St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

706- كيف يحرج السيد المسيح هذه المرأة ويفضحها ويُشهّر بها ويكشف أسرار حياتها (يو 4: 18)؟ وأي جبل قصدته المرأة السامرية بقولها: " آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ" (يو 4: 20) وماذا كان تعليق السيد المسيح على قولها؟ وهل ولادة السيد المسيح كيهودي وقوله " لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ" (يو 4: 22) يُعد دليلاً على عنصريته وتحيزه لشعب بعينه؟ وهل كان يسوع يعلم أنه المسيا (يو 4: 25، 26) وحاول أن يخفي مسيانيته؟

 

سؤال 706: كيف يحرج السيد المسيح هذه المرأة ويفضحها ويُشهّر بها ويكشف أسرار حياتها (يو 4: 18)؟ وأي جبل قصدته المرأة السامرية بقولها: " آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ" (يو 4: 20) وماذا كان تعليق السيد المسيح على قولها؟ وهل ولادة السيد المسيح كيهودي وقوله " لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ" (يو 4: 22) يُعد دليلًا على عنصريته وتحيزه لشعب بعينه؟ وهل كان يسوع يعلم أنه المسيا (يو 4: 25-26) وحاول أن يخفي مسيانيته؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: كيف يحرج السيد المسيح هذه المرأة ويفضحها ويُشهّر بها ويكشف أسرار حياتها (يو 4: 18)...؟ لم يحرج السيد المسيح هذه المرأة ولم يفضحها ولا شهَّر بها، لأنه لم يكن هناك أحد في المكان إذ كانت الساعة السادسة أي منتصف النهار فلا أحد يستقي ماءً في هذا الوقت، وأوضح الإنجيل أن التلاميذ أيضًا انصرفوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا (يو 4: 8). وبالطبع بعد أن ربح المرأة السامرية وبها اصطاد المدينة كلها لم يذكر أي شيء عن ماضي هذه المرأة، بالرغم من أن سيرتها ومسيرتها كانت معروفة لأهل المدينة. ما فعله السيد المسيح أنه كطبيب ماهر استخدم مشرطه لكيما يستأصل الورم الخبيث من جسدها، حتى لا تموت به، مُخاطبًا إياها بأسلوب راقي مهذّب، بل شجعها ومدحها مُشيدًا بصدقها قائلًا لها: "هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" فكان كلامه اللين هذا بمثابة المرهم الشافي لجراحاتها، فهو الطبيب الماهر الذي يجرح ويعصب، يجرح ويداه تشفيان. والمرأة السامرية من جانبها تحدثت معه باحترام بالغ وتطوُّر في لغة التخاطب، من رجل يهودي، إلى السيد، إلى النبي، إلى المسيا. لم ترده ولم ترد عليه بألفاظ قاسية ولم تسخر من قوله أن عنده ماء الحياة الذي يشرب منه لا يعطش أبدًا، وفي نفس الوقت يلتمس منها أن تُعطيه ماء ليشرب، إنما قدَّرته وأحبته " أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ" (يو 4: 19)... رأته مُختلفًا عن جميع الرجال الذين عرفتهم، فالجميع يطلبون لذاتهم أما هو فسار الساعات في حر النهار لينقذها، ويحولها إلى كاروزة. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " كم كانت حكمة هذه المرأة عظيمة، وكم كان خضوعها إذ قبلت التوبيخ... في هذا التوبيح يذكر أمرين: يعدد جميع أزواجها السابقين، ويوبخها على ذلك الذي تعيش معه حينئذ وهيَ تحاول أن تخفي أمره. هنا ماذا صنعت المرأة؟ لم تبدِ ضيقًا ولا تركته هاربة، ولا حسبت كلامه إهانة، لكنها على العكس أبدت إعجابها به، وفاق تقديرها له، إذ قالت: "يَا سَيِّدُ أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ". تطلع إلى رزانتها، إذ لم تندفع إليه مباشرة، لكنها وهيَ تقدره وتُعجب به قالت: " أَرَى" أي... "يبدو أنك كنبي..."(135)؟ كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم" أيضًا: "ما أعجب هذا الأمر، كم كانت فلسفة هذه المرأة وكيف قبلت توبيخ المسيح بأفضل ورع، إذ لما أعلن المسيح فعلها المستور لم تستصعب ذلك ولا تركته وهربت، ولكنها تعجبت بالأكثر لأنها قالت له: " أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ "..."(136).

