، ومثلما ضُرب جيحزي بالبرص بسبب طمعه وكذبه (2مل 5: 27)، فعندما سأله السيد المسيح: " أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأ؟" وأجاب بالإيجاب، فهو بهذا يُعلن مفارقته لخطاياه وتوبته عنها. إذًا نحن أمام حالة مريض روحيًا وجسديًا، وعندما سأله المسيح عن رغبته وأظهر أنه يشتاق للشفاء، فقد وهبه الشفاء الروحي، وعندما أمره بأن يقم ويحمل سريره ويمشي، فقد وهبه الشفاء الجسدي، فهيَ حالة مُشابهة للمفلوج الذي أنزلوه من السقف، فغفر له السيد المسيح خطاياه أولًا (مر 2: 5) ثم أقامه ثانية (مر 2: 11).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/709.html

تقصير الرابط:
tak.la/g2bxbpp