سؤال 696: لماذا ذكر يوحنا الإنجيلي تطهير الهيكل (يو 2: 14-17) في بداية خدمة السيد المسيح، بينما ذكرتها الأناجيل الإزائية في نهاية خدمته؟ وكيف يكون السيد المسيح رئيس السلام (إش 9: 6)، وعوضًا عن أن يرحب بزوار الهيكل يجلدهم بالسوط (يو 2: 15)؟ وهل هذا التصرف (يو 2: 15) يمنحنا المبرر لنتصرف بعنف مع المُخطئين؟

ج: أولًا: لماذا ذكر يوحنا الإنجيلي تطهير الهيكل (يو 2: 14-17) في بداية خدمة السيد المسيح، بينما ذكرتها الأناجيل الإزائية في نهاية خدمته...؟ ذكرت الأناجيل الإزائية خدمة السيد المسيح في الجليل ورحلته الأخيرة إلى أورشليم، حيث دخل أورشليم كملك منتصر، وتطهيره للهيكل، والتآمر عليه وصلبه وموته وقيامته وصعوده. أمَّا إنجيل يوحنا فذكر خدمة السيد المسيح في اليهودية وأورشليم قبل خدمته في الجليل، ولذلك ذكر حادثتين لتطهير الهيكل، الأولى في بداية خدمة السيد المسيح (يو 2: 14-17) وهذه الحادثة لم يأتي لها ذكر في الأناجيل الأزائية، ثم ذكر حادثة تطهير الهيكل في بداية الأسبوع الأخير من خدمته (يو 12: 12-16) وهذه التي ذكرتها الأناجيل الأزائية، وهيَ التي جرت بعد الاستقبال الحافل ليسوع في دخوله أورشليم، وقد فرش الجمع ثيابهم على الطريق وحملوا سعف النخيل وهتفوا له (مت 21: 11) وصاحب هذه الحادثة الثانية معجزات شفاء عُمي وعُرج (مت 21: 14) وعقبها منع يسوع أي إنسان يجتاز الهيكل بمتاعٍ (مر 11: 16) ولحقها لعن شجرة التين (مت 21: 19). يقول "القس أبو الفرج": "من الضروري التمييز ما بين تطهير الهيكل الذي ذكره يوحنا (يو 2: 14-17) وما بين الذي ذكره سائر البشيرين، لأن الأول أي الذي ذكره يوحنا كان في أول خدمته وأمَّا الثاني أي الذي ذكره البشيرون الثلاثة فكان في نهاية خدمته أي قبل موته بأربعة أيام، والفرق بينهما أيضًا أن المسيح صنع هنا سوطًا من الحبال، ولم يفعل ذلك في المرة الثانية. وأيضًا كلمات التوبيخ مختلفة بينهما فوبخهم هنا على مجرد التجارة، وفي المرة الثانية وبخهم على الزور والخطف" (99). وإن كانت الأناجيل الإزائية ذكرت الصعود الأخير إلى أورشليم (مت 21: 12-13؛ مر 11: 15؛ لو 19: 45) فإن يوحنا الرسول ذكر صعود السيد المسيح إلى أورشليم أربع مرات في أعياد الفصح التي عبرت خلال مدة خدمته (يو 2: 13؛ 5: 1؛ 7: 10؛ 12: 12) (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س382).
ثانيًا: كيف يكون السيد المسيح رئيس السلام (إش 9: 6) وعوضًا عن أن يرحب بزوار الهيكل يجلدهم بالسوط (يو 2: 15)...؟ لقد صنع السيد المسيح سوطًا لطرد الحيوانات، وليس لطرد البشر، بدليل قول الإنجيل: " فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ" (يو 2: 15) ولم يأتِ ذكر أنه طرد البشر، فهو لم يضرب به أحد من البشر، بل مجرد أن رفعه، وظهر القليل جدًا جدًا من مجد لاهوته، فرَّ الناس من أمام وجهه، مثلما سقط الذين جاءوا للقبض عليه على وجوههم بمجرد أن أعلن ذاته قائلًا: " أَنَا هُوَ" (يو 18: 6-8). يقول "وليم ماكدونالد": " إن السوط الذي صنعه الرب من حبال يُرجَّح أنه كان من الصنف الصغير، ولا يدوّن النص أنه استخدمه على أحد من الناس. لكن من المحتمل أنه اكتفى بحمله في يده كرمز للسلطة، راح يحركه في الهواء أمامه عندما طرد التجار، وقلب موائد الصيارفة" (100).