 

ثانيًا: أي جبل قصدته المرأة السامرية بقولها: " آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ" (يو 4: 20)، وماذا كان تعليق السيد المسيح عليها؟

1- الجبل المقصود هو جبل جرزيم، جبل البركات الذي أُعلنت من فوقه البركات التي تحل على جميع الذين يطيعون الوصايا الإلهية " وَإِذَا جَاءَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكِيْ تَمْتَلِكَهَا فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ" (تث 11: 29) (راجع يش 8: 30-34). ومعنى "جرزيم" بالعبرية גְּרִזִים "الفرائض" أي مكان تقديم العبادة والقرابين والمحرقات والعشور، وكان هذا الجبل يشرف على مدينة شكيم (نابلس حاليًا) من الجهة الجنوبية، ويبلغ ارتفاعه نحو 880 مترًا، وقديمًا في شكيم حلّ يعقوب وأولاده: " وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ" (تك 33: 20)، وعند سفح جبل جرزيم تجد البئر التي حفرها يعقوب، وفي شكيم دُفنت عظام يوسف (يش 24: 32)، وزعم السامريون أن إبراهيم قدم ابنه إسحق ذبيحة على جبل جرزيم، بينما أكد اليهود أن الجبل الذي قدم عليه إبراهيم ابنه إسحق هو جبل المريا الذي أُقيم عليه هيكل أورشليم، وليس هيكل جرزيم. واختلفت التوراة السامرية عن النص الماسوري العبراني إذ جعلت مكان بناء المذبح الذي أمر به الرب في (تث 27: 4-8) جبل جرزيم بدلًا من جبل عيبال (راجع د. إميل إسحق - الكتاب المقدَّس بلغاته الأصلية ص33، 34، وهامش الترجمة العربية المشتركة - الإصدار الثاني سنة 1995 - الطبعة الرابعة ص247).

2- علَّق السيد المسيح على قول السامرية عن مكان السجود الصريح، إذا كان جبل جرزيم أو هيكل أورشليم قائلًا: " يَا امْرَأَةُ صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ... تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ" (يو 4: 21-23). اندهشت المرأة السامرية من هذا القول، إذ كيف لإنسان يهودي تقي في مكان نبي ولا يتمسك بمكان العبادة، إنما يركز على طريقة العبادة؟!! العبادة في أورشليم تحوَّلت إلى شكليات فصارت مرفوضة، والعبادة في السامرة مشوبة بالوثنية، أيضًا السيد المسيح لم يُجاملها ولم يقل لها كلنا واحد، لا فرق بين أورشليم والسامرة، إنما أوضح لها حقيقة أن الخلاص من اليهود. لقد أراد السيد المسيح أن لا يربط العبادة بمكان معين، حتى لو كان هذا المكان أورشليم، فهو جاء ليؤسّس عهدًا جديدًا يجمع جميع الشعوب ليعبدوا اللَّه بالروح والحق، بدون التقيُّد بمكان مُعين لأن " لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" (مز 24: 1)، بالمسيح يسوع تتحقَّق نبوءة ملاخي النبي: " لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ لأَنَّ اسْمِي عَظِيمٌ بَيْـنَ الأُمَمِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (ملا 1: 11).

