سؤال 704: هل معمودية التلاميذ في (يو 4: 1-2) تعادل معمودية العهد الجديد؟ ولماذا عندما: " تَرَكَ الْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضًا إِلَى الْجَلِيلِ. وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ" (يو 4: 3-4)؟ ومتى وهب يعقوب لابنه يوسف الضيعة (يو 4: 5) مع أنه نزل إلى مصر ومات فيها؟ وهل فعلًا السامريون أبناء يعقوب (يو 4: 12)؟

ج: أولًا: هل معمودية التلاميذ في (يو 4: 1-2) تعادل معمودية العهد الجديد...؟ معمودية التلاميذ التي أجروها في حياة السيد المسيح في (يو 4: 1-2) هيَ معمودية للتوبة، أي شاهدة على توبة الإنسان المعمَّد مثلها مثل معمودية يوحنا المعمدان تمامًا " كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مر 1: 4) (راجع مت 3: 1-2، 6؛ لو 3: 3؛ أع 19: 4). وهذه المعمودية كانت معروفة قبل يوحنا المعمدان حيث كان تجرى:
1- للرجل الأُممي المختون ويُريد أن يتهوَّد، فالأممي الأغلف إذا أراد أن يتهوَّد يجري عملية الختان، أمَّا إذا كان مختونًا وأراد أن يتهوَّد فيعتمد بمعمودية الماء.
2- للكاهن عند دخوله الخدمة في سن الثلاثين عامًا طبقًا لوصية اللَّه لموسى النبي: " وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ" (خر 29: 4).
3- للعروس يوم زفافها فتُجرى لها مثل هذه المعمودية، وكانت تُدعى في هذه الحالة "ميكفا" ويشترط أن تتم في مياه نبع جاري، كدليل على أن العروس قد تركت حياتها الأولى القديمة، وتتعهد بأن تبدأ حياة زوجية صالحة.
ومعمودية العهد الجديد تختلف تمامًا عن معمودية التوبة، فقال يوحنا المعمدان: " أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي... هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت 3: 11) فهناك فرق بين معمودية التلاميذ التي أجروها في حياة السيد المسيح السيد بالجسد، فكانت معمودية ماء للتوبة، أمَّا معمودية العهد الجديد فهيَ بالماء والروح القدس. ومعمودية التوبة لا تهب مغفرة الخطايا، إنما تؤهل الإنسان لمغفرة خطاياه التي تغفر بمعمودية العهد الجديد، فمن اعتمد بيد يوحنا المعمدان وآمن بالمسيح كان عليه أن يعتمد بمعمودية العهد الجديد كقول بولس الرسول للتلاميذ الذين إلتقى بهم في أفسس: " إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (أع 19: 4). معمودية العهد الجديد هيَ موت مع المسيح ودفن وقيامته، تستمد قوتها من ذبيحة الصليب، أمَّا معمودية التوبة فكانت قبل صلب المسيح وقيامته، وقبل حلول الروح القدس على الكنيسة.
ثانيًا: لماذا عندما: " تَرَكَ الْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضًا إِلَى الْجَلِيلِ. وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ" (يو 4: 3-4)؟
1- لماذا ترك يسوع اليهودية ومضى إلى الجليل؟
أ- لأن الصراع احتدم مع الفريسيين ورؤساء الكهنة بعد تطهير الهيكل، وفي الوقت ذاته لم يكن السيد المسيح قد أتم خدمته، وساعته لم تدنو بعد، بينما عندما تأتي الساعة التي حدَّدها لتقديم ذاته عندئذ سيوجه وجهه نحو أورشليم ولا يرده أحد.
ب- السيد المسيح هنا يُطبق ما علم به: " وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (مت 10: 23)، فعندما يغير الإنسان مكانه تجنبًا للمخاطر لا يُعد هذا خطية، فما دام في وسع الإنسان أن يغير المكان الذي يضطهدونه فيه فليفعل تجنبًا للمخاطر، دون أن يُنكر إيمانه. هكذا فعل مسيحيو أورشليم بعد استشهاد استفانوس، والذين تشتتوا لم يكفوا عن الكرازة بالكلمة.
جـ- عاد السيد المسيح إلى الجليل حيث أن التعصب أقل كثيرًا من أورشليم، والأعداء أقل كثيرًا من الذين في أورشليم. كما أن إحدى عشر من التلاميذ موطنهم وعائلاتهم في الجليل المنفتح على الأمم.