لقد طهَّر السيد المسح الهيكل ولم يجرؤ أن يتصدى له أحد، لا حراس الهيكل الأشداء، ولا لاوي، ولا كاهن، ولا حتى رئيس الكهنة، بل الجميع فرُّوا من أمامه، وفي حادثة التطهير الثاني اعترفوا ضمنًا أنه فهل هذا بسلطان لذلك سألوه: " بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمـَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَان؟" (مت 21: 23). قال "القديس إيرينيؤس": " فنظرة نارية مُلتهبة من عينيه، وجلال الألوهية الذي يُكلل جبينه، فيه الكفاية" (101). (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س386).
ولم يكن العيب في بيع الحيوانات لأنها كانت لازمة لتقديم الذبائح، وأيضًا لم يكن الخطأ استبدال العملات، لأنه لا يجوز إيفاء ضريبة الهيكل، المفروضة على كل إنسان يهودي، من عملات البلاد الوثنية والتي يظهر عليها تأليه الإمبراطور، لكن الخطأ في وضع المكان المُستخدم لأجل هذه الأغراض، فعوضًا أن يكون خارج الهيكل في مكان قريب، فإن حنان وقيافا أقاموا هذه التجارة في فناء الهيكل، مُشاركين التجار أرباحهم القبيحة. وقيل أنه كان هناك مكانًا مُخصصًا خارج الهيكل لهذا الغرض تحت إشراف مجمع السنهدريم، فأقام حنان وقيافا سوقًا منافسًا في ساحة الهيكل، وكانوا يوصون الكهنة إن كان الحيوان الذي سيُقدم ذبيحة اشتراه صاحبه من سوق حنان وقيافا يقبلونه على الفور، إنما إذا كان مصدره السوق الأخرى خارج الهيكل فيتفننون في كشف أي عيب به ويرفضونه، حتى يضطر صاحبه أن يبيعه بسعر بخث لتجار الهيكل ويشتري حيوانًا آخر يوسوما بسمة الهيكل فيقبله الكاهن حتى لو كان به عيبًا، وكان فارق الأسعار بين السوقين ضخمًا يبلغ عدة أضعاف، قيل عشرة أضعاف، فراجت سوق حنان الذي نجح في إبتزاز زوار الهيكل واحتال عليهم بِاسم الدين، حتى أن الهيكل كان يصرخ لإلهه ليرسل من يخلع عنه تلك المعاملات البغيضة، وجاء في التلمود: "ويل لبيت حنان، ويل لفحيح الأفاعي! أنهم رؤساء كهنة وسلالتهم حفظة الخزانة، وأنسباؤهم سدنة الهيكل، وخدامهم يضربون الشعب بالعصي!" (102).