يقول "وليم باركلي": " لعل الخيال لا يشطح بنا بعيدًا، إذ تصوَّرنا أن المرأة قالت في نفسها: "أنني أشعر بخطيتي أمام اللَّه، وأُريد أن أُقدِّم ذبيحة خطية، ينبغي أن أصفي حسابي مع اللَّه، وأتقدم بذبيحة في هيكله. تُرى في أي مكان ينبغي أن أتقدم بهذه الذبيحة؟"... لقد كان جواب المسيح للسامرية بأنه لا حاجة بها أن تغيّر مكانها. لا حاجة أن تذهب إلى هنا، أو هناك لتجد اللَّه..."(137). لقد تحققَّت نبوءة ملاخي النبي، وها أنت ترى الكنائس مُنتشرة من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب، وجاء في "التفسير التطبيقي": " لقد أثارت المرأة موضوعًا لاهوتيًا عامًا شائعًا، وهو الوضع الصحيح للعبادة، لكن الرب يسوع أدار الحديث ثانية إلى احتياجاتها الشخصية الخاصة. وكان سؤالها عن "مكان العبادة" مجرد ستار تُخفي خلفه أعمق احتياجاتها. لكن الرب يسوع ردها ثانية إلى "كيفية العبادة"، ومن الذي نحتاج إلى معونته"(138). ويقول "وليم إدي": " أحب يسوع أن يعبّر للناس عن اللَّه بهذا الاسم (الآب) باعتبار أنه تعالى أب للناس لعنايته بهم وحُبه إياهم على السواء وجعل يسوع بهذا القول اليهود والسامريين في منزلة واحدة أمام اللَّه وذلك خلاف اعتقاد اليهود أنه أبوهم دون غيرهم" (139).

وهنا في لقاء السيد المسيح مع المرأة السامرية نرى أمرًا عجيبًا، إذ يكشف لها عن سر الثالوث القدوس، مثلما كشف عن شخصيته وعدم محدوديته وسر الفداء لنيقوديموس (يو 3: 13-14)، ومثلما كشف عن بنوته للَّه للمولود أعمى (يو 9: 35، 38)، هكذا يكشف للسامرية عن سر الثالوث: " السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ" (يو 4: 23) فالروح هو روح اللَّه القدوس، روح الآب (مت 10: 20) وهو روح الابن (غل 4: 6). والحق هو السيد المسيح أقنوم الكلمة، الذي قال عن نفسه: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَـقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو 14: 6) فعقيدة الثالوث حقيقة، وليست فذلكة عقلية من نتاج فلاسفة الإسكندرية في القرن الثاني الميلادي بهدف التوفيق بين المسيحية والفلسفات اليونانية، كقول "ول ديورانت" Will Durant، فهوذا موقف عارض يعلن فيه السيد المسيح للسامرية سر الثالوث، فهو سر مُعلن وواضح في الكتاب المقدَّس كله بعهديه القديم والجديد، وجميع المؤمنين لهم شركة مع الثالوث القدوس، فهيَ عقيدة حياتية نعيشها كل يوم، وكل لحظة نُصلِّي فيها ونرشم ذواتنا بالصليب: " بِاسم الآب والابن والروح القدس. اللَّه الواحد. آمين" (راجع د. موريس تاوضروس - اللوغوس مفهوم الكلمة في العهد الجديد جـ 1 ص138، وكتابنا: أسئلة حول حتمية التثليث والتوحيد).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: هل ولادة السيد المسيح كيهودي وقوله " لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ" (يو 4: 22) يُعد دليلًا على عنصريته وتحيزه لشعب بعينه...؟ بينما ضلت شعوب العالم وراء آلهة غريبة، أراد اللَّه أن يقتني له شعبًا مقدَّسًا مختارًا، بهدف:

1- أن يهب اللَّه حُبه ورعايته لهذا الشعب، وهم يقدمون ولائهم له، ووجد اللَّه ضالته المنشودة في رجل الإيمان إبراهيم أب الآباء، الذي نجح نجاحًا باهرًا في أعظم إمتحان إجتازه إنسان، فاختاره وباركه وبارك ذريته إسحق ويعقوب والأسباط، فقال له اللَّه: " وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ" (تك 17: 7) وشهد القرآن لهذا الاختيار قائلًا: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" (سورة الأنعام 84). لقد اختار اللَّه إبراهيم وأحبه، وأعدَّه ليكون خميرة تُخمر عجينة البشرية كلها عندما تتبارك جميع الأمم في المسيح يسوع ابن داود ابن إبراهيم: " وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِـلِ الأَرْضِ" (تك 12: 3) (راجع تك 22: 18).

2- أن يكون هذا الشعب شاهدًا للرب في ظُلمة هذا العالم بأنه الإله الحي الحقيقي، كقول الرب: " أَنْتُمْ شُهُودِي يَقُولُ الرَّبُّ وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ" (إش 43: 10-11).

