سؤال 705: إذا كان يوحنا انصرف مع التلاميذ ليشتروا طعامًا (يو 4: 8) فكيف عرف حديث السيد المسيح مع السامرية (يو 4: 7-21)؟ وهل يوحنا الحبيب اقتبس قصة السامرية (يو 4) من التراث الهندوسي الوثني القديم، فهيَ قصة خيالية بدليل أنها لم يرد لها ذكر في الأناجيل الأخرى؟ وهل أدركت المرأة السامرية قصد السيد المسيح بالماء الحي (يو 4: 10)؟ وهل قول السيد المسيح في (يو 4: 14) مُقتبس من أقوال فيلو الفيلسوف اليهودي بأن المياه هيَ كلام الله؟

ج: أولًا: إذا كان يوحنا انصرف مع التلاميذ ليشتروا طعامًا (يو 4: 8) فكيف عرف حديث السيد المسيح مع السامرية (يو 4: 7-21)...؟ قد يكون يوحنا الحبيب عرف تفاصيل هذا اللقاء من:
1- المرأة السامرية نفسها عقب هذا اللقاء، فالمرأة قد: " تَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ" (يو 4: 28-29) فلن تستحي أن تحكي تفاصيل اللقاء ليوحنا، ولا سيما لو سألها عما حدث، وقد أمضى السيد المسيح مع تلاميذه يومين في هذا المكان فتآلفوا مع سكان المدينة.
2- كان يوحنا الحبيب قريبًا جدًا إلى قلب يسوع، فربما سأله عن تفاصيل اللقاء والسيد المسيح بسابق علمه يعلم أن يوحنا سيسجل هذا الحدث، ولذلك حكى له تفاصيل هذا اللقاء.
3- عندما آمن أهل السامرة بعد كرازة فيلبس، ذهب بطرس ويوحنا إلى السامرة، وبلا شك كانت الفرصة متاحة أكثر للقاء المرأة السامرية التي التهب قلبها بمحبة يسوع، فكانت الفرصة مُتاحة لتقص للرسولين ذكريات لقائها مع مُخلِّص العالم.
4- هناك احتمال أن التلاميذ انصرفوا لشراء الطعام، بينما لازم يوحنا مُعلِّمه لئلا يعتدي أحد من السامريين عليه، فاستسمح مُعلِّمه أن يظل معه، فوافقه، لكيما يسجل فيما بعد هذا اللقاء في إنجيله.
ومهما كان المصدر الذي استمد منه يوحنا الحبيب معلوماته، فنحن نثق تمامًا في صدقه وتحريه الدقة، وما دام سُجّل هذا اللقاء في الإنجيل فإن روح اللَّه القدوس يعدُّ شريكًا ليوحنا في تسجيل الحدث، وقد ختم وصدَّق على صحة ما ذكره القديس يوحنا.
ثانيًا: هل يوحنا الحبيب اقتبس قصة السامرية (يو 4) من التراث الهندوسي الوثني القديم، فهيَ قصة خيالية بدليل أنها لم يرد لها ذكر في الأناجيل الأخرى؟
1- يحكي "مولر" في كتاب: "العلوم الدينية" ص140 قصة شائعة في التراث الهندوسي الوثني مُشابهة لقصة المرأة السامرية مع السيد المسيح، فيقول: "وفي إحدى الأيام إلتقى" أنا ندا" تلميذ بوذا وهو سائر في البلاد بالمرأة "مناجي" وهيَ من سبط الكندلاس المرذولين قرب بئر ماء، فطلب منها قليلًا من الماء، فأخبرته عن سبطها، وأنه لا يجوز له أن يقترب منها، لأنها من سبط محتقر، فقال لها: يا أختي إني لم أسألك عن سبطك وعن عائلتك، إنما سألتك شربة ماء، فصارت من ذاك الحين تلميذة بوذيَّة" (محمد أبو زهرة - مقارنات الأديان - الديانات القديمة ص62)(130). وما أكثر الأدلة على فساد هذا الرأي، ونكتفي هنا بالقليل منها:
أ- لم يذهب يوحنا الرسول إلى بلاد الهند، وبالتالي ليس لديه هذه الثقافة الهندوسية، وأيضًا يوحنا كشخصية يهودية مُلتزمة من سبط كهنوتي، فهو يُدرك أن عبادات هذه الأمم عبادات شيطانية، فخلف كل وثن شيطان، ولا أظن أن التراث الهندوسي كان مُنتشرًا في أفسس حيث كتب القديس يوحنا إنجيله مع نهاية القرن الأول الميلادي. إذًا من المؤكد أن يوحنا الحبيب لم يعرف هذه القصة الهندوسية ولم يتأثر بها.