ومن أجل هذه المُمارسات الفاجرة استحقوا التأديب وأخيرًا خراب الهيكل بعد أن أساء اليهود استخدامه، وحولوه من بيت صلاة وعبادة وخشوع إلى مكان تجارة ومغارة لصوص، مما أشعل غيرة السيد المسيح، ونحن نُدرك تمامًا أن محبة يسوع وحنوه وطول أناته لا تتعارض على الإطلاق مع جديته وحزمه وعدله. يصف "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي الهيكل حينذاك، فيقول: " فتزاحم في ساحته بائعو الثيران والكباش والحمام حتى امتلأ بهم الرواق وأصبح لقذارته أقرب إلى مربط البهائم. كما كانت تكتنف الهيكل مكاتب الصيارفة التي لا يفتأ يتعالى منها رنين النقود مُختلطًا بصوت مساومات الناس وهم يستبدلون ما بيدهم من دراهم. فقد كان الكهنة في الأعياد يجمعون الفريضة المقدَّسة القديمة... ولم يكن قانونيًا أن يُؤتى بهذه الفدية من عملة أجنبية ولا سيما إذا كانت من النحاس الأحمر أو الأصفر، المنقوشة بصور وثنية أو كتابات كفرية. ولذلك كان اليهود يضطرون أن يبدلوا نقودهم إلى العملة المرغوبة، أي الشاقل الفضي، ومن ثم احتل الصيارفة مداخل الهيكل وشاركوا تجار الماشية من تحويل ذلك المكان المقدَّس إلى سوق للبيع والشراء، تختلط فيه البهائم بالناس. وتطغى فيه أصوات خوار البقر وثغاء الأغنام إلى صوت الكهنة وتراتيل اللاويين. وكان الكهنة يشتركون في هذه التجارة ويأخذون ضرائب من التجار ويُشاركونهم في أرباحهم، ومن ثم تألم السيد المسيح مما رأى من هوان بيت اللَّه واستهانة بقدسية هيكله... وقد كان مُخلصنا وديعًا وداعة كاملة رقيقًا رقة السماء الصافية، حنونًا حنان الأب نحو أبنائه... عطوفًا عطف الراعي على حملانه، غير عنيف ولا قاسي ولا مُتجهم ولا مُتهجم، ولا غضوب ولا مشاكس... بيد أن هذه الصفات كلها فيه لم تكن تعني أنه لم يكن يغضب، إذ لم يكن صارمًا وعنيفًا حين تكون الصرامة لازمة والعنف ضروريًا... فإذا تطلب الموقف تصرفًا قويًا أو كلمة عنيفة، كان يتصرف ذلك التصرف القوي" (103).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل هذا التصرف (يو 2: 15) يمنحنا المُبرر لنتصرف بعنف مع المُخطئين...؟ تصرُف السيد المسيح هنا لا يمنحنا المبرر أن نتصرف بعنف مع المُخطئين:
أولًا: لأننا لا نعرف الخفايا وملابسات كل موقف مثلما يعلمها فاحص القلوب والكُلى.
ثانيًا: لأنه هو الديان العادل الذي له حق الدينونة، أمَّا نحن فمن أقامنا ديانين للآخرين: " مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ لأَنَّ الله قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ" (رو 14: 4). ومكتوب: " لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1).
ثالثًا: السيد المسيح هو وحده الذي يستطيع أن يقدّر الموقف تقديرًا عادلًا، يجمع فيه بين العدل والرحمة، فبينما كان هنا موقفه شديدًا أمام الكهنة المُعاندين، فإن موقفه كان مُختلفًا تمامًا مع المرأة التي أُمسكت في ذات الفعل وتستحق الرجم حتمًا، لكنه رحمها وأعطاها فرصة أخرى لحياة جديدة.
رابعًا: يختلف الموقف مع الذين هم في موضع المسئولية، فهم مسئولون عن تقويم سلوك من يقعون في نطاق مسئوليتهم.
جاء في "التفسير التطبيقي": " لقد جدل الرب يسوع سوطًا من حبال وطرد الصيارفة والباعة من الهيكل، فهل معنى ذلك التصريح لنا باستخدام العنف ضد المُخطئين؟ أن سلطات معينة تخوَّل للبعض، ولكن ليس للجميع. فمثلًا سلطان استخدام الأسلحة وحجز الناس مخوَّل لضباط الشرطة فقط، وليس لعامة الشعب، وكذلك سلطان الحبس والسجن مخوَّل للقضاة وليس للمواطنين عامة كأفراد. وبالمثل كان ليسوع سلطان اللَّه، وهو ما لا نملكه" (104).
_____
(99) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص415.
(100) تفسير إنجيل يوحنا، ص394.
(101) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ1، ص157.
(102) أورده وليم باركلي - شرح بشارة يوحنا، جـ2، ص451.
(103) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس - الجزء الخامس - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص97.
(104) التفسير التطبيقي، ص2176.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/696.html
تقصير الرابط:
tak.la/nmzg7g4