3- أن يودع هذا الشعب كلمته المكتوبة خلال الأسفار المقدَّسة فيحفظها وهيَ تحفظه، كقول بولس الرسول: " إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ... أَمَّا أَوَّلًا فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللَّـهِ" (رو 3: 1-2) (راجع رو 9: 4) وشهد القرآن بهذا: " وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ" (سورة الجاثية 16) (راجع أيضًا سورة البقرة 47؛ والمائدة 20؛ والأعراف 159؛ والأسراء 2). كما شهد القرآن بأن اليهود يعرفون الكتاب كما يعرفون أولادهم: " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ" (سورة البقرة 146)، فالشعب اليهودي مشهود له بشدة تمسكه وحفظه لتراثه، فبالرغم من تشتته في مشارق الأرض ومغاربها من سنة 70م وعلى مدار ما يقرب من ألفي عام ظل مُحتفظًا بلغته، والأسفار المقدَّسة.

4- من هذا الشعب يأتي مُخلِّص العالم: " يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ" (مت 1: 1). " وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِه..." (غل 3: 16).

وإن كان يسوع المسيح جاء من الشعب اليهودي، لكنه جاء لأجل كل إنسان في العالم، فهو "ابن الإنسان" ابن الإنسانية جمعاء، كل البشرية في كل زمان ومكان. عند ولادته قال الملاك للرعاة: " وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو 2: 11)، وقال عنه يوحنا المعمدان: " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29)، فليس لدى اللَّه أفضلية لجنس على جنس: " فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع 10: 35). فنحن نعرف المسيح ليس كشخص يهودي، بل كمُخلِّص للعالم: " إِذًا نَحْنُ مِنَ الآنَ لاَ نَعْرِفُ أَحَدًا حَسَبَ الْجَسَدِ. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لكِنِ الآنَ لاَ نَعْرِفُهُ بَعْدُ. إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كو 5: 16-17).

5- لم يهمل اللَّه الأمم الأخرى، فتعامل مع الأمم والملوك الأمميين مثل مدينة نينوى، وملكي صادق، وفرعون مصر، ونبوخذنصر، وكورش، وراحاب وراعوث، وقال السيد المسيح: " وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو 10: 16) ولم ينسى السامرية، ولم يمتدح أحدًا مثلما امتدح قائد المئة الأُممي والمرأة الكنعانية، ووحَّد بدم صليبه الشعب اليهودي مع الشعوب الأممية (أف 2: 14-15؛ كو 3: 11).

لو أن السيد المسيح أقنوم الكلمة تجسَّد من أي شعب آخر غير الشعب اليهودي لظل السؤال قائمًا: لماذا هذا الشعب بعينه؟! وكأننا نُريد أن نفرض على اللَّه اختياراتنا ونخضعه لمشيئتنا. (للمزيد يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم جـ 2 س108).

 

رابعًا: هل كان يسوع يعلم أنه المسيا (يو 4: 25-26) وحاول أن يخفي مسيانيته؟

1- قال الإنجيل: " قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ" (يو 4: 25-26) ومعنى "مسيا" أي "ذاك الذي سيعود" (راجع العهد الجديد بالخلفيات التوضيحية). وبلا أدنى شك أن يسوع كان يُدرك أنه المسيا ابن اللَّه الحي، ففي تجسده لم يتخلى عن طبيعته الإلهية، وكل ما استجد أنه اتحد بطبيعة بشرية نقية دون أدنى تغيُّر في طبيعته الإلهية، فكيف لا يعرف أنه المسيا ابن اللَّه الحي؟!! وليس معنى قول الإنجيل: " فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ الله وَالنَّاسِ" (لو 2: 52) أنه لم يكن يُدرك أنه المسيا (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 7 س561)، فعندما كان في الهيكل وله من العمر اثنتي عشرة سنة قال لأمه وليوسف: " لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي" (لو 2: 49). وفي العماد جاء صوت الآب واضحًا: " أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (لو 3: 22) وحلَّ الروح القدس عليه على شكل حمامة، وقال أندراوس لأخيه بطرس: " قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا الَّذِي تَفْسِيرُهُ الْمَسِيحُ" (يو 1: 41). وعندما سأل السيد المسيح تلاميذه عن هويته، وأجاب بطرس: " أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله الْحَيِّ" (مت 16: 16) طوَّبه على شهادته الذي أعلنها له الآب، وعندما أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه ليسوع يسألانه: " أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَر" (مت 11: 3) أجابهما بالإيجاب والدليل، وفي حديثه مع السامرية أجابها صراحة أنه هو المسيا، وأفصح عن هويته أنه هو يهوه: "أنا الذي أكلمك هو" = الذي أكلمك أنا هو = الذي أكلمك يهوه (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س635 - إنجيل "أنا هو"). وقال السيد المسيح للفريسيين: " وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَق لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ..." (يو 8: 14)، وعندما سأل رئيس الكهنة يسوع "هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله" أجاب بالإيجاب والدليل (مت 26: 63-64؛ مر 14: 61-64؛ لو 22: 66-71) وهذه مجرد أمثلة تثبت إدراك يسوع لكونه المسيا ابن اللَّه الحي.