2- ما معنى: " كَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ"...؟ لكي يصل الإنسان من اليهودية للجليل أو العكس من الجليل لليهودية، كان هناك طريقان، الطريق القصير المباشر، وهو يمر بالسامرة، لأن الجليل يقع شمالًا واليهودية جنوبًا والسامرة بينهما، ولكن نظرًا للعداء المُستحكم بين اليهود والسامريين، ولأن اليهود يحتقرون السامريين، والسامريون لا يطيقون اليهود، لذلك كان الطريق محفوف بالمضايقات والمخاطر، وكان الطريق يستغرق نحو ثلاثة أيام مما يلزم المسافر أن يمضي ليلتين في السامرة. أمَّا الطريق الآخر فهو يقع شرق الأردن ويمر بمنطقة بيريه، وهو طريق طويل يستغرق نحو ستة أيام.
وأيضًا عبارة " كَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ" تعني أن وجوده في هذا المكان ولقاءه بالمرأة السامرية ثم السامريين لم يكن من قبيل المصادفة، بل كان عن قصد وتدبير إلهي وذلك:
أ- ليكسر الحاجز بين اليهود والسامريين، فسمح لتلاميذه أن يذهبوا ليشتروا طعامًا أعده السامريون، بينما كان اليهود يرفضون تناول أي طعام من أيدي السامريين، ويطلب ماءً ليشرب من يد امرأة سامرية، في الوقت الذي كان اليهودي يرفض أن يشرب من إناءً شرب منه إنسان سامري، فهو يُفضل قسوة العطش عن أن يشرب ماء من يد إنسان سامري. يقول"الأب دوناسيان مُلاَّ اليسوعي": "واليهود لا يخالطون السامريين وقد صدر تنظيم (سنة 65-66) يعتبر كل امرأة سامرية نجسة، ونتيجة لذلك حُرّم على اليهودي أن يستعمل إناء سامرية، وخاصة إذا كانت قد شربت منه. فمنذ الكلمات الأولى أظهر يسوع أنه مُتحرر من تعصب أُمته الديني والعنصري... أنه مُخلص العالم"(125).
ب- جاء السيد المسيح ليصطاد المرأة السامرية بشباك الطهارة وينقذها من نجاسة الشهوات، وبها يصطاد المدينة كلها وينقذهم من هوة الهلاك.
جـ- ليكسر الحاجز بين الرجل والمرأة، فالمرأة السامرية نفسها تعجبت من خطابه معها، وقالت: " كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ" (يو 4: 9)، وعندما عاد التلاميذ: " وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ" (يو 4: 27). كان الرجل اليهودي يُصلِّي كل صباح: " أبارك اسمك أيها الرب خالق العالمين لأنك خلقتني يهوديًا لا أمميًا، وحرًا لا عبدًا، ورجلًا لا امرأة" (126). أمَّا المرأة فكانت تُصلِّي: " أحمدك اللهم لأنك خلقتني كما أردت"، وكان اليهود يعتقدون أن حرق التوراة أفضل من أن تُلقى في مسامع امرأة، وقال "رابي اليعازر": " أي رجل يُعطي ابنته أي معرفة عن التوراة يكون كمن يُعلمها الدعارة". وقال "الأب إندره سكريما": " كان الربابنة اليهود يقولون بوجوب عدم مُخاطبة الرجل للمرأة في الطريق حتى ولو كانت أخته أو زوجته... وفي تعليم رباني آخر كان يحسب ماء السامريات أنجس من دم الخنازير"(127). وقال "رابي يوسا": "سأل جليلي امرأة يهودية في الطريق: أين الطريق إلى لدة؟ أجابت أيها الجليلي الأحمق ألم تسمع أنه ليس للرجل أن يتكلم مع امرأة في الطريق"(128). أما السيد المسيح فقد حطم هذا الحاجز فتعامل مع نساء كثيرات، وقبل خدمة بعضهن له، وجعلهم يستمعون لتعاليمه مثل الرجال، وهكذا يقول بولس الرسول: " لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ" (رو 10: 12). " لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غل 3: 28). لم يخجل السيد المسيح من أن يطلب من المرأة السامرية ماءً ليشرب، وعلى الصليب قال: " أَنَا عَطْشَانُ" (يو 19: 28) فإنه كان مُتعطشًا لخلاص النفوس التي جبلها على صورته ومثاله.