ب- هل يوحنا الذي تتلمذ على يد الحق الإلهي، يمكن أن يخدع البشرية، فيأتي بقصة هندوسية وينسبها للسيد المسيح، الإله المتجسّد؟!! إن القرآن شهد لصدق وأمانة وقداسة الرسل الأطهار الذي ضحوا بحياتهم ولم يضحوا بمبادئهم (راجع سورة آل عمران 52؛ والمائدة 111؛ والصف 14) وشهد بهذا الكاتب الكبير عباس محمود العقاد في كتابه: "عبقرية المسيح"؟
جـ- ولو أن يوحنا أو غيره من كُتَّاب الأسفار المقدَّسة نسج قصص أسطورية أو خيالية وضمنها سفره، لصار الكتاب المقدَّس مكدَّس بالخرافات والأساطير، فكيف شهد له القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا واصفًا إياه بأنه نور وهدى (راجع مدارس النقد - عهد قديم، جـ 5 س314، س315، س316، س317) حيث تم مناقشة هذه الأمور بالتفصيل.
2- قال "دكتور محمد علي زهران" عن قصة السامرية: "ونستطيع نقرّر في اطمئنان أن القصة برمتها خيالية رمزية، لم تحدث. لأن أحدًا من الثلاثة (الإنجيليين) لم يذكرها، لأن المؤلف الفيلسوف (كاتب إنجيل يوحنا) تفرَّد بها على طريقته في مخالفة المنقول والمعقول" (131). وقد أغفل الناقد أن كل إنجيلي من الإنجيليين الأربعة له انفراداته، وهذا لا يُعد مدعاة للشك في هذه الانفرادات، لأن " كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّـهِ" (2 تي 3: 16)، ولو شككنا في هذه التفردات فإن القديس يوحنا انفرد بنحو 92% مما جاء في إنجيله، فكيف قبلت الكنيسة إنجيلًا مشكوك في صحته بنسبة 92%؟!! وقد سبق وناقشنا هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س634.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل أدركت المرأة السامرية قصد السيد المسيح بالماء الحي (يو 4: 10)...؟ قال الإنجيل: " أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ الله وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا" (يو 4: 9-10) فظنت المرأة أن المقصود بالماء الحي أنه الماء الذي ينبع من ينبوع ماء حي، وليس ماءًا راكدًا أسن، وكانوا يدعون مياه الآبار مياه ميتة، أمَّا المياه الجارية فهيَ مياه حية، ولم يكن ببئر يعقوب ينبوع ماء حي، إنما كانت ترشح المياه من طبقات التربة المُحيطة بها، وكانت البئر عميقة ففي سنة 1935م عندما طهروا هذه البئر اكتشفوا أن عمقها يبلغ 138 قدمًا (راجع الكتاب المقدَّس الدراسي ص2518). وعلى كلٍ فإن المرأة السامرية لم تُدرك قصد يسوع بماء الحياة، وأنه يقصد به البركات الروحية كما جاء في سفر إشعياء: " فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ الْخَلاَصِ" (إش 12: 3). وهذه المياه تشير أيضًا للروح القدس كقول إشعياء النبي: " لأَنِّي أَسْكُبُ مَاءً عَلَى الْعَطْشَانِ وَسُيُولًا عَلَى الْيَابِسَةِ. أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى نَسْلِكَ وَبَرَكَتِي عَلَى ذُرِّيَّتِكَ" (إش 44: 3). اللَّه هو مصدر البركات نادى قديمًا على شعبه: " أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ" (إش 55: 1) وما زال ينادي: " أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّانًا" (رؤ 21: 6). عاتب شعبه قائلًا: " تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر 2: 13) (راجع إر 17: 13). ولأن هذه المرأة لم تُدرك قصد يسوع من الماء الحي لذلك قالت له: " يَا سَيِّدُ لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ" (يو 4: 11-12). ولم يشاء السيد المسيح أن يتباهى أمامها مؤكدًا أنه فعلًا أعظم من يعقوب، ولكنه أوضح لها عظم الفارق بين ماء الحياة، وماء العالم. يقول "القديس كيرلس الكبير": " تطرح المرأة السامرية، سؤالًا يصعب إجابته بقولها: ألعلك أعظم من أبينا يعقوب؟ أما المخلِّص فبكل حكمة، يتجنب أي تباه، فلا يقول أنه أعظم من يعقوب، لكنه يحثها من خلال طبيعة الأشياء أن تقبله فهو الذي يفوق الجميع. لهذا يكشف عن الفارق الذي لا يقارن بين المياه الروحية، والمياه المادية الملموسة قائلًا: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ" لكن حسب قوله الذي يمتلئ بمائي، لن يكف فقط عن العطش، بل يملك في داخله "يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" لهذا فإن الذي يُعطي الأعظم هو أعظم من الذي يُعطي الأقل" (132).