2- هل حاول السيد المسيح أن يخفي مسيانيته...؟ في ذلك الوقت كان الشعور اليهودي القومي قوي جدًا ضد الظلم الروماني، وازداد الشعور الجمعي بأن زمن ظهور المسيا قد حان، وظهر حزب الغيورين باتجاهاته المختلفة، فمنهم من يرفضون المحتل الرومان ولكنهم لا يلجأون إلى العنف مثل الفريسيين الذين ينقمون على الرومان، وعلى العشارين الموالين للرومان، ومنهم حزب الغيورين المتطرف "SICAIRES" حملة الخناجر الذين ينتهزون فرص الازدحام فيطعنون الجندي الروماني ويتوهون في الزحام. وكان الشعب ككل في لهفة لظهور المسيا الذي يسحق الرومان ويُقيم الدولة الثيؤقراطية ويرفعهم فوق كل الشعوب. وقد رفض السيد المسيح أن يكون هو المسيا بهذا المفهوم اليهودي المتطرف: " وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ" (يو 6: 15). لقد رفض السيد المسيح أن يعلن عن نفسه أنه المسيا ابن اللَّه الحي، لذلك عندما اعترف بطرس بأنه المسيح ابن اللَّه الحي " فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ" (مر 8: 30)، وبعد التجلي " أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُحَدِّثُوا أَحَدًا بِمَا أَبْصَرُوا" (مر 9: 9) كما انتهر الشياطين لكي لا يظهروه (راجع مر 1: 25، 34؛ 3: 11-12؛ 7: 36). يقول "الدكتور القس حنا جرجس الخضري": "حاول يسوع هنا أيضًا أن يخفي مسيانيته... أولًا: ليس هو المسيا الذي نسجته المخيلة اليهودية والغيورية. وثانيًا: ليس هو المسيا الذي يُسبب الاضطرابات السياسية والاجتماعية والدينية، بل هو المسيا الذي يمنح السلام للنفوس المضطربة سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا" (140).

وبينما لم يفصح السيد المسيح عن مسيانيته لليهود، فإنه أعلن عن مسيانيته وأنه هو "يهوه" للمرأة السامرية. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "بالنسبة لليهود الذين كانوا يرددون باستمرار: "إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا" (يو 10: 24) لم يعطهم جوابًا شافيًا. أما بالنسبة لهذه المرأة فقال لها بصراحة: "أَنَا هُوَ"، لأن المرأة كانت غير منحازة وذات تفكير وضمير عادل أكثر من اليهود، إذ لم يسألوا لكي يتعلموا، بل كانوا دائمي السخرية منه... أما هذه فسمعت وآمنت ودعت آخرين أيضًا إلى الإيمان وفي كل الأحوال تلاحظ دقتها وانضباطها وإيمانها" (141). أن السيد المسيح يعلم عظمة هذه المرأة السامرية، فبينما أحضر أندراوس أخيه بطرس، وفيلبس أحضر نثنائيل، ونيقوديموس لم يحضر أحدًا، فإن هذه المرأة اجتذبت المدينة كلها للسيد المسيح.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(136) المرجع السابق، ص332.

(137) ترجمة د. عزت زكي - بشارة يوحنا، جـ1، ص227، 228.

(138) التفسير التطبيقي، ص2183.

(139) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص43.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/706.html

تقصير الرابط:
tak.la/vtk38z2