ثالثًا: متى وهب يعقوب لابنه يوسف الضيعة (يو 4: 5) مع أن يعقوب نزل إلى أرض مصر ومات فيها؟ قال الإنجيل: " فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ" (يو 4: 5). تقع مدينة سوخار تحت سفح جبل عيبال، جبل اللعنات، مقابل جبل جرزيم، جبل البركات (راجع تث 11: 29؛ 27: 11-13) وبين السفحين تقع مدينة شكيم، أول مدينة وقف بها إبرام في رحلته من حاران إلى كنعان، وفيها ظهر اللَّه له، فبنى إبرام أول مذبح للرب (تك 12: 7). وفيها اعتدى شكيم على دينة ابنة يعقوب، فانتقم شمعون ولاوي من أهل شكيم (تك 34: 24، 26) وكانت شكيم إحدى مدن الملجأً (يش 20: 7)، وفيها أقام يربعام عرش مملكة إسرائيل بعد الانقسام، ومعنى اسم "سوخار" أي "سكري" لأن سكانها اعتادوا السُكر. وقال الكتاب عن يعقوب: " وَابْتَاعَ قِطْعَةَ الْحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ مِنْ يَدِ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ. وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ" (تك33: 19-20). وعندما كان يعقوب في مصر وهو على فراش الموت وهب يعقوب ابنه يوسف هذه الضيعة: " وَقَالَ إِسْرَائِيلُ لِيُوسُفَ هَا أَنَا أَمُوتُ وَلكِنَّ الله سَيَكُونُ مَعَكُمْ وَيَرُدُّكُمْ إِلَى أَرْضِ آبَائِكُمْ. وَأَنَا قَدْ وَهَبْتُ لَكَ سَهْمًا وَاحِدًا فَوْقَ إِخْوَتِكَ أَخَذْتُهُ مِنْ يَدِ الأَمُورِيِّينَ بِسَيْفِي وَقَوْسِي" (تك 48: 21-22) والأمر العجيب أنه في هذه المدينة دفن بنو إسرائيل عظام يوسف التي حملوها معهم من أرض مصر عند خروجهم منها تنفيذًا لوصيته (يش 24: 32) (راجع قض 9: 7، 46). وقالت المرأة السامرية للسيد المسيح: " أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيه" (يو 4: 12). أنها أرض الآباء أرض مبروكة، ولكن شرور بني إسرائيل أسلمتهم للسبي الأشوري الكاسح ولم يتبقى منهم إلاَّ ضعفاء الأرض الذين تجانسوا مع الأمم الذي أحضرهم ملوك آشور إلى هذه المنطقة، فاختلط الدم اليهودي بالدم الأممي، وكان النتاج هم السامريين. أمَّا "بئر يعقوب" فما زالت قائمة للآن تحت سفح جبل جرزيم، وقد زارها اللفتنانت أندرسون في شهر مايو 1866م فوجد عمقها نحو 75 قدمًا، ونصف قطرها نحو 7 قدم، ونزل فيها ورأى جدرانها المُغشاة بالحجارة الغشيمة لكنها مُتماسكة (راجع الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا جـ1 ص274) [طبقًا للكتاب المقدَّس الدراسي ص2518 عمق البئر 138 قدمًا]. يقول "وليم ماكدونالد": "وخلال تجوال يسوع في تلك الربوع، كانت مشاهد تاريخها القديم ترتسم باستمرار في مخيلته... وكان هناك نبع يُعرف ببئر يعقوب، وما يزال باستطاعة الزوار رؤية تلك البئر، بما أنها من المواقع الكتابية القليلة التي يمكن تحديدها اليوم بشكل مؤكد تقريبًا"(129). وما أجمل تعبير القديس يوحنا: " فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ" (يو 4: 6) وعبارة "جَلَسَ هكَذَا" تعبير يوناني يشير إلى إنسان مُنهك القوى، ارتمى على الأرض، دون أن ينظف مكان جلوسه، هكذا تعب يسوع من أجل هذه المرأة السامرية، فسار من اليهودية إلى سوخار يعاني من حرارة الشمس والعطش، وجلوسه عند البئر كعريس ينتظر عروسه يُعيد إلى الأذهان لقاء لعازر الدمشقي مع رفقة (تك 24: 11-47)، ولقاء يعقوب براحيل (تك 29: 9-11)، ولقاء موسى ببنات رعوئيل (خر 2: 15-17).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