رابعًا: هل قول السيد المسيح في (يو 4: 14) مُقتبس من أقوال فيلو الفيلسوف اليهودي بأن المياه هيَ كلام الله...؟ قال "فيلو" تعليقًا على قول اللَّه في سفر إرمياء النبي: " تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ..." (إر 2: 13) بأن المياه هيَ كلام اللَّه في التوراة، وهو كلام حق وحكمة وحياة، وقال بعض النُقَّاد أن السيد المسيح عندما قال: " الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو 4: 14) مُقتبس من أقوال فيلو. وتجاهل هؤلاء النُقَّاد حقيقة هامة جدًا وهيَ أن السيد المسيح صاحب العهدين، العهد القديم والعهد الجديد. هو الذي تكلم قديمًا وهو الذي تكلم حديثًا. يقول "الأب متى المسكين": "وهنا أيضًا يظهر الفارق الشاسع بين الاثنين (فيلو وإنجيل يوحنا) فالأول كرسام يرسم الماء على الحائط للعطشان، والثاني يُقدم ماءً حقيقيًا يروي العطشان ريًا. وهنا المسيح إنما يحقق قول إرميا النبي لأنه قد جاء ليُكمل النبوءة بالفعل والعمل. فإرميا كان يتنبأ عن المسيح، فإذا تكلم المسيح بما قال إرميا فهو إنما يتكلم عن نفسه بالحق، فهو صاحب العهد القديم بكل نبؤاته: "فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ" (رؤ 19: 10) ولكن إذا تكلم فيلو عما قاله إرميا، فهو في حقيقة الأمر، يتكلم عن المسيح ولكن دون أن يدري" (133).
وجاء في "القاموس الموسوعي للعهد الجديد": " الجوع والعطش في كتابات يوحنا لهما معنى مزدوج. فالعطش الطبيعي (يو 4: 13) والجوع الجسدي (يو 6: 1-13) يشيران إلى التطلع إلى الحياة بصفة عامة. واستغل يسوع هذا التطلع لكي يبين أن الشبع لا يوجد إلاَّ فيه هو، لأنه مُعطي الحياة (يو 4: 14-15؛ 6: 35؛ 7: 37). غير أن كل ما تم الوعد به في كل هذه الأحوال عن الشبع من الجوع والعطش لن يتحقق بالكامل إلاَّ في عالم اللَّه الجديد، حيث ستنتهي كل الاحتياجات المادية والروحية (رؤ 7: 16؛ 21: 6؛ 22: 17)" (134). لقد آمنت المرأة السامرية وصدقت كلام السيد المسيح ووثقت فيه، فطلبت هذا الماء الحي لتُطفئ ظمأها لحياة الفضيلة. قال مار إفرام السرياني أن هذه المرأة تزوجت خمس مرات، فكلما تزوجت بزوج مات، حتى شيع عنها أنها تقتل أزواجها، فجاء الرجل السادس وساكنها بدون زواج... كان اليهود يقبلون أن تُطلق المرأة مرتين أو ثلاث مرات على أقصى تقدير، أمَّا ما زاد على ذلك فكان يُعد إنحلال ونجاسة، وهذه المرأة تعدت العدد القياسي، ومع ذلك وجدت لها مكانًا في قلب المسيح.
_____
(130) أورده د. محمد علي زهران - إنجيل يوحنا في الميزان، ص385.
(131) أورده د. محمد علي زهران - إنجيل يوحنا في الميزان، ص387.
(132) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا، ص228.
(133) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا، ص389.
(134) فرلين د. فبربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد، ص530.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/705.html
تقصير الرابط:
tak.la/8xwswsk