رابعًا: هل فعلًا السامريون أبناء يعقوب (يو 4: 12)...؟ خرج بنو إسرائيل من أرض مصر إلى أرض كنعان تحت قيادة موسى النبي ثم تلميذه يشوع بن نون، ثم مرَّ حكم القضاة الذي استمر نحو 325 سنة، ثم جاءت المملكة المتحدة تحت ملوك إسرائيل: شاول، ثم داود، ثم سليمان، وكل منهم حكم 40 سنة، وفي عهد رحبعام بن سليمان انشقت المملكة إلى مملكة جنوبية بها سبطي يهوذا وبنيامين، وعاصمتها أورشليم، ومملكة شمالية تشمل بقية الأسباط، وصارت عاصمتها السامرة، وعندما زاد شر المملكة الشمالية سُبيت بيد ملوك آشور نحو سنة 722ق.م وأتوا بهم إلى بلاد ما بين النهرين لم يتركوا إلاَّ ضعفاء الأرض، وآتى بقوم من بابل وكوث وحماة وسفروايم ووطنوهم في السامرة (2 مل 17: 6-24) فتصاهر بقية اليهود مع هؤلاء الأمم، ونشأ الجنس السامري من دماء مُختلطة، دم يهودي مع دماء أُممية، ثم سبى ملوك بابل المملكة الجنوبية نحو سنة 586 ق.م وبعد عودة يهود مملكة يهوذا من سبي بابل، وإعادة بناء أسوار أورشليم وتجديد هيكل أورشليم، أراد السامريون أن يُشاركونهم العمل، أمَّا يهود أورشليم فقالوا لهم: " لَيْسَ لَكُمْ وَلَنَا أَنْ نَبْنِيَ بَيْتًا لإِلهِنَا وَلكِنَّنَا نَحْنُ وَحْدَنَا نَبْنِي لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ" (عز 4: 3) فاشتدت العداوة بين اليهود والسامريين، ومما زاد العداوة بينهم أن نحميا طرد منسى الكاهن من خدمة الهيكل لأنه تزوج من ابنة سنبلط، فلجأ منسى إلى حميه سنبلط الذي أقام هيكلًا منافسًا لهيكل أورشليم على جبل جزريم، وكان مُشابهًا لهيكل أورشليم، بما حوله من منشآت، في القرن الرابع قبل الميلاد، وجاء في سفر المكابيين عن أنطيوخس ملك سوريا الذي دنس هيكل أورشليم وأبطل العبادة به: " وَلِيُدَنِّسَ هَيْكَلَ أُورُشَلِيمَ وَيَجْعَلَهُ عَلَى اسْمِ زَوْسٍ الأُولُمْبِيِّ وَيَجْعَلَ هَيْكَلَ جَرِزِّيمَ عَلَى اسْمِ زَوْسٍ مُؤْوِي الْغُرَبَاءِ لأَنَّ أَهْلَ الْمَوْضِعِ كَانُوا غُرَبَاءَ" (2 مك 6: 2) كما ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي هذا الهيكل وأنه مُطابق لهيكل أورشليم. وفي العصر الحديث تم اكتشاف آثار هيكل جرزيم هذا، وآثار المحرقات من بقايا عظام الحيوانات التي قُدِّمت ذبائح وصور هذه الاكتشافات مُتاحة على موقع "جوجل إيرث" (راجع د. غالي - موقع هوليبايبل - اكتشاف هيكل جرزيم). وقد كافح المكابيون جيش أنطيوخس الرابع، حتى انتصروا عليه وجدد يهوذا المكابي هيكل أورشليم، وفي سنة 128ق.م استولى يوحنا هيركانوس على شكيم ودمر هيكل جرزيم بعد بنائه بنحو مائتي عام (راجع يوسيفوس - تاريخ اليهود جـ 3 ف 9 فقرة 1). وكان السامريون لا يؤمنون إلاَّ بأسفار موسى الخمسة فقط، ويعيدون على جبل جرزيم الأعياد الكبرى الفصح، والحصاد، والمظال مع يوم الكفارة. ويذكر يوسيفوس أنه سنة 6 ق.م تسلَّل بعض السامريين إلى هيكل أورشليم ودنسوه إذ ألقوا عظامًا بشرية فيه، مما زاد من العداوة بين اليهود والسامريين، حتى أنهم إذا أرادوا أن يشتموا إنسانًا وصفوه بأنه "سامري"، وقالوا للسيد المسيح: " أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّـكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو 8: 48)، وقال يشوع بن سيراخ: " أُمَّتَانِ مَقَتَتْهُمَا نَفْسِي وَالثَّالِثَةُ لَيْسَتْ بِأُمَّةٍ السَّاكِنُونَ فِي جَبَلِ السَّامِرَةِ وَالْفِلِسْطِينِيُّونَ وَالشَّعْبُ الأَحْمَقُ السَّاكِنُ فِي شَكِيمَ" (سي 50: 27-28). أمَّا السيد المسيح فقد كانت المرأة السامرية والسامريين موضع اهتمامه، فأعطى مَثَل السامري الصالح (لو 10: 33-36)، ومدح الأبرص السامري الذي شُفي وعاد ليشكر (لو 17: 15-18) واهتم بالمرأة السامرية، وأوصى تلاميذه: " تكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع 1: 8)، فبشر فيلبس الشماس أهل السامرة (أع 8: 5) وأرسلت كنيسة أورشليم الرسولين بطرس ويوحنا لهذه المدينة (أع 8: 14) (راجع أيضًا مدارس النقد - عهد جديد جـ 1 س4).
_____
(125) دراسات في الكتاب المقدَّس - قراءات في إنجيل يوحنا، ص34.
(126) الدكتور القس إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا، ص162.
(127) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص70.
(128) أورده الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، ص300.
(129) تفسير إنجيل يوحنا، ص404.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/704.html
تقصير الرابط:
tak.la/kb6998d